الاتحاد الأميركي” .. و”الانقسام العربي

“الاتحاد الأميركي” .. و”الانقسام العربي”

أمَّة أميركية واحدة مصنوعة من أمم.. وأمَّة عربية تتحوّل إلى أمم!

صبحي غندور

مدير “مركز الحوار العربي” / واشنطن

في مثل هذا التاريخ من كل عام يُخاطب الرؤساء الأميركيون مواطينهم عن “حال الاتحاد الأميركي”. ويكون عادةً الخطاب الرئاسي أشبه بتقييم لما أنجزته إدارة الرئيس ولما تطمح بتحقيقه مستقبلاً.

ويتميّز خطاب أي رئيس أميركي عن “حال الاتحاد الأميركي” مطلع كلّ عام بأنّه خطاب الأجندة أو الإستراتيجية التي سيعتمدها الرئيس وإدارته، لفترةٍ من الزمن، على الصعيدين الداخلي والخارجي. وهو خطاب ينتهي عادةً بالتأكيد على “قوة الاتحاد الأميركي” وعلى السعي لتعزيز هذه القوة. أي هو عملياً تطبيقٌ لمقولة: (في الاتحاد قوَّة).

وممّا يلفت الانتباه أنّ الدستور الأميركي يمنع الحكومة الاتحادية المركزية من التدخّل في صلاحيات الولايات الخمسين التي يتألف منها “الاتحاد الأميركي”، لكن هذا الدستور لا يمنع إطلاقاً الحكومة المركزية (الإدارة) من التدخّل في شؤون الدول الأخرى!.

فواشنطن، مثلاً، هي الآن طرَفٌ مباشر ومتدخّل في معظم القضايا والأزمات العربية الراهنة. هي التي أوقفت على سبيل المثال مرجعية الأمم المتحدة للصراع العربي/الإسرائيلي وجعلت من نفسها المرجعية والحَكم، في حين أنّها طرف مباشر داعم لإسرائيل في هذا الصراع، و”واشنطن” هي أيضاً عرّاب الاتفاقات والمعاهدات التي حصلت بين مصر والأردن ومنظمة التحرير مع إسرائيل.

و”واشنطن” أيضاً كانت قوة عسكرية محتلّة في العراق، وهي الآن طرف مباشر في تقرير مصيره الأمني والسياسي. وكانت “واشنطن” كذلك في تقريرها لمصير السودان حينما دعمت انفصال الجنوب عن الشمال، كما هي (واشنطن) طرف مباشر في ما حدث ويحدث بما يُسمّى بدول “الربيع العربي” من تطوّرات سياسية وأمنية، وبالجوار الإقليمي لهذه الدول، وهي الآن في عموم القضايا العربية التي تتعلّق بالتحالفات الإقليمية!.

***

إنّ الأمة الأميركية جرى “صناعتها” على مدار قرونٍ خمسة فأنتجت “هُويّة أميركية واحدة” يعتزّ ويفخر بها كل أميركي مهما كانت أصوله القومية أو الثقافية أو لون بشرته أو معتقده الديني أو موقع ولايته الحالية. فالأمّة الأميركية هي الآن أشبه بنسيج متعدّد الألوان لكنّه “ثوب” أميركي مميّز له خصوصيته بين أمم العالم، ويحرص على صيانته كل الأميركيين. 

هذا على الجانب الأميركي، فما هو “الحال العربي”؟!

لو سألنا كلَّ إنسانٍ عربي عن أولويّة اهتماماته العامّة الآن، لكانت الإجابة حتماً محصورةً في أوضاع وطنه الصغير، لا “وطنه العربي الكبير”، ولا قضيّته الكبرى فلسطين، فالأمَّة الواحدة أصبحت الآن “أمماً”، وفي كلٍّ منها “أممٌ متعدّدة” بتعدّد الطوائف والقبائل والأصول الإثنية، ولدى كلٍّ منها أزمته الحادّة وصراعاته المفتوحة دون أن يلوح أفقُ أملٍ أو حلٌّ قريب.       

إنّ تعبير “الربيع العربي” أوحى وكأنّ ما يحدث في المنطقة العربية هو ثورةٌ واحدة موحّدة في الأساليب والقيادات والأهداف والظروف، وعلى أرضٍ واحدة وفي كيانٍ واحد، وهذا كلّه غير صحيح. فالمنطقة العربية هي أمَّةٌ واحدة، لكنّها تقوم على 22 دولة وكيان وأنظمة حكم وظروف مختلفة. وكان واضحاً، وما يزال، غياب المعيار العربي الواحد لتقييم هذه الانتفاضات الشعبية. فقد يكون معيار البعض العامل السياسي المحلي فقط، من خلال تغيير أشخاص في الحكم أو إسقاط نظام، بينما قد يكون المعيار، لدى البعض الآخر، مدى قدرة هذه الانتفاضات الشعبية على البقاء متحرّرة من التدخّل الأجنبي وشروطه المستقبلية على النظام البديل.

