ملامح الأزمة العامة في مصر …. منير درويش

ملامح الأزمة العامة في مصر
منير درويش

تشكل مصر مع تركيا وإيران ، الدول الأساسية في منطقة الشرق الأوسط ، نظراً لتماثلها في قضايا كثيرة ، كالدين ، وعدد السكان ، والمساحة ، والتاريخ ، والنشاط الاقتصادي . والتأثير السياسي والاجتماعي.
وإذا كانت تركيا وإيران دولاً خلفتها إمبراطوريات تاريخية قديمة ، توسعت وتقلصت ، فإن الحدود الجغرافية لهاتين الدولتين أصبحت نهائية ، وليس لهما امتدادات قومية خارج حدودهما ، بخلاف مصر التي بقيت مركز الثقل لإمبراطورية عربية لا زالت تحلم بإعادة وحدتها القومية وجمع شملها الذي شتته القوى الاستعمارية والاستعمار الاستيطاني . وهو ما يلقي عليها مسؤولية لا يمكنها تغافلها أو تجاوزها . إذ أن في تجاوزها يكمن الأساس لكل المشاكل التي تواجهها..
لقد أعطى التاريخ الحديث لمصر ومنذ بداية القرن الثامن عشر دور المركز ليس في القضايا العربية فقط ، بل في محيطها الإقليمي ، وخاصة في أفريقيا ، وامتدادها الدولي ، عندما جعل منها محمد علي ولاية مستقلة عن الدولة العثمانية ، وحاول إعادة وحدتها مع الدول العربية الأخرى ، رغم أنه لم يكن عربياً لكنه يدرك أن مصلحته الحقيقية ، ومواجهة المخاطر ، ودعم سلطته لن يكون إلا إذا اتجه نحو المشرق العربي والسودان ليعزز بها مشروعه الاستقلالي والنهضوي .
وقد شعر الغرب الاستعماري بخطورة هذا المشروع فعمل بالتحالف مع الدولة العثمانية على مواجهته وإجهاضه .، وبقي يراقب بحذر أي نمو أو نشاط لهذا المشروع إذا انطلق من مصر. ، ورغم تعرضها للاحتلال الفرنسي والانكليزي ، فقد بقيت مصر مركزاً للنضال العربي والداعم الأساسي لحركات التحرر ، وحلقة الوصل الجيوسياسي لأسيا وأفريقيا . .
لقد كانت فكرة العروبة هي الدافع للشعب المصري في تحرره من الاستعمار والتبعية ، ولذلك عندما طرح عبد الناصر مشروعه القومي ، وجد له صدىً واسعاً في مصر مدعوماً من كل القوى القومية العربية ، واستطاع مع هذه القوى وعلى رأسها حزب البعث من تحقيق أول وحدة في التاريخ العربي الحديث بين مصر وسورية عام 1958 . وكانت قوة مصر تتعزز كلما تعززت فكرة العروبة ، وكلما تصاعد المشروع القومي العربي الذي احتضن أهداف الأمة في تحرير أراضيها وإعادة نهضتها والوقوف بحزم ضد عمليات النهب والاستغلال والهيمنة التي تمارسها قوى الهيمنة والإمبريالية ، و تعززت مكانة الدول العربية الأخرى التي تبنت هذا المشروع واحتضنته ، سورية والعراق وفلسطين …الخ . كما أن المجتمع المصري بدا أكثر تماسكاً واندماجاً مع تصاعد فكرة العروبة والقومية ، وهو متمسك بدينه وحريص عليه ، وهو أيضاً صاحب شعار ” الدين لله والوطن للجميع ” هذا الشعار الذي جعل المجتمع المصري يتجه بصراعاته نحو مقاومة الاستعمار من جهة وتعزيز الدور السياسي لمصر من جهة أخرى .
وعلى ذلك فقد سبقت مصر دول العالم الثالث في أسيا وأفريقيا بالتأسيس لبناء دولة حديثة ، وسبقت هذه الدول في العلم وتأهيل الكوادر من الرجال والنساء ، كما امتلكت تقاليد راسخة بالتسامح والمشاركة الاجتماعية ، بحكم تداخل الأديان مع بعضها وخاصة في الريف والصعيد الذي كان يصعب فيه تمييز الأفراد على أساس انتمائهم الديني ، وكان لمصر ممارسات ديمقراطية سبقت بها تلك الدول ولعبت دوراً في حياة المواطنين إبان مواجهتم للاستعمار الانكليزي وعملاءه في الداخل . وكان كثير من السياسيين والمثقفين العرب يلجئون إليها هرباً من الملاحقة والاضطهاد السياسي في بلدانهم .
وبلغ تمسك المصريين بمصر واعتزازهم بها بأن سموها أرض الكنانة ” مصر كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصمه الله ” ومصر أم الدنيا.
أما اليوم فإن مصر تعيش أزمات حادة، على الصعيد الوطني والقومي، وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، وعزلة عربية وإسلامية. .
منذ ثورة عام 1952 عرفت مصر ثلاثة رؤساء ، توفي منهم عبد الناصر الذي أعاد لمصر دورها القومي وعزز مكانتها في العالم ، وقتل السادات ، ولا زال الرئيس حسني مبارك على رأس السلطة منذ عام 1981 دون أن يكون هناك مؤسسات وأحزاب سياسية منبثقة عن إرادة شعبية ، وتتولى الحكم عن طريق صناديق اقتراع نزيهة ، وبقي الحزب الوطني الحالم يقود السلطة منذ تأسيسه عام 1974 ، وأوصل مصر إلى ما هي عليه اليوم .
إن مقارنة هذا الوضع مع تركيا وإيران يلقي ضوءاً على الواقع السياسي في مصر ، لقد توالى على الرئاسة في تركيا منذ كمال أتاتورك عددأ من الرؤساء جاء أغلبهم عن طريق الانتخاب ، والسلطة الحقيقية كان يمثلها الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية ، دون أن نلغي دور الجيش من بعيد في الحياة السياسية ، وفي إيران بعد الثورة ورغم تمسكها بالشريعة فإن فترة الرئاسة محددة بفترة زمنية لا تزيد عن دورتين كل منها أربع سنوات مع مجلس برلماني منتخب ، وإن كان من الصحيح أيضاً أن المرشحين يخضعون لموافقة المرشد أو المؤسسات الدينية .
