خريف العرب : صـــراع العصبيــات ، وتغييب السياســـة .

 خريف العرب : صـــراع العصبيــات ، وتغييب السياســـة .

ربيــع العــرب : مبادئ المواطنــة ، وحضــور السيـاســـة .

حبيب عيسى

( 1 )

لقد ترافقت محاولات الهيمنة على الوطن العربي سواء بالاستعمار المباشر أو بالتبعية التي تفرضها انظمة الاستبداد والطغيان بتغييب المجتمع عن السياسة والانتماء الوطني واستبدالها بصراع العصبيات الذي يدمر الوطن والمجتمع معاً ، باختصار شديد لايمكن أن تنجح مخططات قوى الهيمنة الخارجية إلا بتحويل الاتجاه من الصراع معها إلى صراع مدمر داخل المجتمع العربي ذاته ، ومن الناحية التاريخية، يمكن القول، أن القرن التاسع عشر، شهد محاولات للتحرر من الهيمنة الأجنبية على مقدرات الوطن العربي، ترافقت مع دعوات مختلفة من حيث الأسس العقائدية للنهوض، والتنوير، والانعتاق من التخلف، وقد تشعبت تلك المحاولات في شتى المجالات الاجتماعية، والثقافية، والأدبية، وتجاوزت في أحيان كثيرة النضال السياسي إلى المقاومة المسلحة، وقد تأثرت تلك المحاولات، بطبيعة القوى الأجنبية المهيمنة على الأمة، ففي حين انهمكت قوى التحرر والنهوض في الجزء الآسيوي من الوطن العربي في عمليات مقاومة ضد السيطرة العثمانية ، كان على تلك القوى في الجزء الأفريقي من الوطن أن تواجه الاستعمار الغربي ، وهذا أدى من جملة ما أدى إليه إلى تنوع فكري وثقافي أثرى الحياة العامة في الوطن العربي ، فاستفادت قوى التحرير والنهضة في ذلك الوقت من الصراع الذي حصل بين السلطنة العثمانية ، وبين الغرب الاستعماري ، وكانت خطوط النهضة تتململ وتبحث عن مسارب بين شقي هذا الصراع، أي بقدر ما كان يشتد الصراع الأوروبي، العثماني كانت تتضح نوايا الهيمنة لدى الطرفين فلا هذه ساعية لخلافة إسلامية ولا تلك مستميته لنشر قيم الديمقراطية ، وقد حسم الأمر بعد الحرب العالمية الأولى لصالح الأوربيين، فتوحّدت رؤى المقاومة العربية، ولم يعد الحوار دائراً على الساحة العربية بين من هو مع الخلافة العثمانية، وبين من هو مع الحرية الغربية التي تجسّدت بشكل فاضح عبر جيوش غازية، متوحشة، وعبر علاقات مشبوهة مع قوى التخلف، والاستغلال في المجتمع العربي، وقد تطور هذا الوضع إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بات الوجود العسكري الاستعماري مكلفاً، وجرت عمليات التسلم والتسليم بين الجيوش الاستعمارية، وبين سلطات “دول فعلية” رسمت حدودها لتقسيم وطن الأمة، ودُربّت سلطاتها بحيث تؤدي الدور الذي عجزت الجيوش الاستعمارية المنسحبة عن تنفيذه ، لكن عمليات التسلم، والتسليم لا تمّر بهدوء عادة، فشهد الوطن العربي حالات من التمرد أتت من داخل تلك السلطات البديلة أحياناً، ومن خارجها في أغلب الأحيان، هنا نستطيع أن نرصد حراكاً مجتمعيا ذا وتيرة عالية بلغ أوجه في خمسينيات القرن المنصرم، وبات المجتمع العربي مجتمعا متحفزاً، عالي الحساسية اتجاه القضايا العامة بدءاً من المقاومة المسلحة إلى الثقافة، والفنون، والتحرر الاجتماعي، والاقتصادي إلى الانعتاق من انتماءات ما قبل المواطنة، والنضال للوصول إلى المواطنة الحقة موضوعياً، حيث الحرية، والمساواة، والحقوق، والواجبات يكفلها نظام عام لا يستثني أحداً.

