الثمن الذي ندفعه من أجل أمن ” اسرائيل ”

الثمن الذي ندفعه من أجل أمن “إسرائيل”

د. عبدالاله بلقزيز

شئنا أم أبينا، نجحت الغزوة الكولونيالية الأمريكية للعراق، في العام ،2003 في إخراج هذا البلد الكبير من المنظومة العربية، وتعطيل طاقاته تعطيلاً كاملاً، بمثل ما نجحت “كامب ديفيد” الأمريكية – الصهيونية في إخراج مصر من المنظومة العربية وتعطيل طاقاتها . وها إن المسعى الأمريكي حثيث إلي إخراج سوريا، أيضاً، من تلك المنظومة والعودة بها عشرات السنين إلى الوراء، على صعيد قدرتها الاقتصادية والعسكرية، ومئات السنين إلى الوراء، على صعيد نسيجها الاجتماعي وسلمها الأهلي وتعايش جماعاتها المختلفة .

هي سياسة متكاملة ومدروسة، إذاً، أن تؤخذ أمصار العرب: واحداً، أكبرها فالكبير فالذي يليه قوة حتى آخر موارد القوة في بلاد العرب . ولقد كتبنا في هذا المنبر، قبل عشرين عاماً، أن من يعتقد أن أمريكا آتية لـ “تأديب” العراق فحسب، وكبح جماح تطلعاته الإقليمية، يفوته أن أهدافها الفعلية أوسع من تدمير العراق، وأن إسقاطه – الذي سيحصل في ما بعد: في العام 2003 – ليس أكثر من مقدمة للإطباق على المنطقة برمتها، وتفكيك كياناتها . وليس ما يجري في سوريا وليبيا – وما جرى في العراق والسودان – إلا الطور الراهن من سياسة التفكيك الكولونيالي – الصهيوني للوطن العربي . وكما كان تعطيل القدرة العسكرية المصرية، وإخراجها من شبه جزيرة سيناء – بعيداً من “حدود” الدولة الصهيونية – شرطاً من شروط إخراج مصر من المنظومة العربية بموجب “كامب ديفيد”، كان حل الجيش العراقي – بقرار من بول بريمر – وإعادة تكوينه من ميليشيات مذهبية شرطاً لإخراج العراق من منظومته، تماماً مثلما يمثل استنزاف الجيش السوري وإرهاقه في مواجهة المعارضة و”الجهاديين” شرطاً لإخراجه من الصراع العربي – الصهيوني .

ولا يحتاج المرء إلى كبير ذكاء ليعرف أن مصير هذه الاستراتيجيا الكولونيالية إلى هدف واحد وحيد: حماية الأمن الصهيوني من مصادر التهديد التي مثلتها البلدان الثلاثة (مصر، العراق، سوريا)، وجيوشها الأكبر والأكثر خبرة قتالية، فحرب أكتوبر73 مازالت في الذاكرة الأمريكية – الصهيونية، وانتصاراتها كانت في أساس معاهدة “كامب ديفيد”، مثلما كانت الحرب العراقية – الإيرانية وانتصارات العراق فيها في أساس حصاره وتدميره واحتلاله، ومثلما كانت هزيمة “إسرائيل” في حرب تموز 2006 في لبنان، في أساس تطبيق سياسة الفوضى الخلاقة في سوريا، لمعاقبتها على معارضتها للتسوية الأمريكية – الصهيونية التي كرت سبحتها منذ مؤتمر مدريد نهاية العام 1991 . والاستراتيجيا الكولونيالية المطبقة اليوم، والتي تجد في بيئة ما يسمى “الربيع العربي” أرضها الخصيبة، إنما هي التعبير المادي المباشر عن مركزية فكرة أمن الدولة الصهيونية في العقيدة الأمريكية .

على أن موارد القوة العربية في مواجهة “إسرائيل” ليست، فقط، الجيوش العربية القوية والقرار السياسي بالمواجهة أو بإفشال التسوية، بل تتعدى ذلك إلى الموارد الاقتصادية والمالية (وهذه اثبتت نجاعتها في حرب أكتوبر وفي دعم العراق في حربه مع إيران) . والخشية – كل الخشية – أن تمتد إليها هذه السياسة المهجوسة بأمن “إسرائيل”، وبتصفية القدرات الاستراتيجية العربية التي يمكن استخدامها ضد الدولة الصهيونية . وهذا يرتب على الدولة العربية واجب الدفاع عن مواردها من خلال منظومة مستقلة وشاملة للأمن القومي العربي .

وبعد، يخطئ من يعتقد أن الديمقراطية في الوطن العربي من هموم أمريكا بحيث تحارب من أجلها، أو أن لأمريكا أصدقاء في المنطقة – غير “إسرائيل” – تدافع عنهم، فلأمريكا صديق واحد أوحد تقاتل من أجله جميع أمم الأرض هو “إسرائيل”، وهاجس واحد على جدول أعمالها في بلادنا: حماية أمن صديقها منا: راديكاليين كنا أم محافظين، متشددين كنا أم معتدلين، حليقين أم ملتحين .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s