Archive for the ‘ من الصحافة العربية ’ Category

عن تجربة “حزبين” في الحكم الأبدي: الجيش و”الإخوان”

عن تجربة “حزبين” في الحكم الأبدي: الجيش و”الإخوان”

طلال سلمان

تاريخ المقال: 22-01-2014

إذا ما تجاوزنا مشروع الانقلاب العسكري الأول الذي لم يقدّر له أن ينجح في إسقاط النظام الملكي في العراق عشية الحرب العالمية الثانية، فإن معظم الأنظمة التي قامت مباشرة بعد نجاح الحركة الصهيونية في إرساء مشروعها في إقامة إسرائيل على ارض فلسطين، إنما أقامتها جيوش الدول العربية عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية.

لقد كان الجيش هو الملجأ من الهزيمة والأمل في التعويض والرد عليها، مع سقوط “النظام المدني” الذي لم يثبت في أي يوم انه قد قطع مع المستعمر القديم، أو انه في مستوى طموحات الناس. أما الشعب فكان يتلمس طريقه إلى “السياسة” بعد دهر من التيه وسط ركام التخلف الموروث عن الحكم العثماني، و”الانبهار” بالنموذج الغربي وديموقراطيته التي سيتبين لاحقاً أنها امتياز لشعوبه وليست للتصدير إلى الشعوب الغارقة في التخلف والتي لا بد من “تمدينها” عبر “الانتداب” أو الاحتلال المقنع حتى تبلغ سن الرشد.

كانت معظم الأحزاب وطنية الشعار يتسلم قيادتها نخب متحدرة من الإقطاع الزراعي أو النجاح التجاري، ومعظمها سبق إلى التحصيل العلمي في الغرب. وسيمضي وقت قبل أن تظهر على المسرح حركات سياسية بشعارات عقائدية مثل الأحزاب القومية أو الشيوعية، بينما كانت الوجاهات والأعيان وأهل الإقطاع تحتل الصدارة في الحياة السياسية.

بالمقابل كانت الحركات الدينية موجودة في هذه المجتمعات غالباً من غير تنظم “حزبي”، وإن تميزت الفرق الصوفية بجماهيريتها ولو غير مسيسة.. ثم كان أن ظهرت حركة “الإخوان” المسلمين في مصر في أواخر العشرينات من القرن الماضي وتمددت نحو فلسطين ومنها إلى سائر بلاد الشام، في حين كانت “الوهابية” السلفية في الجزيرة العربية الدعامة الأساسية لحكم آل سعود.

ربما لهذا لم تكن مهمة صعبة على الجيوش حديثة التكوين والتي عادت من ميدان فلسطين بهزيمة مدوية أن تتقدم لأخذ السلطة من أنظمة حكم فقدت أسباب شرعيتها عبر الفشل في تلبية حاجات مجتمعها في الداخل ثم عبر السقوط الذريع في مواجهة الخارج الاستعماري عبر مشروعه الإسرائيلي على ارض فلسطين.

لذا يمكن القول، من دون السقوط في التهويل، أن الأنظمة التي حكمت البلاد العربية من الجزائر وحتى اليمن، مع استثناء جزئي للبنان، كانت متحدرة من العسكر.

كذلك يمكن القول من دون مبالغة إن العسكر يتحملون الجزء الأعظم من المسؤولية عن أحوال العرب، دولاً وشعوباً، طوال العقود الستة الماضية، بكل ما فيها من إخفاقات مدوية وإنجازات لم يقدر لها أن تكتمل.

لقد ألفت الشعوب العربية أن يكون الحكم عسكرياً، أو بقيادة عسكري يجتهد في تقديم نفسه كمصلح يحمل مشروعاً للنهوض بمجتمعه والوصول بدولته إلى المكانة التي تستحق على المستوى الدولي.. وأحيانا كانت المحاولة تتبدى كاريكاتورية.