( 2 )

لن أدخل في التفاصيل ، فقط أريد التأكيد على أن الصراع في تلك المرحلة كان حاداً بين تيارين، تيار يناضل في سبيل التحرر والنهضة، والتنوير، والتحضر وتيار آخر خارجي يسعى بأدواته أحياناً، وبأدوات محلية “عربية” أكثر الأحيان لتشديد قبضته على عنق الأمة العربية وليضع يده على هذا الوطن العربي موقعاً وثروات، وقد كان السجال حاداً بين التيارين خلال عقدين من الزمن في خمسينات وستينات القرن المنصرم عندما كان المجتمع العربي كله تقريباً في الساحة يبحث عن دور يؤديه في ذلك الصراع المصيري لكن المشهد بدأ يتغير مع بداية عقد السبعينات من القرن المنصرم بفعل عاملين اثنين:

العامل الأول: تجسّد في أن سلطات الدول الفعلية في الوطن العربي تجاوزت مرحلة التسلم والتسليم وثبتّت مواقعها، وعززت أجهزتها القمعية وتفوقت على القوى الاستعمارية في هذا المجال، واستفادت من ظروف الحرب الباردة، فالقطب الشرقي لم يعد مهتماً باشتراكية الحكام وإنما بمقدرتهم على الاصطفاف معه في مواجهة القطب الغربي الذي لم يعد مهتماً بدوره بليبرالية الحكام، وإنما بمقدرتهم على الاصطفاف معه في الحرب على الشيوعية كما كان يقول، وهكذا… فإن اهتمام الحكام في الوطن العربي بات محصوراً بالإمساك بالبلاد والعباد بيد من حديد حتى يقول للقطبين في وقت واحد أنه وحده صاحب الشأن، وأنه وحده القادر على الخدمة، فاتركوا له الداخل، وخذوا كل ما تريدون، وهكذا، فإن الحكام باتوا ينفذون طلبات الخارج مهما كانت ولم يعودوا يعتبرون أي طلب من الخارج مهما كان اعتداء على السيادة الوطنية، أو تدخلا في الشؤون الداخلية، إلا أمراً واحداً، ووحيداً هو، أن يسأل أحد في هذا العالم عن اليموقراطية ، أو عن معتقل سياسي، أو عن مدافع عن حرية الرأي، هنا فقط يستشعر الحكام السيادة الوطنية ، وهذا أدى إلى شخصنة السلطات في الوطن العربي وانحصارها بالحاكم الفرد ، ثم إلى التهام مؤسسات الدولة، ومن ثم التهام مؤسسات المجتمع من سياسية، وثقافية، ونقابية، وحتى عسكرية، وإلى آخرها… وإلى إطلاق يد أجهزة القمع دون ضوابط، فانزوى المجتمع في زوايا الخوف، والعجز وترك السياسة فانهارت الأحزاب السياسية وتحولت إلى هياكل عاجزة .

