العولمة و«نهاية الدولة الوطنية»

العولمة و«نهاية الدولة الوطنية»

د. عبدالاله بلقزيز

معظم الذين فكروا في ظاهرة العولمة، عرباً كانوا أم غير عرب، فعلوا ذلك منطلقين من مقدمات يقينية على شكل مسلّمات، بل بديهيات، بلغة المنطق. ولأنهم انساقوا إلى لعبة المصادرة على المطلوب، ولم يعرضوا مقدماتهم على فحصٍ نظري يُسَائِلُها ويُعْمِل الفكرَ في مدى حُجِّيَتِها، فقد أفضى بهم ذلك إلى “استنتاج” نتائج نظرية متقررة سلفاً في تلك المقدمات! وبالتالي، لم يحصدوا من هذا الضرب من المقاربة – المحكوم بلعبة منطقية صورية- سوى “حقائق” مجرَّدة فارغة لا حياة فيها، ولا صلةَ تشدُّها إلى الواقع الموضوعي.

“نهاية الدولة الوطنية”، أو الدولة- الأمة، واحدة من تلك المقدمات/ البديهيات التي ينطلق منها كثيرٌ ممن تناول ظاهرة العولمة “بالدرس” لا يستقيم التفكير في العولمة – هنا- إلا متى جَرَتْ مقابَلَتُها بما يُحْتَسَبُ أنه في عداد نقائضها: والدولة الوطنية من تلك النقائض، هذه ليست حاصل بحث علمي، بل هي مقدمته التي لا “يقوم” من دونها! يجري تعريف العولمة سريعاً – بأنها إلغاءٌ للدولة الوطنية والاقتصاد القومي- حتى قبل تحليل الظاهرة. فيكون من حصيلة ذلك أن تترتب على التعريف القَبْلي للمفهوم نتائج تُكَيِّفُ مجمل التفكير في الظاهرة، وتفرض عليه وجهة ارتسمت علائمها سلفاً، إنه عبث المجرد في حضرة الواقع وأمام وَقَار المشخَّص.

ولو نحن تساءلنا عن الأسباب التي تَحْمل ذلك البعض على التسليم بأن العولمة ليست تعني – في المفهوم والنتائج- سوى إلغاء ظاهرة الدولة الوطنية، لوجدنا أن معظمها وقائعيٌّ سطحي: أي إحصاءٌ وصفيٌّ خارجي لمجمل الظواهر التي تخلق الانطباع بأن فضاء الدولة الوطنية – السياسي والاقتصادي- لم يعد يمثل رحم حقائق السياسة والاقتصاد، وأن هذين الأخيرين بَاتَا يتحركان ضمن مجال جغرافي أوسع وأرحب وأشمل من مجال كيان الدولة القومية.

ومن أدلة هؤلاء على ذلك، قيام الشركات متعددة الجنسيات الضخمة، واحتكارها الإنتاج في أهم مرافقه الصناعية والتِّقَانية الجديدة، ونشوء البنوك الإقليمية والدولية للاستثمار المالي والصناعي في المجال الدولي، وتأسيس المنظمة العالمية للتجارة الحرّة وصيرورتها المرجعية التشريعية الأولى للنشاط التجاري الدولي المتحرر من قيود الاقتصاد الوطني “القومي” الحمائية، و”تفعيل” دور الأمم المتحدة في السياسات الدولية، وتمتيع تدخلها السياسي بسلطة شرعية عالمية، وتفاقُم ظواهر الاختراق الثقافي والإعلامي الدولي للمجال الوطني وهدر أمنه الثقافي الذاتي.. الخ، وباختصار يجد هؤلاء ضالتهم في واقع المعاناة التي باتت تشهدها السيادة القومية: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، في خضمّ تحولات جديدة أمست تبدو أضخم من أن تجري داخل المجال الوطني الضيق.

من النافل القول إن “مسلَّمة”، بل “بديهية”، “نهاية الدولة الوطنية” ليست في حساب التحليل العلمي، أكثر من فرضيةٍ قابلةٍ للأخذ والردّ مثل سائر فرضيات التفكير. أكثر من ذلك، إنها – نعني “نهاية الدولة الوطنية” ونجاح العولمة- قابلة لأن تستوي على معنى آخر تكون فيه العولمة لا نهايةً للدولة الوطنية، إياها، بل التعبير الأعلى عن نجاحها في تحقيق مشروعها القومي خارج حدودها. ولكي نعبّر عن هذه الفكرة بصيغة أوضح، نستطيع أن نفترض – مثلاً- بأن العولمة ليست أكثر من ترجمة للأَمْرَكَة Américanisation: أي لنزوعٍ نحو التعبير عن “فَيْضٍ قومي” أمريكي يلقي حُمَم بركانه على سائر العالم الذي يصبح مجرَّد محيطٍ Périphérie بالنسبة إليه. وعليه، يمكن أن تصبح العولمة لا هزيمةً لظاهرة الدولة الوطنية بالإجمال، بل انتصاراً لدولةٍ وطنية محددة هي الولايات المتحدة الأمريكية، فتكون (العولمة) الاسم الحركي لنجاح الدولة الوطنية.

