الأحرار وحدهم يحققون التحرر والحرية

الأحرار وحدهم يحققون التحرر والحرية …

حبيب عيسى

( 1 )

كنت قد حسمت أمري منذ أن انطلقت رياح الربيع العربي من قرطاج أن ُأعكزّ خلف الشباب الثائر ، وأن أحصر تفكيري في الحاضر والمستقبل ، وأن أغادر نهائياً الصراعات والمهاترات الدنكشوتية حول الماضي وتجاربه المرة وسلّ سيوف الثائر لهذا من ذاك ، بعد أن بات هذا وذاك من عداد التاريخ ، فذلك الماضي لم يعد ساحة للفعل الإنساني ، وإنما كتاباً نقرأه فنتعلم منه كيف نتطور إلى الأمام ، وكيف لا نكرر الفشل ، وكيف نتجاوز السلبيات التي تراكمت .

باختصار شديد نتعلم منه كيف نعالج مشكلات الواقع الموضوعي بالأساليب المناسبة ، وهكذا عندما أعُرّج على تجربة انقضت لا أنطلق من مبدأ الولاء لها ، أو العداء ، وإنما من موقع الدراسة الموضوعية التي تلقي الضوء على الإيجابيات فنبني عليها للحاضر والمستقبل وعلى السلبيات فنتجنبها حتى لا نكرر الفشل نزولاً عند قول الشاعر : “إذا مررت بأختها فحد” .

وإذا كان حديث الثلاثاء الماضي قد أثار حفيظة البعض للدفاع عن جمال عبد الناصر فأن هذا أسعدني لأن هناك من يُقدّره أكثر مني ، خاصة أنني حلمت عندما انطلقت رياح الربيع العربي من قرطاج أن تلك الرياح الربيعية ستوقظ في “الناصريات” روح المواجهة والشجاعة التي حملها جمال عبد الناصر للأمة لتجاوز عقود من الفشل ، وعندما لم يتحقق ذلك عاد الحزن يخيم من جديد … وبما أنني قررت أن لا أدخل في سجال مع أحد حول ماجرى سأستانف الحديث عن الحاضر والمستقبل حيث أرى أن الحامل القومي لمشروع التحرر والنهوض والتقدم في الوطن العربي مستقبلاً لن يكون إنقلاباً عسكرياً ، ولن يكون نظاماً شمولياَ ، ولعل نظرة موضوعية على العقود الخمسة المنصرمة تحديداً توضح أن الانقلابات العسكرية والأنظمة الشمولية لم تحقق إنجازاً قومياً واحداً ، فالأمة كما هي اليوم في أسوأ مراحل تاريخها .

 

( 2 )

بناء عليه نرى أن مشروع النهضة في الوطن العربي أشمل ، وأكثر اتساعاً من أن يضعه فرد ، أياً كـــــان ، وأكبر من أن تحيط به جماعة واحدة مهما امتلكت من إمكانيات ، إنه مشروع بحجم الأمة لايمكن أن يُستثنى منصياغته أحد في هذه الأمة ، أو أن يستثني أحد نفسه من المساهمة في صياغته ، حتى يأتي ملبياً حاجات الأمة كلها دون استثناء ، وبالتالي فإن المطلوب الآن والملح أن تفرزه الأمة عبر مكوناتها المتعددة وتنثره بذوراً في أرجاء الوطن ، وأن تدفع بحملة مشاعله كصف واحد ، لكل موقعه ومكانته بدون “مايسترو” ، بدون قائد ، بدون قيادة ، بدون أي تشكيل هرمي من أي نوع .

المرحلة مرحلة حراثة أفقية شاملة للأرض العربية ، كل الأرض العربية ، وفي العمق أيضا ، سواء تلك التي يتحكم بها المستبدون ، أو تلك التي يحتلها الغزاة ، أو تلك المتروكة للمستوطنين من شتات الأرض ، أو تلك المستباحة من دول الجوار ، ثم ، ومن تلك القاعدة واسعة الانتشار يبدأ التشكيل الهرمي من القاعدة إلى القمة على أسس راسخة .