العامل الثاني: كان كامناً في مشروع النهضة ذاته بمعنى أن رواد النهضة في الوطن العربي رفعوا السقف أكثر مما تحتمل إمكانياتهم وأدواتهم، وكانوا في هذا منساقين وراء رأي عام عربي غاضب وساخط، لا يحتمل اجتياز المراحل واحدة تلو أخرى، ولكن يطالب ويلح في حرق المراحل، وهكذا تحولت مشاريع النهضة في أي موقع كانت في الوطن العربي إلى مشاريع انقلابية، حتى الأحزاب السياسية التي من المفترض أنها تأسست على أساس اللعبة الديمقراطية تحولت إلى أحزاب انقلابية. وبما أن تلك القوى لا تملك القوة الذاتية للتغيير، فإنها تنساق وراء مراكز قوى من داخلها أو من خارجها، وغالباً ما تصبح أسيرة لقوى ومخططات لا تعرف عنها الشيء الكثير، هكذا وجد المجتمع العربي نفسه في العراء تماماً، فقوى وأحزاب مشاريع التحرير والنهضة بدأت تنهار الواحدة تلو الأخرى مهزومة أمام عدو لا يستحق الانتصار، أو تقع فريسة صراعات داخلية تعصف بها. ثم تابع المجتمع العربي بحسرة وفجيعة تلك القوى التي كانت مشاريع نهضة تعوّض عن الهزائم أمام العدو الخارجي، بالانتصارات على المجتمع ذاته في الداخل، وبالتالي تحولت تلك القوى لتقديم الخدمات لقوى الهيمنة الخارجية، فتحولت بذلك من قوى للمجتمع إلى قوى على المجتمع، وإلى منافس حقيقي للقوى التقليدية في تقديم خدمات للأجنبي أكثر جودة. أما القوى النخبوية التي كانت في يوم من الأيام رموزاً تهتز لها المشاعر، فقد انقسمت انقساماً حاداً بين اتجاهين، الاتجاه الأول: ينافق السلطات ومراكز القوى لتعويض سنوات الفاقة والحرمان والمصيبة الكبرى : أن المثقفين حينما يتحولون إلى منافقين تتفاقم الصدمة لدى المجتمع، لأنهم الأقدر على السجع، والنفخ، واللعق. أما الاتجاه الثاني: فتمثل بأولئك المناضلين الذين رأوا بأم العين أحلامهم تنهار، والحاضنة الشعبية لمشروع النهضة تتمزق وتنزوي، وتنفضّ عنهم إلى علاقات ما قبل المواطنة. ورأوا بأم العين أيضاً الكثير من رفاق الدرب ينكلون عن المواثيق والعهود ويتحولون إلى أدوات رخيصة لدى الطرف المقابل. هؤلاء قرروا التصدي، لكن المعركة كانت قد حُسمت، فتم التنكيل بهم في المعتقلات، والمنافي، وكان هناك إصرار على التوحش في التنكيل بهم ليكونوا عبرة للآخرين.

هذان العاملان مع ما يتضمنان من تفاصيل تشيب لها الولدان. أديا إلى حسم الصراع، وانحسار مشروع التحرر والنهضة في الوطن العربي، وتوحدت يد الاستبداد الداخلي مع يد الهيمنة الخارجية في يد واحدة ثقيلة وغليظة بسطت سطوتها على المجتمع العربي بين المحيط والخليج .

( 3 )

باختصار شديد، فإنه، واعتباراً من عام 1970 بدأت الهزائم الكمية تتحول إلى هزائم نوعية، وبات المجتمع العربي بكتلته الجماهيرية الواسعة يخرج من السياسة، أو تخرج السياسة منه، وتحولت المظاهرات الصاخبة الهادفة إلى النهضة والتنوير ومقاومة المعتدين، إلى مسيّرات محسوبة تنظمها السلطات الحاكمة بالملايين ، أو مسيرات تسيّرها العصبويات الطائفية والعرقية ، مما أدى إلى تفاقم الأزمة داخل المجتمع العربي، حيث لم يكتف المستبد بسلب المجتمع حقه في المشاركة في القرار السياسي، وإنما أمعن في تزوير إرادة المجتمع وإظهاره هائماً هاتفاً لهذا الحاكم أو ذاك. وبدأت سطوة الاستبداد تأخذ شكلها المطلق. وبدأ تيار النهضة في الوطن العربي ينكسر كأحزاب وكقوى، وكمؤسسات، وحتى كثقافة، وعادت فكرة الحاكم المستبد الذي يملك البلاد والعباد تسود بالإكراه، أو بالرضوخ. أما في قاع المجتمع فقد تم تعميم سياسة اليأس والتيئيس، وأدى هذا كله إلى التراجع عن فكرة المواطنة التي كانت قد بدأت تتعزز في فترة النهوض. هذه المواطنة لم تعد مظلة مناسبة في ظل أوضاع التفتيت والشرذمة ومع اضمحلال المواطنة، عاد الانزواء إلى عباءة الانتماءات التي كانت سائدة ما قبل المواطنة من الانتماءات المحلية، إلى الانتماءات المذهبية، إلى الانتماءات القبلية، إلى الانتماءات الدينية. كل تلك الانتماءات باتت أقوى من فكرة المواطنة. وعندما تضمحل فكرة المواطنة، يفتقد المواطنون المقدرة على مواجهة الاستبداد، فيتوطد الاستبداد بذلك على دعامتين أساسيتين، الأولى: تتمثل بالأجهزة القمعية، والثانية: تتمثل بتفتيت المجتمع، ودفعه إلى علاقات ما قبل المواطنة فيفقد المواطن مناعته الداخلية، وبالتالي يفتقد مقدرته على ممارسة حقوقه.