 

الوحدة العربية والعولمة

الوحدة العربية والعولمة

 د . عبد الستار الجميلي

     منذ نهاية الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالهيمنة على النظام الدولي وهيكل توزيع القوة فيه ، بدأ مفهوم “العولمة” يطرح بكثافة على الحقول والميادين المعرفية والثقافية والسياسية والاقتصادية والقانونية، كتعبير عن هذا التحول ، بما يعنيه هذا المفهوم من سيولة في الحدود والخصوصيات وحرية انتقال السلع والمعلومات والأشخاص ، خصوصا وان هذا المفهوم قد ارتبط في جانب منه بالثورة العلمية في تكنولوجيا المعلوماتية والاتصالات التي حولت العالم الى مجتمع كوني صغير، ما أحدث تغييرا شاملا في الكثير من المفاهيم والقيم والمعايير التي كانت والى وقت قريب من المسلمات التي سادت العالم والعلاقات الدولية.

     ومن بين هذه المفاهيم التي طالها هذا التغيير،حق الأمم في تحقيق وحدتها القومية من خلال بناء” الدولةـ الأمة” كتجسيد للمرحلة التي انتقلت إليها البشرية اجتماعيا بعد سلسلة من التطورات والتفاعلات بين الإنسان ومجموعة من العوامل المادية والمعنوية ، حيث حققت الكثير من الأمم وحدتها القومية استنادا على هذا الحق وبطرق ووسائل مختلفة تتناسب مع التطور التاريخي والاجتماعي الخاص بكل أمة، فيما ظلت أمم أخرى تناضل بالدعوة والعمل من أجل تحقيق هذه الوحدة ، وفي مقدمة هذه الأمم “الأمة العربية” التي مافتئت منذ سؤال النهضة وبدايات الوعي القومي العربي ثم التجزئة التي فرضتها اتفاقيات “سايكس ـ بيكو” وتوابعها، تبحث عن شكل من أشكال التوحيد السياسي الى حد يمكن فيه القول بان التطلع الى الوحدة العربية والعمل من أجلها قد اخذ جلّ نشاط الحركة العربية السياسية المعاصرة، خصوصا إبان مرحلة المدّ القومي العربي الناصري في الستينيات من القرن الماضي تحت قيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر.

     ففي ظل مرحلة العولمة ، التي تمزقت تحت ضغطها المادي والمعنوي كثير من القيم والمفاهيم والأنماط لحساب قيم ومفاهيم ومعايير وأنماط محددة رسخت بعضها العولمة كالرأسمالية واقتصاد السوق والخصخصة وإعادة التكييف الهيكلي لاقتصاديات الدول وفرض القيم الغربية بشكل عام، فيما فرضت أخرى نفسها كسمات أساسية لهذه العولمة كسيولة الحدود والقيم والخصوصيات أمام الرأسمال والإنتاج والأشخاص والقيم والمعلومات والتدخل الإنساني  “بلا حدود”، في ظل كلّ هذا  فان الحديث عن “الخيار القومي” و”الدولة القومية الواحدة ” يبدو من وجهة نظر بعض المتأثرين والمنظرين للعولمة (جلّهم من العالم الثالث وهو ما يسجل مفارقة جديرة بالتأمل والدراسة)، بأنه عودة بالتاريخ الى الوراء الذي فات أوانه ، أو انه حديث لم يعد يواكب “متغير ” العولمة وما فرضته من “سوق كوني واحد ” في الاقتصاد والمعرفة والمعلوماتية والاتصالات والثقافة والعلاقات الدولية، وبالتالي فان “القبول” بالعولمة ونتائجها و”رخائها” الكوني المرتقب يصبح هو الخيار الوحيد المتاح أمام الوحدات”الكونية” الأخرى ودونه مضيعة للوقت في الحديث عن”الخصوصيات” القومية والثقافية والحضارية التي ليس أمامها من مفر إلا التسليم والتطهير والإلغاء القسري في “رحاب ” خصوصية  القيم والحضارة الغربية ومركزيتها الأمريكية المهيمنة في ظلّ ((السلام الأمريكي الرأسمالي المعولم))؟؟!!.