هنا ، يثور سؤال ، عن الآلية الضرورية ، حتى لا تضيع تلك الجهود ، وتبقى مبعثرة دون ناظم .

دعونا نتفق أن العمل قسمة ، فليبدأ كل من موقعه ، وكما أفرز مشروع النهضة رواده في القرن المنصرم لابد أن يفرز مشروع النهضة ، الآن ، رواده الجدد في المجالات كافة ، ثم تبدأ مرحلة أخرى ، هي مرحلة التنسيق والتصنيف والتحالف بين سائر الجماعات الوطنية ، ثم لنترك الباب مفتوحاً للآليات التي تستدعيها عملية التطور الإيجابي للمجتمع عبر تفعيل قانون الجدل الاجتماعي في الوطن العربي الذي تم تعطيله لقرون مديدة بفعل الغزو الخارجي والاستبداد الداخلي .

( 3 )

ونحن كعرب قوميين تقدميين علينا التعامل مع الواقع كما هو ، وكما آلت إليه الأحوال ، وبالتالي لا بد من البدء بترميم النسيج الاجتماعي في الأجزاء التي تعرضت لتخريب شديد بفعل عوامل عديدة عبر تشكيل حركة وطنية حاضنة للإيديولوجيات والاتجاهات السياسية والعقائد الدينية وغير الدينية تعمل على صياغة نظام عام وطني يكفل الحريات العامة والمواطنة المتساوية والعدالة .

ثم يطلق العرب القوميون التقدميون الجدد مشروعهم القومي التقدمي مستفيدين من دروس التجارب المرة لبناء تنظيمهم القومي على أسس صلبة ، يحفذوّن بذلك الأحزاب والحركات القائمة من ناصريين وبعثيين وقوميين عرب وماركسيين وليبراليين ودينيين متنورين لترميم أوضاعهم وإجراء عمليات مراجعة شاملة ، فالجميع مطالب بالمراجعة والإبداع في الوقت ذاته .

ونحن سنبدأ بما يخصنا ، كقوميين عرب تقدميين جدد ، ثم يحتكم الجميع إلى صناديق الاقتراع ، فالشعب الذي يمتلك حريته وقراره هو صاحب القرار الأول والأخير ، دعونا بداية نتوافق على بناء حركات وطنية شاملة حاضنة للوطنيين على مختلف توجهاتهم في الأجزاء لترميم النسيج الاجتماعي والوطني بعد التجارب المرة يساهم في تأسيسها حملة مشاعل استئناف النهوض القومي العربي ، أولئك اللذين خرجوا من خرائب المعارك السابقة بإقل قدر من التشوهات إضافة إلى الرواد من الجيل العربي الجديد المعّول عليهم أصلا في استئناف مسيرة النهوض والتنوير على صعيد الأجزاء والكل العربي في الوقت ذاته .

( 4 )

وإذا كانت مسألة النهضة في الوطن العربي تستدعي استنفار طاقات المجتمع الهائلة بدءاً من الشباب ، والكشافة ، والطلبة ، والرحالة ، والدعاة ، مروراً بمقدرات الرجال ، والنساء ، عمالاً ، وفلاحين ، ميكانيكيين ، وفنيين ، وتقنيين ، وعلماء ، ومبدعين في شؤون البيئة ، والمياه ، والتربة ، ومؤرخين يعيدون نسج ما تهتك من النسيج الاجتماعي ، ومؤرخين يعتمدون الموضوعية في دراسة الأحداث التاريخية ، وجغرافيين ، وعلماء فلك ، وفلاسفة ، وعلماء نفس ، وعلماء اجتماع ، وأطباء ، ومهندسين ، ورجال قانون ، وفقهاء ، وأدباء ، وشعراء ، وروائيين ، وفنانين ، وموسيقيين ، وصحفيين ، ورياضيين في شتى المجالات ، وإلى آخر المبدعين في شتى صنوف المعرفة التي وصلت إليها البشرية ، والتي تبرعم أصنافاً جديدة من المعرفة تتعلق بالاقتصاد والتنمية ، وعلوم الاجتماع ، والسياسة ، وفرضيات نشوء الكون ، وفرضيات مساره ، ومآله …، وما اكتشف من تاريخ الإنسان ، وما لا يزال مجهولاً منه …