لقد وقعت مصر في أزمات خانقة بسبب سلطتها السياسية ، وأصبح الحزب الحاكم عاجزاً عن إدارة سياسة الدولة التي فقدت كثيراً من مقوماتها وأصبحت محكومة بقوانين المصلحة الشخصية في كثير من جوانبها . فقد فشل في تحقيق التنمية التي ترفع من المستوى المعيشي للمواطن المصري ، وأصبح هذا المستوى في الحضيض ، وازداد عدد الأغنياء الذين كونوا ثروتهم عن طريق الفساد والمحسوبية والتحايل على القوانين ، وبيع القطاع العام ، وزيادة البطالة والأمية ، وارتفع عدد المواطنين الذين يعجزون عن تأمين مأوى لهم حتى في المقابر .
أما على الصعيد الوطني . فقد ازدادت أزمة مصر الوطنية والتي تعتبر من أخطر الأزمات التي واجهتها قي تاريخها الحديث، وهي الحوادث المتكررة بين المسلمين والأقباط والتي تشير جميع الدراسات أنها ناتجة عن السياسة العامة للسلطة. خاصة في ظل تراجع الدور القومي وغياب الديمقراطية .
وتعيش مصر أيضاً أزمة على الصعيد القومي العربي بسبب تراجع وانحسار دورها في القضايا العربية ، فعلى صعيد الصراع العربي الإسرائيلي ، تقوم السياسة المصرية بدور الوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل بدلاً من دعمها للمقاومة ومساندتها في المحافظة على الثوابت العربية المتمثلة في تحرير الأرض وعودة اللاجئين إلى وطنهم ، إن قيام السياسة المصرية بدور الوساطة هو إهانة لدور مصر ومكانتها من جهة وللتضحيات التي قدمها الشعب المصري في هذا الصراع . من جهة أخرى . كما أن تراجع الدور المصري هو الذي أفسح المجال أمام السياسة الإيرانية والتركية لمليء هذا الفراغ.مهما كانت أهدافهما .
ووضعت السياسة المصرية نفسها في موقع الحياد تجاه قضايا السودان الخاصرة الجنوبية لها وهي تشهد تقسيم هذا البلد وتفتته دون أن تكترث للنتائج والمسؤوليات التي تقع عليها مستقبلاً من هذا التقسيم . وأغفلت أي دور لها في العراق بعد الاحتلال الأمريكي له وتركته عرضة لتدخلات إيران وتركيا . كما فقدت أي دور لها في اليمن الذي يفقد شيئاً فشيئاً وحدته. ، أما في الخليج العربي فلا يبدو أن لها أي دور يذكر في الوقت الذي تلعب فيه إيران دوراً بارزاً رغم أنه الخط الأحمر للمصالح الأمريكية.
وفي أفريقيا، تعاني السياسة المصرية من أزمة حادة تطال مصر في الصميم، نتيجة مطالبة الدول الأفريقية لها بحصة كبيرة من مياه النيل الشريان الحيوي لها عبر التاريخ بحيث وصفت بأنها ” هبة النيل ”
لقد لعبت مصر دوراً بارزاً في دعم حركات التحرر الأفريقية لكن دورها الآن يتراجع لتحل محله إسرائيل التي تلعب دوراً محرضاً للأنظمة الأفريقية ضد مصر
لا شك أن أوضاع المعارضة ليست بأفضل حال من وضع السلطة وخاصة المعارضة الديمقراطية، فهي معزولة ومفتتة، وعاجزة عن.صياغة مشروعاً وطنياً وقومياً يعيد للشعب المصري عزنه، ولعروبة مصر مكانتها، عندما تدرك أن المشروع القومي مهما توسع وانتشر فلن يحقق انتصاره إلا إذا تعزز في مصر.
إن من حق أي مواطن مصري أن يكون رئيساً لمصر إذا توفرت فيه الشروط التي يقرها الدستور، ولكن أي دستور ؟ بالتأكيد ليس الدستور الذي صاغته السلطة وحزبها الحاكم ، بل الدستور الذي تصيغه مجمل الحركة السياسية بطيفها الواسع دون إقصاء أحد ، ويحظى بموافقة أغلبية المواطنين وممثليهم من الأحزاب السياسية بعد أن تعطى لهم حرية العمل السياسي والنشاط والمشاركة الحقيقية في الحياة السياسية .
إن السياسة العالمية الآن تديرها القوة، وقوة مصر الحقيقية هي في انتمائها العربي وقدرتها للعودة من جديد لتلعب دوراً عربياً مركزياً. هذا الانتماء وتعزيزه هو الذي يمكنها من التغلب على جميع المشاكل والأزمات، وإن التغافل عن هذا الانتماء أو تجاوزه سيجعل هذه الأزمات تتفاقم ولن تصيبها وحدها بل جميع أجزاء الأمة. ،
إن التاريخ لن يرحم الضعفاء والذين يضعون مصالحهم الخاصة فوق مصلحة الشعب ويقيمون عرس التجزئة في مأتم الأمة. .

دمشق 24 / 11 / 2010 منير درويش

Advertisements

الأنظمة الاستبدادية .. العروبة ليست بخير .. د . عبد الله تركماني

الأنظمة الاستبدادية .. العروبة ليست بخير
د. عبدالله تركماني

العالم العربي في أزمة حقيقية، بل وفي أزمات متعددة، في هذه المرحلة من تطوره، إلا أنّ خروجه منها هو مسؤوليته وحده: مسؤولية شعوبه وقواه الحية ونخبه السياسية والفكرية والعلمية المتعددة والكثيرة. والطريق يمر حتماً في تجاوزه للتأخر التاريخي واندراجه في التاريخ العالمي المعاصر، وفي تحرره من الهيمنة الاستعمارية وتحرير أراضيه من الاحتلال الصهيوني.