أيضاً، تختلف المعايير العربية، ممّا حدث حتّى الآن في المنطقة، تبعاً للمواقع العقَدية الفكرية والسياسية، كما هي أيضاً في المعايير الدينية والمذهبية والإثنية عند من يعتبرونها مرجعيتهم لتحديد مواقفهم من أيّ شأن.

إنّ هذه المتغيّرات العربية تحدث في مناخ تزداد فيه الطروحات الانقسامية داخل المجتمعات الوطنية، وقد سادت في الفترة الأخيرة بأشكال طائفية ومذهبية مختلفة، فما يحدث الآن في عموم أرض العرب، هو تعبيرٌ لا عن خطايا حكومات وأنظمة فقط، بل هو مرآةٌ تعكس الفهم الشعبي العربي الخاطئ للدين وللهويتين العربية والوطنية، ولمدى خلط بعض المعارضات بين مواجهة الحكومات وبين هدم الكيانات الوطنية، ولسقوط بعض المعارضين والمفكّرين في وحل وهُوّة التفكير الطائفي والمذهبي، وفي التماشي مع رغبات “الخارج” وشروطه للدعم والمساندة.

وقد كان من واجب الحركات السياسية الدينية أن تعطي الأولويّة لإصلاح المجتمع في أيِّ بلد، لأنّ ذلك هو مبرّر وجودها الأساسي، ولأنّ ذلك أيضاً هو السبيل الأسلم إلى إصلاح الدولة ونظام الحكم فيها. فالحركات السياسية الدينية، حين تعطي الأولوية لتغيير أنظمة الحكم، فذلك يعني بالنسبة لها بناء أطر حزبية فئوية ثمّ صراعات سياسية يومية مع “الآخر” في المجتمع، ثمّ صراعات لاحقة داخلية على السلطة والمناصب.. بينما إصلاح المجتمع يعني بناءً سليماً للدعوة والدعاة، ويوجب حسن الأسلوب والتعامل مع “الآخر” في المجتمع، واستخدام التأثير الإيجابي في الناس من خلال العمل الثقافي والفكري البعيد عن الفئوية والانتماءات الضيقة والمصالح الخاصة.

إنَّ الضعف العربي، المتراكم منذ أربعة عقود، هو بناء تدريجي كانت أسسه في تعطيل دور مصر العربي بعد المعاهدة مع إسرائيل، ثم في حجم التدخلات الأجنبية في أوطان لم يحصل التوافق بينها على مفهوم “الأمّة العربية” بعد تجزئة المستعمر الأوروبي للمنطقة وقيام أوطانٍ غاب فيها الولاء الوطني الواحد، وسادت في معظمها أوضاع طائفيّة وقبليّة، فامتزجت التجزئة العربيّة بين الأوطان مع الانقسامات الداخليّة في كلّ وطن.

أيضاً، اللافت في “حال الواقع العربي” الآن، أنّ هناك سعياً محموماً لتدويل الأزمات الداخلية في المنطقة العربية، ممّا يُعيد معظم أوطانها إلى حال الوصاية الأجنبية التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن الماضي. ويترافق مع مشاريع التدويل الجارية حالياً، وجود “واقع حال” إسرائيلي يقوم على سعيٍ متواصل منذ عقودٍ من الزمن لدعم وجود “دويلات” طائفية وإثنية في المنطقة العربية. وكل ذلك يحصل مع استخدام العديد من الجماعات ذات الأسماء الدينية أسلوب العنف الداخلي المسلّح الذي يستبيح كلّ شيء ويؤدي إلى مزيدٍ من الفتن والتفتّت والصراعات الداخلية.

***

هناك خلاصاتٍ هامّة للعرب من تاريخ التجربة الأميركية. فاستقلال أميركا عن التاج البريطاني كان حصيلة مقاومةٍ أميركية قادها جورج واشنطن، وهذا يؤكّد مشروعية وجود مقاومة عربية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي. كذلك، في التجربة الأميركية أنَّ أبراهام لنكولن قاد الجيش الاتحادي الشمالي ضدَّ انفصال الجنوب الأميركي، ولم يكن موقف واشنطن آنذاك قائماً على حقّ “الجنوب الأميركي” بتقرير مصيره !!