     فهل حقا أصبح الحديث عن “الوحدة القومية” ، و”الوحدة العربية” بالذات غير ذي جدية وجدوى في ظل العولمة؟

     إن استعراض التاريخ المعرفي والبنيوي والاجتماعي والسياسي لكلا الموضوعين “الوحدة القومية” و”العولمة” ، على مستوى التفاعلات القومية والدولية،يؤكد بأنه في سياق هذين التاريخين تتصادم القيم والمعايير والحقائق والوقائع لصالح”الثابت” القومي في إطار المرحلة المنظورة منذ القرن السادس عشر على الأقل من تطور المجتمعات الإنسانية، التي أفرزت الأمة ومن ثم دولتها القومية” بتطابق البعد السياسي الدولتي مع المكون التاريخي الاجتماعي، أي تطابق حدود “إقليم الدولة” مع الأمة كـ”معطى اجتماعي تاريخي، ثقافي وحضاري”  كتعبير عن انتقال البشرية من إطار قبلي أو طائفي أو مناطقي أو عرقي أو أي إطار سياسي واجتماعي ضيق آخر الى إطار أرحب وأوسع.

    أما “متغير” العولمة فهو لا ينتمي الى الحقل الاجتماعي التاريخي العالمي لتطور الإنسانية، ولكنه يأتي في سياق سياسي دولي آخر يتعلق بنظام الهيمنة والقوة وفق تاريخ الإمبراطوريات الذي يشير الى أن كل هيمنة إمبراطورية تأتي بـ”معتقدها الخاص” الذي تحاول أن تغلفه بحلل و”ضرورات” إنسانية وعلمية وفلسفية وحتى دينية لتبرير “الهيمنة” وتحويل “العالم الآخر” بأجمعه الى مجال حيوي وحدود مفتوحة لآليات وجودها واستمرارها .. وفي ظلّ المشروع “الإمبراطوري” الأمريكي الواضح و نموذج “هيمنته الأحادية” غير المسبوق في امتلاكه لمصادر ومعايير وإغراءات القوة الشاملة، فان العولمة هي “المعتقد الأمريكي الخاص” لتبرير هيمنة الولايات المتحدة على مصادر قوة وثراء ومصالح الأمم والشعوب واستلاب “خصوصياتها وهوياتها” القومية والحضارية والثقافية لصالح تسويغ و”تقنين” الموجة الثالثة من الاستعمار، بعد مرحلتي الاحتلال المباشر وغير المباشر، وذلك تحت وقع “العصي والهراوات الإنسانية” لمفردات التدخل الإنساني والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون الدولي الإنساني، التي كانت هذه المفردات الضحية الأولى “للعولمة” الأمريكية و”نظامها الإمبراطوري الجديد الأحادي المهيمن “.

     فمن ناحية القيم والمعايير، فان القيم الرأسمالية الغربية ليست هي الخيار الوحيد المطروح على الأمم والشعوب، فثمة قيم أخرى ـ حتى داخل المنظومة الغربيةـ كانت وما تزال خيارات مطروحة بقوة، كالاشتراكية بكل مدارسها وأشكالها والتنمية الاقتصادية والبشرية المستقلة وتعدد الأقطاب والحضارات.. والاحتلال والهيمنة والاستلاب كأحد سمات العولمة تحت غطاءات ومسميات إنسانية باسم التدخل الإنساني وما يسمى بمكافحة الإرهاب كانت وما تزال وستبقى موضع رفض ومقاومة لدى جميع الشعوب بما فيها الشعوب الغربية، الأمر الذي أطلق حركة تحرر عالمية جديدة بدأت في الحراك والتبلور في آسيا وأفريقيا وأمريكا جنوبا وشمالا وأوربا غربا وشرقا..وتجسد المقاومة الوطنية العراقية في إطار ظروفها ومرحلتها وتأثيراتها التطور الأكثر نوعية في بلورة اتجاه وطني وقومي مضاد للعولمة والهيمنة الأحادية الأمريكية، وكذلك الأمر بالنسبة لظاهرة شافيز في فنزويلا وأمريكا اللاتينية.