وبالتأكيد لا يمكن إصدار حكم مطلق على مجمل هذه الأنظمة فهي ليست واحداً، بل تقتضي الحقيقة الاعتراف أن بعضها قد حقق نجاحات ملحوظة في مجال النهوض بالمجتمع وتنمية قدراته واكتساب مكانة مميزة على المستوى الإقليمي وحتى على المستوى الدولي (جمال عبد الناصر وتجربته المميزة في مصر، والتجربة المضادة لأنور السادات وبينهما التجربة الطويلة لحافظ الأسد في سوريا).

أما الحكم على نتائج هذه “الحقبة العسكرية” بإخفاقاتها ونجاحاتها على امتداد أكثر من ستين عاماً فقد قالته الميادين في كل من تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن وصولاً إلى السودان.

على أن الخروج من الحقبة العسكرية لا يعني الانتقال آلياً إلى الديموقراطية… ولقد شهدنا في بعض هذه الأقطار نهايات كارثية كادت تذهب بالبلاد جميعاً وليس بأنظمتها فحسب.

… ولما شاخت الأنظمة المتحدرة من العسكر وعجزت عن حماية مجتمعاتها إلا بالأمن، وعن تلبية متطلبات الأجيال الجديدة إلا بالقمع، كان لا بد من نزول جيل الغضب المدفوع إلى اليأس من الوطن نحو الميدان.

وهكذا توالت تفجر الانتفاضات في مختلف البلاد العربية التي يحكمها العسكر ـ ولو بملابس مدنية وعبر أجهزة أمنية متعددة ـ تأكيداً لسقوط الخوف والإصرار على التغيير واستعادة القرار الوطني ولو عبر المواجهة بالدم.

انتهت مرحلة صعبة وتقدمت المرحلة الأصعب بمهامها الثقيلة تنادي القادرين على تحمل مسؤولياتها الثقيلة.

وتنوعت مواجهة هذه المسؤوليات بين دولة عربية وأخرى تبعاً لدرجة الوعي ولمستوى حضور المؤسسات السياسية (الأحزاب والتنظيمات) ذات القدرة على قيادة الانتقال من مرحلة الحكم الديكتاتوري إلى النظام الديموقراطي.

في تونس، على سبيل المثال، قفزت الأحزاب القديمة عائدة إلى الساحة لتفاجأ بان تنظيم “الإخوان المسلمين” كان الأكثر قدرة والأعظم تماسكاً خصوصاً وأن له برنامجه التاريخي وقد حدثه بسرعة وقدم نفسه على انه الأكثر أهلية لتولي المسؤولية عن السير بالبلاد إلى مستقبلها… ولقد لجأ هذا التنظيم بقيادته التي عادت من المنفى الاختياري وقد “عصرنت” برنامجها وشعاراتها إلى رفع شعار الائتلاف مع عدد من التنظيمات ذات التاريخ، مستبعداً تنظيمات أخرى ذات طابع تقدمي وعروبي.

ولقد تعثرت جهود “الإخوان” في السيطرة على السلطة كاملة، برغم كل الحيل الشيطانية والبراعات التي لجأ إليها “القائد التاريخي” للنهضة راشد الغنوشي، وبرغم الإسناد التركي (والقطري) والتنظيم العالمي لـ”الإخوان المسلمين”.. ثم تفجر الدم عبر عمليات اغتيال سياسي استهدفت قائدين مميزين ينتميان إلى التيار التقدمي. وحين تحرك الجمهور غاضباً اضطر “الإخوان” إلى التسليم بالمشاركة، ثم إلى مزيد من التنازلات في الحكومة وفي الدستور وفي موعد الانتخابات النيابية… وللأيام أن تحكم إذا كان هذا التصرف “مناورة” أو تعبيراً عن إدراك فعلي للواقع.