في الواقع، ليست العروبة اليوم بخير، ولا هي قادرة على أن تكون، بما هي عليه، مسلكاً مجدياً للمستقبل، ذلك أنّ نماذجها وتطبيقاتها لا يمكن إلا أن تبقيها مشروعاً إذا هي بقيت من دون مشروطية متجددة تحدد معالمها وإمكاناتها بواقعية، وتقيها شرور الانجراف نحو الماضوية والتحجر.
إنّ الخروج عن هذا المسار الانحداري الذي سوف يقود العرب إلى قاع التاريخ، في حال استمراره، لا يكون إلا بعكس اتجاهه. ولكي يحصل ذلك لا بد من استنهاض القوى الحية في المجتمعات العربية، من خلال العمل الجاد على خلق البدائل الوطنية الديموقراطية في السياسة، وفي الثقافة، وفي أنماط الحكم. وأنّ خلق هذه البدائل سوف يتطلب خوض معارك حقيقية في جميع الميادين المشار إليها، وهذه مهمة النخب الثقافية والاقتصادية والسياسية الوطنية الديموقراطية فهل تعي ضرورتها ؟
لقد اكتشفت الشعوب العربية، بخبراتها وتجاربها، جوانب هامة من تهافت سياسات بلدانها، وخداع قادتها. كما اكتشفت توجهات السياسات الدولية، وبدأت تمتلك وعياً كونياً يضغط لوضع أية معركة وطنية أو قومية في إطار النضال الإنساني من أجل حياة كريمة للمواطنين، في ظل أنظمة حكم ديمقراطية تحترم كرامات الناس وتوفر حقوقهم الإنسانية المعترف بها في مواثيق الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
إذ لا يجوز الدفاع عن الأمر الواقع الراهن الذي استنفد طاقة المجتمعات العربية وجعل من العالم العربي بؤرة للطغيان والإرهاب والفساد والتفاهة، حسب تعبير الأستاذ ياسين الحاج صالح، ولا يجوز أن ندافع عنه ضد أعدائه إلا في سياق كسر هذا التكامل القدري بين سلطات دول الطغيان وقوى الاستعمار الجديد. باختصار يدور الأمر حول وحدة معركة الحرية: استقلال الوطن وحرية المواطن والإنسان، التحرر من السيطرة الخارجية لا كبديل عن الحرية السياسية والثقافية وحقوق الإنسان بل كأفضل شرط لتحقيقها. فبكل بساطة لا يمكن للشعوب أن تدافع عن سلطات دول تجوّعها وتحاصرها وتساومها حتى على حقها في مناقشة الشؤون العامة.
لسنا بحاجة لشعارات من أجل التعاطي المجدي مع التحديات الكبيرة المطروحة على أمتنا العربية، بل الارتقاء إلى مستوى التحديات، بما يخدم مصالح الأمة ويضمن حقوقها الأساسية في السيادة والحرية والتنمية والاستقلال التام. ولكي تتحول العروبة من مشروع تعاطف قومي، يعبّر كل طرف فيه عن إرادة توحده ووحدة همومه وانشغالاته مع الآخر، إلى مشروع عملي يؤمل منه أن يتحول إلى واقع متحقق في المستقبل، ليس على الأقطار العربية المختلفة إلا أن تصلح أوضاعها وتنمّي قدراتها المادية والبشرية، لكي تشكل كل منها أنموذجاً يُحتذى للآخر.
إنّ مشروع النهضة العربية كان ولا يزال في حاجة إلى فكر الأنوار والحداثة، وكذلك استيعاب التحولات والتغيّرات التي تطرأ على الساحتين الإقليمية والدولية. مما يستوجب الاعتراف بالخصوصيات القطرية، في إطار التنوع ضمن إطار الرابطة العربية، مع إمكانية تحويل هذا التنوع إلى عنصر غنى للثوابت الضرورية لتطور الرابطة العربية. ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التجديد العربي، والأمر يستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الديمقراطية، الدولة الحديثة، المواطنة. وتبدو أهمية ذلك إذا أدركنا أنّ العالم العربي المعاصر، بشكل عام، لا يملك لغة سياسية حديثة، منظمة وممأسسة، في بناه السياسية والثقافية، إذ بقي خارج تسلسل وتاريخ الأحداث، فالماضي مازال ملقى على هامش الحاضر، بل يهدد المستقبل.
وهكذا، فإنّ انخراط العرب في العالم المعاصر يتطلب منهم البحث عن مضمون جديد لحركتهم التحررية، بما يؤهلهم لـ ” التكيّف الإيجابي ” مع معطيات هذا العالم، وبالتالي الانخراط في مقتضيات التحولات العميقة للعلاقات الدولية، بما يقلل من الخسائر التي عليهم أن يدفعوها نتيجة فواتهم التاريخي، لريثما تتوفر شروط عامة للتحرر في المستقبل. فالعرب ليسوا المبدأ والمركز والغاية والنهاية، هم أمة من جملة أمم وثقافات، لا يمكن أن ينعزلوا عن تأثيرات وتطورات العالم الذي يعيشون فيه. إنّ الأمم التي تدور حول نفسها لا يمكن أن تتقدم، خاصة عندما تكون خطابات نخبها الفكرية والسياسية متوازية لا تواصل بينها، في حين أنّ التقدم يتطلب تراكم خبرات كل قوى الأمة، التي تعانق تناقضاتها، وتبحث عن حلول ممكنة وواقعية لمشكلاتها.
ومن سياقات ما قدمته، يبدو أنه لا يجوز القفز عن واقع الدولة القطرية تحت أي عنوان، بما فيه الطموح المشروع إلى دولة عربية واحدة. إنّ المشكلة الأهم المطروحة أمام الحركة العربية المعاصرة هي بناء الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون، وما يتفرع عنها من أدوات مفاهيمية تنتمي إلى المجال التداولي المعاصر: الأمة، المجتمع المدني، المواطنة، الديمقراطية، حقوق الإنسان، التعاقد الاجتماعي، الشرعية الدستورية والقانونية، التنوير، العقلانية، العلمانية.