     ومن ناحية الحقائق فان “العولمة” المزعومة موجهة بالأساس إلى العالم الثالث وحده كموضوع وميدان لها و”كمشروع استثماري” دائم للرأسمالية وتوجهاتها الأمريكية المتوحشة..فأمريكا “المصدّر” الأول للعولمة إلى العالم الثالث والدول الغربية معها وتوابعهما في “العالم الآخر” ،تعيش حروبا معلنة وغير معلنة من التنافس الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي غير المحدود ، بحيث أن الحديث عن “منظمة جات” و”حرية انتقال ” للسلع والخدمات والتكنولوجيا بين هذه الدول ـ ماعدا مزارعهم الخلفيةـ هو حديث نظري هازل لا يقوم على أي معطيات “عولمية” على الأرض ، وقد اتخذ هذا التنافس المرير شكل التكتل السياسي والاقتصادي والكمركي كل في مواجهة الآخر،ويأتي الاتحاد الأوربي ورد الفعل الياباني أحد أشكال هذه الحروب بين “مصدّري” العولمة.

     ومن ناحية أخرى، فان الخصوصيات والهويات القومية والحضارية والثقافية قد وجدت لها أرضية خصبة في ظل العولمة ، عبر التمسك بها والتأكيد عليها كرد فعل طبيعي” في مواجهة محاولات “هيمنة وسطو” العولمة الأمريكية الرأسمالية على كل”ما يخص” الأمم والشعوب وتجريدها حتى من مسمياتها لحساب قيم ومعايير حضارة ما زالت شعوب العالم الثالث تئن تحت وطأة تاريخ هذه الحضارة الحافل بالاستعمار والاستعباد والنهب والإذلال.

     ومن الوقائع التي طرحتها العولمة أن الدول الصغيرة لم تعد قادرة على البقاء في ظل معايير القوة الشاملة التي تطورت إليها ترسانة جنون القوة الأحادية ، وفي ظلّ متطلبات الأمن الوطني للدول والشعوب والأفراد التي لم تعد تفي بها الوسائل التقليدية .

     وفي ضوء هذا كله فان “العولمة” في الوقت الذي تحاول فيه أن تسود العالم”رأسماليا” قد خلقت نقيضها بدفع الدول إن أرادت البقاء إلى توحيد جهودها وطرح أشكال من التضامن والتوحيد لمواجهة متطلبات واستحقاقات هذا البقاء..وهذا هو الخيار الوحيد المتاح أمام الأمة العربية للبقاء والفعالية وجودا ودورا في ظل هيمنة واستلاب العولمة : أن تطرح نفسها ككتلة سياسية واقتصادية وحضارية واحدة في عالم متغير يقوم أكثر من أي وقت مضى على معايير المصالح والقوة، وبالتالي فان الوحدة العربية بكل أشكالها وصيغها ستطرح نفسها موضوعيا إن عاجلا أو آجلا كخيار وحيد أمام الأمة العربية في مواجهة تحديات واستحقاقات “العولمة” الأمريكية وهيمنتها الأحادية.

   

الوحدة : حديث العقل والعاطفة

الوحدة : حديث العقل والعاطفة

د . سعدون حمادي

-1-

حديث الوحدة لا بد أن يكون حديث العقل والعاطفة في الوقت نفسه . الوحدة حديث العقل بكل ما في كلمة العقل من معنى في هذا المجال : كوجود روابط عديدة وقوية بيننل نحن العرب أكثر من كافية لتوحيدنا ، وكاعتماد تنمية اقتصادنا كلياً على دمج اقتصاد الأقطار المجزأة الفقيرة المحاصرة المتخلفة بإقتصاد متنوع واسع متكامل الموارد الأولية وواسع السوق . ولكن إضافة لكل هذه الأسباب العقلية والبديهية وغيرها من الأسباب هناك سبب عقلي وبديهي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار ( كما يقال ) ان لم نفهمه لا يمكن ان نفهم شيئاً بعده ، ألا وهو أنها – أي الوحدة – السبيل الوحيد لدرء الأخطار عنا ورد الإعتداء عن بلادنا ، وبكلمات بسيطة للدفاع عن بقائنا . وقضية أهمية الوحدة للدفاع عن أرضنا بوجه خطر الصهيونية وأخطار الطامعين الآخرين سهلة الفهم ولا تحتاج لشرح . كان علينا أن نفهمها نحن العرب منذ أن بدأت علائم الأخطار بالظهور قبل عشرات السنين ، والغريب أننا لم نستطع أن نفهمها آنذاك ، ولكن الأغرب من كل ذلك أننا لم نستطع أن نفهمها حتى اليوم بالرغم من كل ما حدث وما يتتابع من أحداث يجر بعضها بعضاً كحلقات سلاسل الحديد . ولكن أي وضع مترد نحن فيه الآن ؟ وأي مرض قومي عضال نعاني منه ليجعلنا غير قادرين على فهم الخطر المحدق بنا وبالتالي بقاءنا محجمين عن الطريق الوحيد المتبقي لدينا لدرء ذلك الخطر ألا وهو الوحدة ؟

النص الكامل