أيضاً في التجربة الأميركية، أنَّ قادة 13 ولاية اجتمعوا في فيلادلفيا عام 1787 لأشهر عديدة وهم يتحاورون حول كيفية تحقيق الاتحاد والتكامل بين هذه الولايات، عوضاً عن الشرذمة فيما بينها والصراعات التي عصفت بها عقب الاستقلال الأميركي.

فلِمَ تناقضت السياسات الأميركية في المنطقة العربية مع خلاصات التجربة الأميركية؟! ولماذا شجّعت “واشنطن” على تجزئة الكيانات القائمة عوضاً عن تسهيل الاتحاد فيما بينها، كما هي تجربة الولايات المتحدة؟

إنَّ العرب يريدون لأمَّتهم ما أراده الأميركيون للأمَّة الأميركية: وهذا يعني مقاومة ضدَّ الاحتلال من أجل التحرّر الوطني. والعرب يريدون لأمَّتهم حقّ اختيار البناء الدستوري السليم المتلائم مع طبيعة الأمَّة العربية وحضارتها، والذي يكفل أيضاً حرّيات المواطنين وحقوقهم في المشاركة بصنع القرار الوطني دون أيِّ تمييز. والعرب يريدون لأمَّتهم تكاملاً بين أوطان الأمَّة الواحدة وتطويرَ صيغ العمل العربي المشترك وصولاً إلى النموذج الاتحادي الأوروبي، إنْ تعذَّر الوصول الآن إلى النموذج الفيدرالي الأميركي. والعرب يريدون في أمَّتهم حقَّ رفض أيّة دعواتٍ انفصالية أو تقسيمية في كلِّ بلدٍ عربي، وتثبيت وحدة الكيانات ووحدة الأوطان ووحدة المواطنين.

فلِمَ لا تجعل واشنطن من تجربتها التاريخية نموذجاً لشعوب العالم، فتكون أميركا فعلاً بمثابة (الحلم الأميركي) لا كما كان حال سياستها “الكابوسية” القائمة على التدخّل السلبي في شؤون الدول الأخرى!.

وإذا كان “حال الاتحاد الأميركي” ما زال قوياً بفعل قوة الدستور الأميركي واستمرار “الاتحاد” بين الولايات الأميركية، فإنّ “الحال العربي” سيبقى ضعيفاً طالما أنّ الحياة الدستورية السليمة ما زالت مغيَّبَة والصراعات الداخلية والعربية هي السائدة!.

 

دلالات الوحدة بين سورية ومصر

دلالات الوحدة بين سورية ومصر

د . حسن نافعة

أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة‏‏

رغم عدم صمود هذه الوحدة لأكثر من ثلاث سنوات, فإن دلالات قيامها وانهيارها بهذه السرعة تستحق وقفة طويلة ومتأنية لاستخلاص دروس, قد تعين هذه الأمة على فهم حاضرها التعيس.

وفي تقديري أن الأوساط السياسية والأكاديمية والفكرية المعنية في مصر والعالم العربي, مطالبة بأن تستعد منذ الآن لتنظيم مجموعة من الفعاليت التي تليق بهذه الذكرى, آخذين في الاعتبار أن جميع الأجيال التي يقل عمرها الآن عن ستين عاما, لم تعاصر حدث إعلان الوحدة بين مصر وسورية, وربما لم تسمع عنه على الإطلاق, وبالتالي لا تستطيع أن تستوعب معانيه ودلالاته الحقيقية.‏‏

ولأن هذه الأجيال تعرضت, ولاتزال, لحملات ضارية استهدفت تزييف وعيها, وتشويه القيم والأهداف النبيلة التي ناضل من أجلها الآباء والأجداد, فقد باتت في أمس الحاجة لاستعادة وعيها, لإعادة الاعتبار لمعاني الاستقلال والوحدة والكرامة الوطنية والقومية, والتي كادت تختفي تماما من قاموس الخطاب السياسي الرسمي.‏‏