( 4 )

نحن الآن عملياً في الواقع العربي، عند هذا المفترق، هناك مشكلة حقيقية تتمثل بعزوف الناس عن السياسة. وأنا لا أرى أن المشكلة كامنة في الشرائح التحتية، وإنما كامنة في رواد النهضة أنفسهم، المشكلة ليست في الشعب العربي، المشكلة في الذين يحملون مشروع النهضة، الآن عليهم أن يجّددوا برامجهم، أن يجدّوا أساليبهم في العمل السياسي، أن يستعيدوا مصداقيتهم أمام الناس، أن ينطلقوا من جديد بأسلوب جديد تماماً، أن يعيدوا الثقة للناس. الناس تنتظر من تثق فيه. هذا العصر الطويل من الاستبداد ألغى الرجال الفاعلين في المجتمع. الحاكم المستبد وعن طريق أجهزته، فرض نفسه رمزاً وحيداً في البلاد، ولم يعد هناك من رموز، لأن الخوف والقمع دفع كل ما تبقى من أحزاب النهضة إلى العمل السري بعيداً عن الحاضنة الجماهيرية، وغابت فكرة النهضة أو غيبّت عن الناس، وولدت أجيال عربية لا تعرف إلا الحاكم وبطانته.

( 5 )

هكذا نجد مشروع النهضة في الوطن العربي الآن بين فكي كماشة. الاستبداد الداخلي تحت مظلة الهيمنة الخارجية من جهة، والقاع المجتمعي الذي تراجع عن المواطنة، والتجأ إلى علاقات التخلف مدفوعاً باليأس، يلجأ إلى أحد أسلوبين: إما الانزواء، والبعد عن العمل العام والبحث عن النجاة الفردية، وإما أن يلجأ بردة الفعل إلى استخدام أساليب التوحش السلطوي ذاتها، فبات هو الآخر طرفاً في هذا العنف السلبي. هذا هو الواقع المر ، وبالتالي فإن المشكلة الأم الآن تتمثل في كيف يحدّد مشروع النهضة طريقه…؟ وكيف يجدد أساليبه للإفلات من فكي الكماشة هذه لينطلق من جديد…؟.

دعونا نقول: إن المجتمع العربي، بما في ذلك المجتمع في سورية، وبدون تخصيص، متشابه إلى حد بعيد حيث كل جزء من الوطن العربي محكوم بما يبعده عن السياسة. فهناك أجزاء محكومة بحاجات لا تعرف كيف تلبيها، وأجزاء محكومة بفائض لا تعرف ماذا تفعل به، وأجزاء ثالثة مسكونة بالخوف وهكذا…، حتى بتنا أمام مجتمع عربي لا مؤسسات فيه، وأمام دول عربية لا مؤسسات لها. وصارت المؤسسات على السطح، مجرد مؤسسات شكلية لا قرار لها، وصار القرار السياسي يفاجئها مثلها، مثل سواها يصدر من غرف سوداء لا يعرف أحد من يسكنها، لكن الطريق إلى الربيع العربي مازالت سالكة ، لكن للقادرين فقط .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s