أما في سوريا الغارقة في دماء أبنائها فتتواصل الحرب التي تجاوزت نظامها لتفتح أبوابها أمام أشتات التنظيمات السلفية والجهادية فتعمل تدميراً وتحطيماً لبنية الدولة والمجتمع، مستفزة الجمهور عبر وصمه بالكفر تمهيداً لإعلان احتكارها الإيمان…

وواضح أن هذه الحرب لا يمكن أن تنتهي بتسوية، لأن هؤلاء “الوافدين” تحت شعار الجهاد لا يؤمنون بالدولة ولا يسلمون بالحدود بين الدول بل يعملون لإعادة الخلافة وما يشابهها…

ومؤكد أن الشعوب العربية تحمد الله على أن تجربة الإسلاميين في الحكم، كانت قصيرة، وإلا لعظمت كلفتها كأن تدمر “الدول” التي تظل ضرورية، برغم بؤسها، أو تمزق وحدة المجتمعات لا سيما تلك التي تتعدد مكوناتها وإن ظل المسلمون يشكلون الأكثرية الساحقة من أبنائها.

تبقى تجربة مصر الثورة التي تتقدم في قلب الصعوبة.

ومن الإنصاف للجيش المصري أن نشهد له انه قد قدم للأمة، حتى الساعة، تجربة مغايرة لكل ما سبق من تجارب، فابتعد عن لعبة الانقلاب العسكري مستدعياً الشعب ومنذ اللحظة الأولى ليكون هو صاحب القرار في حاضره وبالتالي في مستقبله.

ومؤكد أن الشعوب العربية جميعاً تحفظ لهذا الجيش انه قد التزم تحقيق الإرادة الشعبية، فمكن لها أن تسقط حكم “الإخوان” في الشارع بالتظاهرة التاريخية غير المسبوقة والتي امتدت بطول مصر وعرضها في 30/6/2013.

على أن الامتحان الحقيقي ما زال مفتوحاً، أمام قيادة هذا الجيش الذي مكن الشعب من التكفير عن خطأ التسرع في اختيار “الرئيس” قبل سنة ونصف السنة، ربما لأن تجربته في ممارسة الديموقراطية طرية العود، ولعله قد تعجل الخلاص من حكم الطغيان الذي أعاد مصر إلى الخلف جيلاً بل جيلين وأكثر.

أما وقد أنجز الشعب دستوره الذي لا يمكن اعتباره مثالياً، فإنه سيعرف بالتأكيد خطوته التالية نحو إعادة النظام الديموقراطي المؤهل لإعادة بناء مصر وفق إرادة شعبها العظيم وحقه في الغد الأفضل.

ينشر بالتزامن مع جريدة “الشروق” المصرية

Advertisements

الانتفاضات في مواجهة الفتنة: من يزوّر الصراع السياسي ولماذا

الانتفاضات في مواجهة الفتنة: من يزوّر الصراع السياسي ولماذا؟

طلال سلمان

تجتاح الفوضى، وغالباً مسلحة، الأرض العربية مشرقاً ومغرباً، بطول المسافة بين اليمن وتونس، ويضيع «الثوار» عن أهدافهم في بناء «الدولة» التي يطمحون إليها بديلاً من أنظمة الطغيان التي نجحوا في إسقاطها أو أنهم ما زالوا يجاهدون من دون أن تتوفر لهم صورة الدولة العتيدة التي يرغبون في بنائها.

يتساقط القتلى بالعشرات، في وتيرة يومية، في اليمن المهددة دولتها بالسقوط في دوامة الانفصال، وفي العراق التي لم تنجح قياداته السياسية (والدينية) في إعادة بناء الوحدة الوطنية التي كان قد صدعها حكم الطغيان ممثلاً في صدام حسين، ثم أجهز عليها الاحتلال الأميركي، في حين تلتهم المذابح والصدامات المسلحة في سوريا بين النظام فيها الذي عجز عن استيعاب روح العصر وبين معارضيه الذين تجاوزوا شعبه ومطامحه فجاؤوا من كل ناح، يريدون بناء «دولة الخلافة» بالعبوات الناسفة والمدافع وتكفير كل من لا يقبل «جاهليتهم الوافدة».