لعلنا بذلك نفتح من جديد باب التاريخ وندق أبواب المستقبل وننهض لإطلاق خطاب عربي عصري، عناوينه في توجهاته ومضامينه وفي تجديدنا له، يحتمل دائما التأويل والتعديل لصالح شعوبنا. إنها إعادة قراءة واجبة، ليس فقط في تجديد هذا الخطاب وإنما في تجديد العقل العربي المدعو إلى خوض مغامرة المستقبل بأدوات جديدة وأفق مفتوح وحوار دائم على المصالح والأهداف والممكن والمستحيل.
وكل ما نستطيع قوله، في هذه اللحظة من تاريخنا، أنه لا خيار لنا غير تجربة هذا الطريق بعد أن تبين أنّ الأنموذج الاستبدادي يؤدي إلى عكس ما تطمح شعوبنا إليه. إذ لم يكن الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعياته، وقبله الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان، لا بداية لأزماتنا ولا نهاية لمصائبنا إنما هو مرآة مكبرة لتقاعسنا عن إصلاح أنفسنا، ولعجزنا عن تشكيل أفضل لمجتمعاتنا، ولتكاسلنا في عملية الذود عن موقعنا في العالم. إنه مرآة لواقعنا، وصورة من اللامبالاة بضرورة التغيير، وعن غياب التضامن العربي الفعلي والمجدي، وعن التلكؤ في دخول العصر. والاعتقاد بأنّ مجتمعاتنا يمكن لها أن تسير إلى الأمام بمفاهيم متنافرة، منبثقة عن عصور مختلفة، هو الوهم عينه.
إنّ المدخل الصحيح لحل الأزمات العربية الراهنة هو إعادة بناء الثقافة السياسية، وبداية مشاريع للتنمية الشاملة لتحسين أوضاع المحكومين. وإلا تدخلت القوى الغربية، باسم العدل والحرية والمساواة، لتفتيت الأوطان مستعملة كلمات حق يراد بها باطل.

(*) – نُشرت في صحيفة ” القدس العربي ” – لندن 30/8/2010.

تأمل في المسألة العربية … د . أحمد برقاوي

تأمل في المسألة العربية
د. أحمد برقاوي

شهد القرن العشرون في عقده الأخير حدثين بارزين راح الكثير منا يعتبرونهما ولادة عالم جديد. هذان الحدثان هما انهيار جدار برلين وزوال اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. أخذ الحدثان بدلالة وحيدة إلا وهي نهاية الحرب الباردة ونهاية الحرب الباردة تعني فيما تعنيه انتصار عالم الرأسمالية على عالم الاشتراكية. ونهاية الأمل الإنساني في نظام اشتراكي يحقق العدالة.‏
وبالتالي غرب شعار الاشتراكية حتى صار الخطاب فيه خطاباً يمت إلى عالم قديم. ولقد تحولت زعيمة النظام الرأسمالي الولايات المتحدة الأمريكية إلى قوة تعسفية على مستوى الكوكب وقد صار هذا القول متفقاً عليه بشكل عام.‏
ونشأ قول آخر مختلف فيه إلا وهو أن المفهوم الدال على العالم الجديد هو العولمة والتي ينظر البعض إليها من زاوية تجاوز الدولة القومية لقاء تكون القرية الكونية.‏
لكن أحداً في حدود ما أعرف ـ لم يلتفت أو يكترث بنتائج الحدثين الآنفي الذكر: أقصد انهيار جدار برلين وزوال الاتحاد السوفيتي. على مستوى المسألة القومية.‏
فقبل انهيار جدار برلين كانت هناك دولتان ألمانيتان، بل أن بعض المفكرين السوفيت كانوا يتحدثون عن أمتين ألمانيتين وليس عن أمة ألمانية واحدة. مع انهيار جدار برلين وزوال النظام الاشتراكي توحدت ألمانيا اتحاداً كاملاً.‏
لم يسأل أحدٌ لماذا توحدت ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية!‏
لم يسأل أحدٌ لماذا لم يبق الألمان منفصلين في دولتين!‏
ولَم لم تقف دول الحلفاء ضد وحدة ألمانيا. بل نظر إلى الأمر على أنه تحصيل حاصل.‏
وما كان يمكن أن ينظر إلى الأمر ببساطة وعلى أنه تحصيل حاصل لو لم ينطلق الوعي الأوربي والألماني من أنه قبيل البداهة أن تكون الأمة الواحدة دولة واحدة.‏
قبل زواله كان الاتحاد السوفييتي دولة متعددة القوميات، أزيد من سبعين عاماً ظلت هذه الدولة متعددة القوميات. لقد تكونت ثقافة مشتركة، وأصبحت اللغة الروسية سائدة إلى حدٍ صارت لغة يومية مشتركة، تم التزاوج بين أبناء هذه القوميات، توحد الاقتصاد، انتقل العديد من السكان من هذه الجمهورية إلى تلك دون عوائق، وأقاموا في مدنٍ ليست مدنهم. لقد بدا أن الأمر واقع أبدي لا يمكن تصور زواله.‏
وما أن أعلن غرباتشوف البريسترويكا (إعادة البناء) حتى استيقظت الأحلام القومية لدى جميع القوميات بلا استثناء حتى لدى القومية الأكبر ـ الروسية. وما هي إلا سنوات قليلة بعد حركة غرباتشوف حتى عادت القوميات إلى سابق عهدها القديم وأسست دولها القومية.‏
لم يقف الأمر عند القوميات ذات العدد الكبير، بل قوميات لا ترى بالعين المجردة لا تفيا وأستونيا وملدافيا شكلت دولها.‏
أي عادت الدولة الأمة القومية، وانهزمت فكرة ولادة الأمة السوفييتيّة التي نظر لها أيديولوجيو النظام. كيف تأتى أن يظل الشعور القومي حاضراً في وجدان البشر بعد هذا الروح الطويل من الدولة السوفيتية؟‏