ربما يدهش البعض حين نطالب الشباب باستعادة ذاكرته القومية, وما حوته من تجارب وحدوية, في وقت تبدو فيه الأنظمة العربية عاجزة, حتى عن المحافظة على تماسك كيانات تبدو هي ذاتها مهددة بالتفتت والانقسام الى وحدات أصغر, ترسم حدودها على أسس دينية أو طائفية أو عرقية, غير أنه لا مجال للدهشة هنا, فاستعادة الأمة لذاكرتها القومية باتت هي السبيل الوحيد للمحافظة على الوحدة الوطنية لشعوبها, ولتجنب الوقوع في الهوة السحيقة, التي يحاول البعض أن يدفعها اليها دفعا.‏‏

وحين نطالب نخبنا السياسية والفكرية والأكاديمية, بالاستعداد لإقامة احتفالية كبرى في ذكرى قيام الوحدة بين مصر وسورية, فإننا لا نقصد تنظيم تظاهرات تلقى فيها الخطب, وتردد الشعارات, أو لتدبيج قصائد مديح تتغنى بالوحدة وفضائلها أو بحتميتها وضرورتها, بل نقصد وقفة تأمل لحقيقة ما جرى, بحلوه ومره, ودراسة الأسباب التي صنعت لحظات انتصار الأمة وانكساراتها, لعلنا نتخذ منها عبرة وموعظة حسنة تنفعنا لتجاوز ما هو قائم وتجنب ما هو قادم.‏‏

ليس بمقدور أحد أن ينكر أن لمصر خصوصية وطنية, باعتبارها واحدة من أقدم الدول المركزية في التاريخ, غير أن هذه الحقيقة يجب أن توضع بجانب حقيقة اخرى, وهي أن مصر تعرضت منذ انهيار حضارتها الفرعونية القديمة, حتى الفتح الإسلامي, لسلسلة لم تنقطع من الغزوات ومن الاحتلال الأجنبي, تغيرت خلالها لغتها وديانتها عدة مرات, الى أن استقرت في النهاية كدولة يتحدث جميع سكانها اللغة العربية, ويدين غالبيتهم بالإسلام. وربما تفسر هذه الحقيقة أسباب ارتباط مصر العميق بالخلافة الإسلامية, واستمرار وفائها لها, حتى انهيار الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الاولى.‏‏

ولأن الحركة الوطنية المصرية المطالبة بالاستقلال, نمت وترعرعت خلال فترة احتلال بريطاني باحت فيها الاكتشافات الأثرية بأسرار حضارتها القديمة المذهلة, فقد كان من الطبيعي أن تركز على خصوصية مصر, وعلى أهمية تعميق الشعور بانتماء وطني يربط تاريخها القديم بالحديث.‏‏

ومع ذلك فقد كان من اللافت للنظر هنا أن النخبة السياسية, التي قادت هذه الحركة بين ثورتي 1919 و,1952 كانت قادرة على أن تستوعب حقيقة ارتباط مصر عضويا, ولأسباب جيواستراتيجية ومصلحية, بعالمها العربي.‏‏

ولا يجب أن ننسى أن هذه النخبة الليبرالىة, التي عكست مصالح طبقة كبار الملاك الزراعيين والرأسمالية البازغة, لعبت دوراً حاسما ًفي إنشاء جامعة الدول العربية عام ,1945 وقيادة الدول العربية لخوض حرب1948 التي استهدفت منع قيام دولة يهودية في المنطقة. وفي تقديري أن قيادة عبدالناصر للحركة الوطنية المصرية عقب ثورة يوليو, لم ترجح كفة انتماء مصر القومي, خصما من انتمائها الوطني, كما يدعي البعض, بل كانت امتدادا طبيعيا للمرحلة التي سبقتها, والفرق بين المرحلتين كان فرقا في الدرجة, وليس في النوع ويعود أساسا الى تمتع مصر باستقلال كامل, منحها قدرا أكبر من حرية الحركة لم يكن متاحا لها من قبل.‏‏

ولإدراك دلالة تجربة الوحدة المصرية السورية في سياقها التاريخي, أود أن أطرح على شبابنا الذين لم تتح لهم معايشة تلك التجربة, أو دراستها, مجموعة من الأفكار, أتمنى أن تحظى باهتمامهم, وأن تكون موضع تأمل ومناقشة من جانبهم في تلك المرحلة الحساسة, التي تمر بها مصر والعالم العربي, وذلك على النحو التالي:‏‏

– اندلعت ثورة 1952 لأسباب مصرية بحتة, ولتحقيق أهداف تمحورت حول الاستقلال الوطني والتنمية والعدالة الاجتماعية, ومن أجلها خاضت معارك الإصلاح الزراعي, وبناء السد العالى والتصنيع وغيرها.‏‏