أما في لبنان الذي يعاني نظامه السياسي من خلل بنيوي فاضح عبر محاولة ادّعاء السبق إلى العصر في التقدم الاجتماعي، بينما أهل الطبقة السياسية فيه، حاكمون ومعارضون، يخوضون «معاركهم» التي تتسع للدول جميعاً بالسلاح الطوائفي الذي لا يمكن أن يبني وطناً، والذي يبقي «دولته» معرضة دائماً للارتجاج، بما يفتح الباب واسعاً أمام تدخل «الخارج»، الذي كثيراً ما انتخب له رؤساءه وعين حكوماته وحتى نوابه «ممثلي الأمة».

فإذا ما انتقلنا إلى الضفة الأفريقية للوطن العربي فلا بد أن نتوقف أمام الإنجاز الاستثنائي الذي حققه الشعب المصري عبر ثورتين شعبيتين على الطغيان، مع مرحلة انتقالية شهدت السقوط الذريع لـ«الإخوان المسلمين» الذين يسرت لهم المصادفات التاريخية أن يقفزوا إلى سدة السلطة، فلم يعرفوا كيف يسوسون الحكم فخلعهم… وها هي مصر تعيش مرحلة انتقالية تمهد لإعادة بناء الدولة بما يتوافق مع مطالب الملايين التي ملأت الميادين، مرة وثانية وثالثة، والتي تنتظر الآن إنجاز الدستور العصري والذي يحفظ ريادة مصر في بناء «الدولة»، ويحقق طموح شعبها إلى التقدم ويصلب وحدته الوطنية ممهداً لعودة مصر إلى لعب دورها القيادي في منطقتها العربية.

ولقد استقبلت بيروت، خلال الأيام القليلة الماضية، الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل، فاتسعت معه مساحة الحوار حول الوضع في مصر وآفاق تطوره وصيغة استقرار الدولة التي يعاد بناؤها في مناخ الثورة التي لمّا تغادر الميادين تماما، ومواقع القوى الجديدة والجيش والتيارات الإسلامية المعتدلة فيها، خصوصاً بعدما ميزت موقفها عن «الإخوان» رافضة طروحاتهم الانقلابية.

ومع أن الأستاذ هيكل لم يشفِ غليل أصحاب الأسئلة، لا سيما منهم أولئك القلقون على مصر ودورها مستقبلاً، خصوصاً وأنهم يتطلعون إليها كصاحبة الحق الشرعي في القيادة، عربياً، بل حصر إجاباته في التأكيد على «مدنية الدولة» وعلى أن الجيش لا يطلب السلطة وصولاً إلى أن الفريق أول عبد الفتاح السيسي لا يسعى إلى الرئاسة ولا يريدها، بل هو يعمل من ضمن قيادة الحكم المؤقتة، من اجل إنجاز صيغة الحكم في الدولة الديموقراطية التي استولدتها الثورة بدستورها الجديد، وبمؤسساتها التي سوف تنتخب في المواعيد التي حددها الدستور المؤقت.

تواترت الأسئلة فشملت الاقتصاد والإدارة والأوضاع المالية والعلاقة مع الإدارة الأميركية (واستطراداً الاتفاقات التي سبق عقدها مع العدو الإسرائيلي في ظروف ملتبسة)، وصولاً إلى العلاقات مع دول الخليج العربي، ومع السعودية على وجه الخصوص، لا سيما وقد سارعت هذه الدول إلى تقديم مساعدات وقروض سخية إلى الحكم الجديد في مصر.. وهو أمر غير مألوف، ومن الطبيعي أن يثير العديد من أسئلة القلق مع التخمين حول الهدف من هذا السخاء.

ومع حرص الأستاذ الكبير على عدم التوغل في استكشاف النيات السعودية خصوصاً والخليجية عموماً الكامنة وراء هذا التصرف، إلا أن شبح «إيران» قد حام فوق جلسات الأسئلة المفتوحة على استقراء النيات.