إذاً. ها نحن أمام ظاهرتين ولهما دلالة واحدة: أمة انشطرت إلى دولتين وعادت دولة ـ أمة واحدة، ودولة واحدة انشطرت إلى عدة من الدول ـ الأمم.‏
علينا أن نذكر البعض أن هذا الأمر لم يتم في عصر القوميات، ونشوء الدول ـ الأمم. أقول يجب أن نذكر البعض بهذا لأن ما أن نطرح المسألة القومية في الوطن العربي حتى ينبري لنا سرفه هياكل التجزئة لاتهامنا بأننا ننتمي إلى عصر قديم، إلى شعار عفا عليه الزمن، وأننا لا نأخذ الوقائع بعين الاعتبار. وإن تلطفوا علينا وسمونا بالطوباوية.‏
ونتساءل: لماذا شرعنّا وحدة ألمانيا القومية ونشوء الدول ـ الأمم على أنقاض الاتحاد السوفييتي.‏
ولم ننف شرعية نزوعنا نحو قيام الدولة ـ الأمة في وقت لا أحد ينفي وجود قوم لهم مقومات تشكل سبباً لوجود وعي قومي وهاجس لدولة ـ أمة؟‏
ترى لماذا لا تزال المسألة العربية دون حل؟. ماذا تعني المسألة العربية المسألة العربية مسألة شعب تجعل مساحة جغرافية تمتد من المحيط إلى الخليج ذات موقع جغرافي أُطلق عليه قلب العالم ويمتلك من الثروات وبخاصة النفط ما يجعله نظرياً قادراً على التأثير الكبير في اقتصاد العالم ونشأ وعيه القومي في وقت في نهاية القرن التاسع عشر منذ كان جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. ومنذ قرن وأزيد من الزمان لم يستطع أن يكون الدولة ـ الأمة.‏
ومنذ القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة من التاريخ ما زال موضوع هيمنة خارجية تمسك بمصير وتتدخل في شؤونه وترسم لـه الصورة التي يجب أن يكون عليها.‏
إنه لحادث خاص في تاريخ الشعوب القديمة. وحدهم من بين الشعوب التي خضعت للاستعمار المباشر لم يتحرروا حتى الآن ولم يكونوا الدولة ـ الأمة.‏
إيران وتركيا والهند والصين هي الآن دول قومية ومصدر قوتها هو هذا.‏
ويبدو لي أن الاستعمار الغربي وورثته من المستعمرين الأمريكان يتبنون سياسة لم تتغير اتجاه العرب ألا وهي الحيلولة دون قيام الدولة ـ الأمة في هذه المساحة الجغرافية التي ذكرت. أسس القضية هي الآتية:‏
يجب أن لا تكون هناك قوة إقليمية في قلب العالم بمميزاتها الجغرافية الاقتصادية والسكانية وقائل يقول: إن هذه السياسة الاستعمارية ـ في استمرارها ـ هي ضد الإسلام. وهذا وعي ساذج بالمسألة العربية.‏
فإيران أمة ـ دولة إسلامية، وكذلك تركيا، وباكستان صارت أمة ـ دولة وتمتلك الأسلحة النووية، وأندونيسيا الإسلامية دولة ـ أمة وحركة التحرر العربية هي في الأساس علمانية. فالمسألة العربية إذاً هي أن العرب يجب الآن وفي المستقبل، أن يظلوا في عالمهم الراهن من التجزئة والتخلف.‏
الغرب وقف ضد وحدة 1958 بين مصر وسوريا، وقف ضد مشروع سوريا الكبرى، وقبل ذلك حال بين محمد علي وبين تكوين دولة للناطقين بالعربية، خلقوا الكيان العنصري ـ الصهيوني في فلسطين لوضع حاجز بين مصر وبلاد الشام والعراق.‏
الجامعة العربية التي صادرت على فكرة الأمة ـ الدولة بوضعها مشروعاً بريطانياً أول بنودها عدم تدخل أية دولة في شؤون دولة أخرى أسس المستعمرون دولاً لم تكن تخطر على بال احد إطلاقاً. شرق الأردن، دولة لبنان، دولة قطر، البحرين، الإمارات، عمان وموريتانيا دول.‏
المناطق التي كان يمكن أن تقوم بها دول حالوا بينها وبين ذلك. شبه الجزيرة العربية هي الآن دول سبع. بلاد الشام والعراق هي الآن دول خمس، وادي النيل دولتان، المغرب العربي دول أربع.‏
المنطقة الوحيدة في العالم التي أسس فيها المستعمرون دولة إجلائية ـ احتلالية غربية الوجه واليد واللسان وما زالت محمية أوربياً وأمريكياً هي المنطقة العربية. فالبيض حكموا بعض مناطق إفريقيا وكونوا دولاً زال حكم البيض وظلّ الأفارقة في أوطانهم.‏
حشدت أمريكا العالم الغربي كله وكثير من الحكومات العربية لشن حرب على العراق حين ضم الكويت بالقوة العسكرية.‏
المعنى القابع وراء شن الحرب على العراق واضح: هذه الحدود التي رسمناها لكم مقدسة بالنسبة لنا. واستخدام القوة في إلغاء هذه الحدود خط أحمر. عليكم أن لا تتجاوزوه.‏
إسرائيل بالنسبة لهم أيضاً خط أحمر وحرب 73 شاهد على ذلك.‏
كل الحدود السياسية في العالم تأسست استناداً إلى العامل القومي، مع انزياحات بسيطة هنا وهناك.‏
حدود اليابان حدود شعب اليابان. وحدود الصين حدود الشعب الصيني.‏
كل الحدود السياسية التي تأسست في المنطقة العربية لا تملك أي سبب معقول لها، ليس هناك في العالم حدود كخطوط مستقيمة لا تعرج فيها كما الحدود بين أكثر دويلات العرب. حدود رسمت بالقلم لأول مرة في التاريخ الإنساني ترسم حدود بالقلم من الآخر.‏
ورب معترض يقول: هذا ما فعله الاستعمار وما يفرزه الاستعمار الجديد ولكن مسؤولية السلطات في الوطن العربي لا تقل في استمرار التجزئة عن مسؤولية الغرب. وهذا حق وسأتناول هذه النقطة فيما بعد.‏