– استحال على مصر أن تنأى بنفسها بعيدا عن التفاعلات العربية في ظل الضغط الأمريكي, لربط المنطقة بسلسلة أحلاف عسكرية تطوق الاتحاد السوفييتي, ولإبرام معاهدة سلام مع إسرائيل قبل جلاء القوات البريطانية من قاعدة السويس.‏‏

وفي سياق هذه التفاعلات, دخلت مصر معارك عديدة ضد حلف بغداد, وقررت المشاركة في مؤتمر باندونج, وإبرام صفقة سلاح مع الاتحاد السوفييتي, والاعتراف بالصين.‏‏

لقد أدت هذه المعارك الى قيام الولايات المتحدة بسحب عرضها السابق بتمويل بناء السد العالي, ورد جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس, لينتهي الأمر بمعركة العدوان الثلاثي على مصر عام ,1956 والتي قادها عبدالناصر باقتدار, وحقق فيها انتصارا سياسيا, غير مسار الأحداث في المنطقة.‏‏

– اكتشف عبدالناصر في ثنايا هذه التفاعلات قيمة وأهمية العمق العربي في تعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية, واكتشفت الشعوب العربية في عبدالناصر, زعامة كاريزمية قادرة على قيادتها وتوحيدها في مواجهة الأطماع الاستعمارية والصهيونية. ومن المؤكد أن سعي النخبة السورية للوحدة مع مصر كان أكبر بكثير من سعي عبدالناصر للوحدة مع سورية.‏‏

– اشترط عبدالناصر لإتمام الوحدة إلغاء الأحزاب في سورية, وهو شرط تسبب ليس فقط في إجهاض الوحدة, ولكن في هزيمة 1967 أيضا.‏‏

وتعلم عبدالناصر من تجربة الانفصال, أن وحدة الهدف أهم من وحدة الصف, والتي يجب في جميع الأحوال أن تكون متدرجة, وأن تأخذ في اعتبارها الفروق القائمة بين المجتمعات العربية, لكنه ظل حتى رحيله عميق الإيمان بأهمية البعد العربي في سياسة مصر الخارجية.‏‏

أخيراً هناك إيمان كامل باستحالة وجود أي تناقض دائم بين مصالح مصر الوطنية, ومصالحها القومية, وبأن ما يحقق مصالح مصر الوطنية الحقيقية, لا يمكن إلا أن يضيف الى مصالح أمتها العربية, ولا يخصم منها, وما يقال عن مصر يمكن أن يقال عن بقية الدول العربية.‏‏

ومن الصعب إدراك هذه الحقيقة, إلا إذا كنا قادرين على التمييز بين المصالح الوطنية ومصالح النخبة الحاكمة., فمصالح النخبة الحاكمة, قد تكون انعكاسا لمصالح فرد أو أسرة أو قبيلة أو فئة اجتماعية, أما المصالح الوطنية فلا تعكسها إلا حكومات منتخبة انتخابا حرا وديمقراطيا.‏‏

الفكر المقاوم أعلى مرتبة من مراتب الفكر التبشيري

الفكر المقاوم أعلى مرتبة من مراتب الفكر التبشيري

د . نديم البيطار

في كتاباتي المختلفة كنت انتقد باستمرار قصور الفكر العربي الثوري وعجزه، وأرجع العجز والقصور إلى ما أسميته بطبيعته التبشيرية (أو الميتافيزيقية) كما كنت أفسر هذه الطبيعة بإرجاعها نهائياً إلى إطارات نفسية وعقلية قبلية ولا واعية لا تزال تبلور الذات العربية، وتتفرع من فلسفة الحياة الدينية الما ورائية التي تحدد الوجود العربي التقليدي وتتسرب إليه في جميع مستوياته وظواهره وأبعاده، وتقولب الشخصية العامة. فما هو هذا الفكر التبشيري؟ ما هي طبيعته[1]؟ الفكر المثالي الطوبائي الميتافيزيقي، الأخلاقي، أو ما درجت على تسميته بالفكر التبشيري يتميز، فيما يتميز به، بالركض وراء مقاصد لا يمكن تحقيقها، أو نحو مقاصد لا ترتبط بالواقع الاجتماعي التاريخي الموضوعي والقوى الفاعلة فيه. فهو فكر يحاول، في الوقت نفسه، السعي وراء أهداف متناقضة ينفي بعضها البعض الآخر، أو الوصول إلى مقاصد معينة دون أن تتوفر له الوسائل المناسبة. الفكر العربي الثوري هو، أساساً وفي معظمه، من هذا النوع.

النص الكامل