وكان طبيعياً أن يعاود الجميع قراءة خريطة التحولات في المنطقة لا سيما بعد التفاهم الذي تم التوصل إليه بين إيران والولايات المتحدة الأميركية (حتى لا ننسى المكالمة الهاتفية المباغتة بين الرئيس الأميركي اوباما والرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة…، ثم الاتفاق الذي أعلن عن التوصل إليه حول «النووي» بين إيران ودول 5+1 في الأيام القليلة الماضية، والذي لا بد أن يكون له ما بعده.

بعيداً عن مناقشات الأستاذ هيكل اللبنانية، فلا بد من ملاحظة التطورات المتسارعة على صعيد العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي: فلقد توالت زيارات مسؤولين خليجيين إلى طهران، ثم جال وزير خارجية إيران على عدد من هذه الدول، وسادت لغة جديدة في الحديث عن مستقبل التعاون بين «الجيران» بعدما كانت تظلل أجواء العلاقات بينها غيوم التهديدات واللهجة شبه الحربية.

وتبدى واضحاً أن ثمة تباينات في ما بين الخليجيين أنفسهم، وعلى وجه التحديد بين السعودية من جهة وعدد من الدول الخليجية، بينها الكويت وقطر والإمارات، في حين اندفعت سلطنة عمان إلى إعلان اعتراضها على النهج المعتمد في تلقف «المبادرة الإيرانية» لمحاولة تطبيع العلاقات مع عرب الجزيرة والخليج وتجاوز المناخ المأزوم الذي كان يفسح في المجال لتدخل الدول الأجنبية من اجل الحفاظ على … سوق السلاح.

وسرعان ما اتخذت الأزمة طريقها إلى العلن عبر مواقف رسمية، أكثرها صراحة ما أعلنه سلطان عمان، الذي نادراً ما يجهر بآرائه، في منتدى الأمن الإقليمي الذي انعقد في البحرين،عشية دور الانعقاد العادي لقمة مجلس التعاون الخليجي التي افتتح أعمالها يوم أمس الثلاثاء.

ما لم يقله سلطان عمان، وإن كان يتردد في المحافل العربية عموماً، أن ثمة أطرافاً متضررة من أية تسوية أو تهدئة للعلاقات التي شهدت توتراً حاداً بين إيران والخليجيين بقيادة السعودية، لا سيما أن هذا التوتر قد شهد في تجلياته العلنية احتداماً سياسياً سرعان ما أعطي أبعاداً طائفية بل مذهبية.

والحقيقة أن المشرق العربي يشهد منذ سنوات صراعاً سياسياً سرعان ما اتخذ تجليات ومواجهات شبه عسكرية بالواسطة بين إيران وبين السعودية على وجه الخصوص، على «جبهات» العراق وسوريا ولبنان، وإن بقيت الذروة ممثلة في الحرب على سوريا وفيها، بكل التداعيات الدموية التي بلغت إحدى تجلياتها في الهجوم الانتحاري على السفارة الإيرانية في بيروت.. ومع أن طهران سارعت، ومنذ اللحظة الأولى، إلى اتهام إسرائيل بتدبيره والإشراف على تنفيذه، فإن أطرافاً سياسية لبنانية أبرزها «حزب الله» قد وجه اتهاماً مباشراً إلى السعودية بتدبير هذا التفجير والإشراف على تنفيذه، معتبراً انه جزء من مخطط لإشعال فتنة سنية – شيعية يمكن أن تطاول نيرانها المنطقة جميعاً.

واضح أن الصراع سياسي أساساً، لكن دمغه بالطابع الطائفي أو المذهبي يستهدف استنهاض «السنة» جميعاً لمواجهة «خطر الاجتياح الإيراني» متستراً تحت الشعار «الشيعي».