أعود للمسألة العربية، لأزيد من فضها. عبر مفهوم آخر هو مفهوم الهوية. الهوية تجريداً هي الشعور بالتمايز، أنا لست الآخر.‏
لنبدأ بالبسيط.. ليست هناك من هوية لا تتعين بالشعور بالانتماء، والشعور بالانتماء لا يتعين إلا بالجنسية، والشعور بالجنسية لا يتعين إلا بالدولة.‏
العرب إتنية هذا ما يعترف به ابن المنطقة كما يعترف به الآخرون.‏
صفة العربي نلقاها في ظواهر متعددة. جامعة الدول العربية، جمهورية مصر العربية، الجمهورية العربية السورية، الإمارات العربية المتحدة في الدساتير سنجد فقرات تقول: الدولة جزء من الأمة العربية.‏
في خطاب المفكر ـ المثقف، السياسي، تتردد كلمة العربي.‏
يكتب عبد الله العروي الأيدولوجيا العربية المعاصرة، ويكتب الجابري بنية العقل العربي وتكوين العقل العربي، يكتب زكي نجيب محمود تجديد الفكر العربي ويكتب حسن صعب تجديد العقل العربي. ويكتب حافظ الجمالي عربي يفكر، وتنتشر أيديولوجيات قومية عربية.‏
يندر أن تجد مفكراً على امتداد الوطن العربي يفكر في عقله الضيق.‏
أسماء مجلات: الفكر العربي، العربي، أخبار العرب، محطة فضائية، اسمها العربية.‏
في تعريف الفرد بنفسه لا يجد بداً من القول أنا عربي وخاصة حين يغادر إلى الخارج.‏
إذاً نحن أمام هوية تظهر على أنحاء مختلفة، بوصفها شعوراً ذاتياً غير مصطنع. هوية تظهر باللغة من حيث هي أصلية، لغة الحياة اليومية ولغة الأدب والعلم رغم الفروق الضئيلة بين اللهجات. مع ظهور الحدود السياسية ونشوء الدويلات، أخذت الدويلات أسماءها، وتكنت الجنسيات بأسماء الدويلات. فحصل العربي على هوية جديدة حاضرة في جواز سفره في بطاقته الشخصية. لكنها هوية خالية من أي صفة جوهرية للهوية، هوية ناتجة من اسم المكان سواء كان الاسم قديماً أو حديثاً. هذه الهوية الناتجة عن اسم ومكان سرعان ما تنهار أمام هوية الأصل، وعلاقات القرابة القائمة بين الحاملين الهوية المكانية ـ القطرية.‏
بل إن الهوية الناتجة عن الأصل ذات حضور أقوى بما لا يقاس من هوية المكان كحالة شعورية. وعلاقات القرابة أقوى من العلاقات الناشئة من الحدود السياسية الجديدة.‏
والملفت للنظر أن وعي هوية الأصل العائلي ـ القبلي ليست حاضرة في المجتمعات البدوية أو القروية فحسب، بل وفي مجتمع المدينة. بل أن شجرة النسب حاضرة في المدينة وليست ظاهرة فلاحية أو بدوية. ويجب أن نشير أن البداوة آيلة إلى زوال.‏
وما حضور هوية الأصل الناتجة عن الشعور بالقرابة إلا رفض ضمني ولا شعوري أحياناً للتقسيم السياسي. فاللقاء بين أقرباء ينتمون إلى دويلات متعددة سرعان ما يخلق حالة من نسيان الحدود. ومع سهولة وسائل التواصل بقيت من جديد حالات البحث عن علاقات القرابة.‏
غير أن هناك عاملاً أهم لبعث الهوية القائمة على قرابة الدم والأصل ألا وهو غياب السياسة كحالة مجتمعية في معظم مناطق العرب. فالانتماء السياسي حالة مدنية حديثة. وليس صحيحاً أن الانتماءات ما قبل السياسية هي التي هزمت السياسية بل العكس صحيح. فالسياسية كحالة مجتمعية تصنع الولاءات الطبقة والمهنية والحزبية والأيديولوجية وهذا أمر حالت السلطة من وجوده. لأن السلطة بالأساس وجدت في العصبيات غير السياسية مصدراً لقوتها. وبالتالي أعادت إنتاج العصبيات ـ على مستوى المجتمع ـ إلى بناها القديمة.‏
وإلا كيف نفهم ظاهرة غريبة حدثت منذ شهور، الحادثة هي اختيار أمريكا وبريطانيا لرئيس عراقي ينتمي إلى قبيلة شمر.‏
لم تلتفت القبيلة الممتدة عبر سوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية إلى مضمون هذه الظاهرة. بل أخذت طابعها القبلي فعمت الفرحة هذه المناطق، لم ينظر إلى الرئيس من حيث هو ثمرة الاحتلال، كما لم ينظر إليه بوصفه عراقياً. بل نظر إليه بوصفه شمرياً. وشمر هذه لم تعد قبيلة بدوية، بل حضرية بامتياز. لكن شمر بافتخارها أيضاً بأنها قبيلة عربية بامتياز افتخارها هذا افتخار بالأصل.‏
وهكذا اتحدت هويتها القائمة على رابطة الدم مع هويتها القائمة على رابطة الانتساب الأصلي الأوسع.‏
هذه الظاهرة وما شابهها تدل على هزيمة السلطة وهزيمة الحدود الدولية وهزيمة الحداثة وهزيمة السياسية.‏
وبالمقابل نجد هوية دينية حاضرة في الوعي العام تتقاسم الانتماءات، وفاعلة في السلوك ولها نخبها المعبرة عنها أيدولوجياً.‏
فالقول: أنا مسلم أو أنا مسيحي، أو أنا مسلم سني أو مسلم شيعي قول يحدد هوية متعايشة مع الهويات الأخرى وغير متناقضة معها أو لا يجد من يعيها تناقضاً بين هوياته السابقة وهويته الدينية.‏
باستطاعة المسيحي أن يعلن أنه مسيحي عربي ولا يجد أي تناقض في ذلك، وإذا أراد أن يؤكد انتماءه العربي قال نحن غساسنة أو مناذرة أو تغالبة. وكذا المسلم بكل تنويعاته، يميل إلى تأكيد انتسابه العربي عبر تأكيد انتسابه إلى الأصول.‏