إن ، هذا كله يعني أن المشروع السياسي للنهضة ليس مفصولاً عن شيء من ذلك كله ، وليس مجرد خطاب محصور في جانب واحد من جوانب علوم الإنسان ومعارفه وما يحيط به ، وإنما هو مشروع شامل يتضمن ذلك كله ، والعمل السياسي المطلوب للخروج من المأزق ، هو الذي ينظم ذلك ، ويضعه ضمن مشروع متكامل للنهضة العربية …

( 5 )

وإذا كان العمل قسمة كما اتفقنا ، فإنني سأبدأ بنفسي ، وسأسخّر ما أبقته السنون العجاف من طاقة للمساهمة مع كل من يعنيهم الأمر بوضع مسودة مشروع لمشروع النهضة في الوطن العربي ، وسأدخل ورشة بناء هذا المشروع ، وأنا أعرف مُقدما أن ما كتبته ، وما سأكتبه ، لا يساوي الحبر الذي يكتب فيه مالم يدخل جميع الذين تم تعدادهم في الفقرة السابقة ورشهم الخاصة ، كل حسب اختصاصه النوعي ، وحسب وعيه العام للمساهمة في هذا المشروع حسب مقدرته ، وبالقدر الذي يطيق من موقعه حسب ما يقرره ، هو ، من مساهمة ، وذلك لبناء مشروع نهضوي متكامل .

هذا يعني أنه ، واعتباراً من هذه النقطة يتم الفصل التام بين الذاتي ، والموضوعي ، فيغدو المشروع المقترح حقاً مكتسباً لكل من يساهم فيه إضافة ، أو تعديلاً ، أو تغييراً ، أو تصحيحاً ، أو حتى باقتراح مشروع بديل ، وإذا كنت مضطراً لوضع اسمي على هذه المسودة من المشروع لضرورات النشر ، فإن لكل عربي في الوطن، أو في المغتربات أن يضع أسمه عليه ، ولمن يقترح إضافة ، أو تعديلاً ، أن يضيف أسمه أيضاً ، وبقدر ما تتسع دائرة المتحاورين حول هذا المشروع ، وبقدر ما تتسع دائرة المشاركين ، والفاعلين ، والموقعين عليه بقدر ما نقترب من إنجاز مشروع الانطلاق باتجاه النهضة ، وأؤكد على مشروع الانطلاق إلى النهضة ، وليس مشروع النهضة ، فنحن كجيل سنكون محظوظين جداً إذا سمعنا صافرة الإنطلاق ، وحسب ، وللأجيال القادمة أن تنعم بالنهضة .

إذن ، فليبدأ كل من موقعه ، وليحضّر كل أدواته ، ثم لن نعدم الوسيلة لإيجاد آلية ، ما ، للتنسيق والتصنيف والتدقيق .

المهم أن يشعر جميع أبناء هذه الأمة ، أنهم مدعوون إلى ساحة عامة ، ليست ملكاً لأحد ، ولا تابعة لفرد ، ولا حكراً على مجموعة ، إنها ساحة عامة ، هي مرفق عام ، للأمة كلها ، كيف نصونها ؟ ، كيف نحميها من أي اعتداء ؟ ، كيف نحصّنها ؟ ، كيف يكون الواقفون على أرضها ، هم ، مصدر القرار ؟ ، وهم مآله ، كيف نعكس الاتجاه السائد حالياً في الوطن العربي ؟ ، فيتوقف هذا التدفق المقلق من دائرة المواطنة إلى دائرة الرعايا ، ثم لاستئناف التدفق من دائرة الرعايا إلى دائرة المواطنة الرحبة ؟ ، كيف … ؟ ، ومتى … ؟ ، ومن أين …؟ ، عشرات الأسئلة التي تنتظر جهود ونضال ومعرفة ووعي المئات والآلاف والملايين من أبناء الأمة للإجابة عليها بروية وعقلانية لكن بتصميم وإصرار في الوقت ذاته ، فالأنسان أولاً ، والحرية أولاً .

حبيب عيسى

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s