وواضح أيضاً أن الانعطافة الأميركية ممثلة بفتح باب الحوار المباشر مع إيران قد استفز السعودية وأثار غضبها، ولم تنفع في تهدئته زيارة وزير الخارجية الأميركي، ما استدعى اتصالاً مباشراً من الرئيس الأميركي اوباما مع ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز.

على وقع هذه التطورات جميعاً لا بد من إعادة قراءة المخاطر التي تتهدد الانتفاضات الشعبية التي تفجرت في معظم أنحاء الوطن العربي مشرقاً ومغرباً… فالفتنة تنذر بالتهام الثورة، وتأخذ الناس بعيداً عن مطامحهم وعن همومهم الفعلية لتذروهم مع الريح، وتجهض الانتفاضات الرائعة التي بشرت بانبلاج فجر الغد الموعود.

السفير : الاربعاء 11/12/2013 العدد 12649

تنشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

الانتفاضة تواجه الاستحالة: الدولة بالعسكر أو الفوضى؟

الانتفاضة تواجه الاستحالة: الدولة بالعسكر أو الفوضى؟

طلال سلمان

يتبدى الوطن العربي بأقطاره، في المشرق والمغرب جميعاً، وكأنه قد فقد توازنه الذي كانت تسعى لتثبيته بقوة الأمر الواقع، أنظمة العجز وافتقاد الرؤية والغربة عن العصر.

ولقد أسقطت الانتفاضات الشعبية التي تفجرت في مسلسل متزامن، العديد من الأنظمة الهرمة التي كانت تستمد استمراريتها من يأس الجمهور وافتقاده القيادة المؤهلة التي توظف قدراته غير المحدودة من اجل التغيير، وكان يكفي «حادث واحد» كما حدث مع البوعزيزي في سيدي بو زيد في تونس، لكشف حقيقة هذا «الأمر الواقع»، فإذا الأنظمة اضعف بما لا يقاس مما كان مقدراً، وإذا الجمهور أقوى بكثير مما كان يفترض… وهكذا فتحت صفحة جديدة في تاريخ هذا الوطن الكبير.

على أن أخطر ما كشفته الانتفاضات الشعبية أن أنظمة العجز كانت قد دمرت «الدولة»، بمؤسساتها جميعاً، العسكرية منها والمدنية، الاقتصادية والاجتماعية، إذ حصرت السلطات جميعاً في يدي «الرئيس»: فهو ـ أولاً ـ رمز الديموقراطية بدليل أن «الاستفتاءات» التي تجري حول شخصه منفرداً تعطيه «أصوات الشعب» جميعاً، ولو كانت نسبة التصويت أقل من عشرين في المئة، باعتبار أن الموظفين في المؤسسات والإدارات الحكومية والمنتفعين من القائم بالأمر، هم وحدهم الذين يذهبون ـ بالأمر أو بالمصلحة ـ إلى صناديق الاقتراع.

ثانياً: إن «الأمن أساس الحكم» ولأن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة بأجهزتـها جميعاً، الجيش والمخابرات والأمن الداخلي وشبكات العسس المنتشــرة في أربع جهــات الــبلاد عــبر «الحــزب الحاكم» أو بالدقة «حــزب الحاكــم»، تصبح «السيطرة» على المجتمع وتغييب إرادته هي القاعدة الفعلية لهذا النمط المستولد هجيناً من شعارات الديموقراطية…

ويمكن لهذا «الرئيس» أن يتباهى بنظامه الديموقراطي عبر مقارنة مباشرة مع حكام الماضي أو أنظمة الملكيات المطلقة التي تحكم دولاً أخرى في المنطقة حيث الانتخابات اعتداء على شريعة السيف، وحيث الحاكم بنسبه يكاد يجسد الإرادة الإلهية، أو يرى نفسه الوكيل الوحيد لمنتجها الفريد!