وإذا كان الإسلام السياسي يسعى لجعل الهوية الدينية هي الهوية المنتصرة فإن الإسلام الشعبي أو المسيحية الشعبية ما زالت تنطوي على ما ذكرت. وهنا تبرز المشكلة ـ التي أطلقت عليها المسألة العربية ـ في أحد وجوهها. غياب أي معادل سياسي لأية هوية من الهويات التي ذكرت والمعادل السياسي هي الدولة.‏
فلم يحقق العرب دولة عربية، ولا دولة دينية، ولا دولة قبلية ولا دولة في حدودها الحالية، النتيجة المترتبة على ذلك: العرب قوم ما قبل الدولة.‏
سأطرح الفرضية التالية: الدولة الحديثة هي دولة قومية. والتاريخ لم يأت على الدولة القومية، الدولة القومية هي دولة الأمة. كل سلطة تقوم في حالة ما قبل الأمة حالة قديمة وليست دولة.‏
والدولة القومية هي وحدة الهوية والدولة.‏
إذاً: لا يمكن نظرياً قيام دولة دينية ولا دولة قبلية ولا دولة مناطقية في الوطن العربي. بل السلطة ضد الدولة.‏
ما هي هذه السلطة الماقبل الدولة؟‏
في المستوى الشكلي هناك دول في الوطن العربي حدود، اعتراف، علم، نشيد وطني، رئيس، ملك، أمير، وزارات، جيش، شرطة، مؤسسات… الخ.‏
هذا المستوى الشكلي يقع في تناقض مع المجتمع، مع البشر، مع الشعور لها بضرورة الدولة ـ الأمة، مع المصالح العميقة للبشر، مع السيادة كمفهوم مقوّم لأية دولة. أساس هذا التناقض تناقض السلطة مع المجتمع.‏
لنأخذ السيادة والدولة الذي لا تقوم الدولة إلا بترابط هذين المفهومين.‏
الدويلات القائمة خلو من مفهوم السيادة. السيادة هي قدرة الدولة على اتخاذ قرار وفق مصالحها، على حماية حدودها، على حماية ثرواتها على تحقيق أمن مواطنها.‏
الدويلة: تابعة في قراراتها لسلطة خارجية، ثرواتها عرضة للنهب الخارجي، السلطة تحصر المصلحة في شروط استمرارها، حدودها مستباحة، صفة العربية التي تحملها لا تتعين بأي سلوك وخاصة بالعلاقة مع العدوان.‏
التطابق بين السلطة والدويلة يلزم الدويلة لقاء استمرار السلطة لنأخذ ثلاثة شواهد على قرار الدويلة المستلب الخلو من السيادة. قضية فلسطين، العراق، ليبيا.‏
العربي ـ الإنسان يعتبر القضية الفلسطينية قضيته، يعتبر إسرائيل عدواً قومياً، يطلب من سلطته أن تفرج عن إرادته ليساهم في الكفاح، السلطة: أما انفردت في ترتيب شروط استمرارها دون النظر إلى القضية، أو أقامت علاقات مع إسرائيل علنية، أو علاقات سرية. السلطة إذاً لا تعكس إجماع المجتمع، ولا تعكس مفهوم السيادة. السلطات تترك لأمريكا شأن إيجاد حل للقضية.‏
السلطة في تناقض مع الأمة إذاً مع مفهوم السيادة.‏
العراق، الجيوش الأمريكية، استخدمت الأرض العربية والمياه العربية والثروات العربية لاحتلال العراق، ناهيك عن التأييد العلني لهذا الاحتلال. المجتمع ضد احتلال العراق، مع الكفاح المسلح ضد الاحتلال. قرار السلطة ليس قرارها إنه قرار الآخر.‏
حوصرت ليبيا: جميع الدويلات العربية التزمت بالحصار، لم يكن بمقدورها أن تقول لا، لأن العلاقة مع أمريكا هي نعم، خذ فكرة الأمن: السلطة المعبرة عن السيادة هاجسها الأمن الداخلي للمواطن، السلطة الراهنة الأمن بالنسبة لها. أمن السلطة، أمن يقع في تناقض مع المجتمع، فتحقيق أمن السلطة رهن بزوال أمن المجتمع، وهكذا تتحول بعض الأشكال الخارجية للدولة، الجيش الأمن القضاء إلى عوامل نزع أمن الإنسان، لأن الخطر من وجهة نظر السلطة هو خطر داخلي.‏
أضيف أن السلطة في الوطن العربي ليست سلطة قطرية. سلطة مادون ذلك بكثير. إنها سلطة جزء لمن يملكون القوة للسيطرة وذات هاجس ذاتي فقط. لو كانت السلطات قطرية معبرة عن أجماع القطر لسارت في طريق الوحدة القومية لأنها ستكون معبرة عن مصالح سكان القطر.‏
السلطة ـ سلطة أي دولة هو تحقيق الأمن الاقتصادي للمواطن والسلطة في بلاد العرب سلطة نهب، إذاً هي سلطة خارجية.‏
النتيجة: السلطة في الوطن العربي سلطة احتلال خارجي في صورة احتلال داخلي. هذا هو جوهر المسألة العربية داخلياً.‏
لنتقدم خطوة أخرى في تحليل المسألة العربية من زاوية أنها مسألة خارجية، مسألة آخر غربي ـ أمريكي يحاول جاهداً ترتيب هذه المنطقة على هذه.‏
أوربا وأمريكا تنظر إلى المسألة العربية من الزوايا التالية:‏
1 ـ الحيلولة دون قيام أي شكل من أشكال الدولة ـ الأمة في الوطن العربي تصل حد السيادة.‏
2 ـ الوقوف ضد أي نزعات رديكالة قومية أو دينية للتحرر.‏
3ـ استمرار نهب الثروة النفطية والتحكم بها مداً وجزراً.‏
4 ـ حماية إسرائيل، وتحقيق أمنها الدائم، واستقرارها وقوتها ورفاهها.‏
5ـ استمرار سلطات تابعة تبعية مطلقة بحجة التحالف مع الأصدقاء العرب، إذ لكي يتحقق هذا كله لا بد من سلطات على هذا النحو.‏
المسألة العربية إذا هي خارجية منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن.‏
العرب موضوع هيمنته، هذا هو جوهر المسألة العربية خارجياً.‏
و لقد ظن أن تعامل الغرب عموماً وأمريكا على وجه الخصوص مع العرب لن يصل حد استخدام القوة.‏
بعد ستين عقداً من زوال الاحتلال المباشر. يعود الاحتلال المباشر وغير المباشر. بعد مرور خمسة عقود من الزمن على آخر استخدام للقوة ضد مصر ـ العدوان الثلاثي ـ ها نحن نشهد استخدام القوة العسكرية من قبل الدولة التي وقفت موقفاً متحفظاً من العدوان الثلاثي.‏
الجزيرة العربية هي الآن محتلة من عمان حتى الموصل. وإذا أخذنا بالرأي الذي يقول أن الجزيرة العربية هي آسيا العربية، فإن سوريا الراهنة، البلد الوحيد غير المحتل ولكنه خاضع للتهديد العسكري وغير العسكري.‏
يضاف إلى ذلك أن المسألة العربية اليوم خارجياً تخضع لإملاءات الإصلاح الغربية والأمريكية.‏
الإصلاح غربياً أمريكياً أشبه بالإصلاح الأوربي الذي أملاه الغرب على الدولة العثمانية نهاية القرن التاسع عشر.‏
لنتوقف قليلاً عند تعيين المسألة العربية خارجياً لزيادة في الإيضاح.‏
مظاهر المسألة العربية خارجياً ثلاثة، وهي بمثابة الأساليب في التعامل على هذه المسألة:‏
اـ احتلال وقواعد تحكم بالثروة النفطية.‏
2ـ فرض تسوية للقضية الفلسطينية.‏
3ـ مشروعا الإصلاح الأوربي والأمريكي للمنطقة.‏
الأسلوب الأول حاصل واقعياً لا يحتاج إلى مزيد من القول وخارطة الطريق سقف التسوية والذي ظاهره تعايش دولتين فلسطينية ويهودية.‏
الدولة اليهودية حاصلة وأمرها لا يحتاج إلى خارطة هذه الدولة تحتل كل فلسطين والمتبقي من فلسطين غزة والضفة الغربية. خارطة الطريق لا تحدد الحل بانسحاب الدولة اليهودية إلى حدود 67 ومساحة الدولة الفلسطينية في خارطة الطريق تركت لما تقرره الدولة اليهودية. الدولة اليهودية حددت سلفاً خارطة الطريق. انسحاب من غزة، بقاء المستوطنات في الضفة الغربية، لا إنسحاب من القدس، الجدار العنصري الذي يقتلع 40% من أرض الضفة الغربية ويحولها إلى تونتوثات يأسر فيه الفلسطينيون.‏
العرب يضعون مشاريع لا قيمة علمية لها، التسوية إذن هي تسوية وفق التصور اليهودي للحل، إذاً لا حل إلا الحل الذي يفرض على الفلسطينيين وعلى العرب عموماً.‏
دواعي خارطة الطريق أمريكا صادر عن اعتبار قضية فلسطين تحول دون استقرار المنطقة بالمعنى الأمريكي، ومصدر للإرهاب كما يتصورون، وبالتالي إخراج العامل الفلسطيني.‏
من الأسباب التي تخلق العداء والتوتر والإرهاب، فلا لا ينظر إلى المشكلة من زاوية الحق.‏
أما قضية الإصلاح الذي بتصوره الغربي وأمريكا للمنطقة والتي يجب أن تحقق الأنظمة السياسية القائمة يجيب على سؤال خارجي ولا يصدر على الاهتمام بمصير المنطقة كما يتصوره أبناء المنطقة.‏
هذا السؤال هو ما حاجة الغرب وأمريكا للإصلاح العربي؟ وليس ما حاجة أهل المنطقة للإصلاح.‏
حدود الإصلاح أمريكياً وأوربياً هو استمرار التبعية ونزع بعض شروط ظهور الحركات الراديكالية القومية والإسلامية.‏
وبالتالي فإن حدود الإصلاح المطلوب لا تتجاوز تحسين الوضع المعاشي وتحسين الوضع السياسي دون أن تغير كيفي للمنطقة.‏
والسلطة العربية، لا تجد ما يتناقض في سياستها إذا ما التزمت بالإصلاح الأمريكي مع الإصلاح أمريكياً إذا كان الإصلاح لا يأتي عليها، لأن سؤالها حول الإصلاح متشابه إلى حد كبير مع السؤال الأمريكي: كيف تنجز إصلاحاً يحول دون ظهور حركات راديكالية وتحافظ على السلطة كملكية.‏
السؤال الأمريكي والسؤال السلطوي متناقض تناقضاً كلياً مع سؤال الإصلاح مجتمعياً.‏
فالإصلاح الشعبي ـ إن صح التعبير ـ يطرح كل المشكلات التي تحول دون أن يتحول إلى فاعل تاريخي لكي يتحول إلى فاعل تاريخي.‏
الإصلاح الذي ينهض بتغيير حقيقي في بنية السلطة وبنية المجتمع ويجد حلاً للمسألة العربية. في وطن حر ديمقراطي يتخذ شكلاً من الأمة ـ الدولة.‏
الإصلاح أمريكياً وسلطوياً يبقي المسألة العربية دون حل. الإصلاح المجتمعي يؤسس لحل المسألة العربية.‏
في وطن حر ديمقراطي يتخذ شكلاً من الأمة الدولة.‏
هذه ليست أوتوبيا أبداً.‏
هل هناك إمكانية لمثل هذا الأمر؟‏
نعم، وإلا ظلت المسألة العربية خارجية وظلت السلطة عقبة كأداء أمام الحل.‏
المسألة العربية في أسسها الأعمق مسألة سياسية، لا يمكن لأمريكا وأوربا أن تظلا ممسكتين بالمصير العربي دون سلطات ممسكة برسن متين وثناياه بيد الغرب.‏
الثورة الصامتة على امتداد الوطن العربي لا نتيجة لها دون فعل سياسي.‏
وبالتالي السؤال المطروح أمامنا هو كيف يكتسب المجتمع العربي سلطة سياسية، قادرة على تحويل السياسية إلى فعل تاريخي؟‏
دون أتاوه تدفعها للتاريخ لا أمل في الخلاص!‏