ثالثا»: إن الأحزاب والقوى السياسية المنظمة والهيئات الشعبية ليس لها أي حضور مؤثر في ميدان العمل العام… فبعضها عتيق، شاخت قدراته وغيَّب الموت قياداته، ولم يتبق منه إلا الاسم الذي يستحضر الماضي على حساب الحاضر، وبعضها الآخر مستحدث وقد استولدته السلطة أو سمحت له بالوجود لاستكمال «المشهد السياسي» والإيحاء بأن «النظام» ليس عسكرياً متوحشاً، كما يُرى من الخارج، بل هو «نظام عاقل» يستخدم سلطته المطلقة (بأجهزتها جميعاً) لبناء الديموقراطية كما تتصورها مصلحته في إدامة حكمه… من أجل أن يتم تأهيل الشعب لممارستها، ولا بأس أن يستغرق هذا الإنجاز التاريخي زمناً طويلاً. وهكذا يشتري النظام زماناً لحكمه الفردي «لتحقيق» الديموقراطية بوصفها «حلماً»… ومن استعجل الديموقراطية قبل أوانها عوقب بحرمانه منها!

أما في الأقطار التي كان يحكم فيها «الرئيس ـ القائد» من خلف واجهة حزبية براقة فقد أثبتت السيرة الذاتية لمثل هذه الأنظمة أنها قد شاخت وفقدت مبررات وجودها… فالحزب الذي تجلل شعاراته مقعد الرئيس ـ الزعيم الأوحد لم يعد له وجــود فاعل في حــياة بلاده، ولم يتبق له من تاريخه إلا الاسم الذي كــان ذات يوم متوهجاً بنضاله الشعبي الفاعــل وشعاراته حامـلة أحلام الوحدة والحرية قبل أن تدمره الانقسامات المتوالية ومحاولاته المتكررة للاستيلاء عــلى السلطة التي فشل معظمها، ثم لم تنجــح آخر الأمــر إلا بالعسـكر، وبمن استطاع ـ وبهدوء ـ أن يعيد بناء المؤسسة العسكرية وفق خطته الشخصية المغــطاة دائمــاً بالشعار الحــزبي.. فلما جــاءت الســاعة الصــفر وقفز إلى القمة، كان قــد اطــمأن إلى أن سيطــرته شاملــة، فمن قاوم أو رفض أو استنكف كان الخيار أمامه محدداً: يعلن ولاءه أو ينسحب ويعتزل الحياة العامة و«الاشتغال بالسياسة»، فإن أبى انتهى إلى السجن، في أحسن الحالات ولمدة مفتوحة إلى ما شاء الله.

وهكذا استهلكت السلطة في هذه الأقطار القوى السياسية التي كانت ذات يوم واعدة، اقله بطلائع مناضليها وبشعاراتها المتوهجة، والأخطر أنها فتحت الباب لكي يتولى العسكر فلا يخرجون بعد ذلك منها، حتى لو نزع «القائد» ثوبه العسكري وظهر «مدنياً» يحاضر في الديموقراطية ويرعى الأحزاب التي كانت منافسة والتي تم «ترشيدها» و«إعادة بنائها» عبر خيار محدد: تصيرون قوى رديفة موالية للنظام وداعية له في الشارع أو تكملون «نضالكم» في السجون والمعتقلات!

هكذا تحولت الأنظمة في كل المساحة ما بين الجزائر واليمن إلى «حاكم فرد» يقود «حزباً» تاريخياً، ولكنه بات خارج تاريخه، بعدما أنهكته الانقسامات والانقلابات الفاشلة وحملات التصفية وإغراءات المشاركة، في سلطة ليست له ولكنها تضمن لمناصريه الأمان وللافتته أن تبقى مرفوعة ومعلقة فوق مكتب له لم يفتح إلا بإذن من صاحب الإذن، ولأعداد محدودة من المناصرين مع تسليم قراره لحزب القائد.

من هنا الألقاب واضحة الدلالة التي أطلقت على هؤلاء الحكام المفردين، وبينها: الزعيم الخالد، كبير العيلة، الزعيم الأوحد أو «ماكو زعيم إلا كريم»، كما أطلق على عبد الكريم قاسم، قائدنا إلى الأبد، الأخ القائد… والذي جعل رتبة «العقيد» أعلى رتبة في الجيش.

ولم تكن مصادفة أن الأنظمة التي أسقطتها الانتفاضات الشعبية أو تداعياتها كانت «عسكرية»، سواء أكانت تغطي عسكرها بشعارات حزبية ذات تاريخ أو بضرورة أن يكون للحكم حزبه الذي يضفي عليه الطابع الشعبي ليمكنه الادّعاء انه إنما يحكم باسم «الملايين» ممن كان عليهم أن ينضموا إلى حزب السلطة وإلا ماتوا جوعاً أو قهراً في المنافي البعيدة.. هذا إذا استطاعوا الخروج من البلاد التي تظللها رايات الحزب الحاكم الذي لم يحكم، وصورة الحاكم الذي يغيِّب الحزب الذي وصل برايته ولا يغيب إلا بالقدر المكتوب.

كانت معظم البلاد العربية تخضع لحاكم فرد تسانده عائلته، بفروعها المدنية والعسكرية، من ليبيا إلى اليمن.

ولقد سألت، ذات يوم، الرئيس اليمني الذي عزل ولم يعتزل علي عبد الله صالح: من أنت، وماذا أنت.. هل أنت الخليفة أمير المؤمنين، أم الملك، أم الإمام، أم الزعيم ـ قائد الحزب الحاكم، أم شيخ مشايخ القبائل، أم رئيس الجمهورية؟ّ فأجاب ببساطة تنضح خبثاً: أنا هؤلاء جميعاً!

ومع أن غيره من «الرؤساء المخلدين» قد يهرب من مثل هذا السؤال إذا ما جرؤ أحد أن يطرحه عليه، إلا أنهم جميعاً يمارسون «السلطة المطلقة» يعاونهم فيها بعض من يطمئنون إليه من الأقارب المقربين أو التابعين المخلصين.

وبغض النظر عن «مضمون» أجوبة هؤلاء الحكام المخلدين فإن الحقيقة التي لا مجال للهرب منها أنهم حكموا المجتمعات التي سيطروا عليها بقوة الجيش أو القبيلة ومعها بعض المنتفعين، وفي ظل رضى دولي سببه المباشر أن أمثال هؤلاء الحكام هم انجح من يحقق مصالح «الخارج»، لا سيما دوله الكبرى التي يتبادلون معها المنافع: فهم يحفظون لها مصالحها، وقد يعززونها، وهي توفر لهم الدعم ـ ولو بالسكوت عن ارتكاباتهم ـ بما يجعلها تتباهى بأنها قد حققت الاستقرار وأعادت الجيش إلى ثكناته بما يفسح في المجال أمام الحياة المدنية.. على طريق بناء الديموقراطية!

«الاستقرار» هي كلمة السر التي كانت تبرر دوام هذه الأنظمة، التي كتمت أنفاس مجتمــعاتها، ودمــرت أسس اقتصادها الوطني، وأباحت الثروة الوطنية للأقارب والأعوان والمحاسيب الذين يتقنون شبك العلاقات مع الخارج.. وطبيعي أن يتطلب «الاستقرار» التضحية ببعض «الزوائد» وأسباب الترف كالديموقراطية والعدالة الاجتماعية وحتى الكرامة الوطنية.

على أن البديل عن مثل تلك الأنظمة لا يمكن أن يتجسد في الفوضى أو في «الحكم بالشريعة» أو «الحكم بالخوف» في قلب فراغ الشارع.

الماضي لن يعود، لكن حاضر السلطات القائمة بالأمر في انتظار إقامة النظام الجديد لا يبشر بمستقبل أفضل. والعسكر كما الدين ليس البديل المؤهل لكي يسير بالبلاد إلى غدها.. في غياب الديموقراطية، أي الشعب.

تنشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

السفير الاربعاء 4/12/2013

العدد 12643