الصهيونية والفكر العربي

الصهيونية.. والفكر العربي

د.عصمت سيف الدولة

[ محاضرة القيت في جامعة الكويت يوم 6 ابريل 1977. ]

مقدمة

كانت احدى المجلات العربية تتضمن في- كل عدد شهري مقالا بعنوان ” على السفود “، وبتوقيع “ابو ذر” وكان صاحب التوقيع المستعار لا يكف، في أي مقال، عن الحديث الى الشباب العربي عن مخاطر جسيمة كان يتوقعها. كان يحذر وينذر تكاد كلماته أن تشعل النار في صفحات المجلة. كان ذلك في عام 1974- 1975. تلك الفترة الزمنية التي قيل ان منظمة تحرير فلسطين . والدول العربية قد حققت فيها أروع انتصاراتها على المستوى الدبلوماسي . عام  اتفاق رؤساء الدول العربية على ان منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني . عام تعهد الرؤساء العرب ، وقبول منظمة التحرير، أن يكون القول في شأن فلسطين من شأن منظمة التحرير الفلسطينية. عام حضور قيادة الثورة جلسة هيئة الامم والخطاب التاريخي لابي عمار.. عام الاعتراف المتزا يد من قبل الدول والمؤسسات الدولية بالشعب الفلسطيني ومنظمته القائدة . عام قلنا فيه اننا قد” صدرنا الهزيمة والتمزق الى اسرائيل ” …

ولقد كانت كل تلك مكاسب حقيقية. اعني انني كنت أراها كذلك . وبالتالي كنت أرى انه ليس رفضها من الحكمة في شيء ، أو من الثورية في شيء . ولكن الجزع والفزع من المستقبل كان يتراكم في نفسي مع كل مكسب جديد . ذلك لانني كنت أرى معالم ” الرشوة ” في كل ما قدمه العالم لنا على المستوى الدبلوماسي . كان عربونا لثمن أرض فلسطين ذاتها وكانت المشكلة الاساسية، في تصوري؟ هي كيف نقبض العربون ولا نبيع فلسطين . فبدأت، في ذلك العام نفسه، وعلى مداه، أكتب أسبوعيا ما يمكن أن يكون رسائل موجهة الى الشعب العربي عامة، والى المناضلين من الشعب العربي الفلسطيني خاصة، تحت عنوان موحد هو : ” التقدم على الطريق المسدود “، غيّرت جريدة ” السفير ” البيروتية عناوين الرسائل ، ولكني كنت اكتب اليها تحت هذا العنوان معبرا، أو محاولا التعبير عن المأزق : انهم يفتحون للثورة سبلاً تتقدم عليها أو أنهم يتركونها تتقدم بدون مقاومة على الصعيد الدبلوماسي والدولي . وعليها أن تتقدم بصرف النظر عن نوايا أعدائها أو اصدقائها. ولكنهم  يعدون لها على سبيلها سدا يقطع مسيرتها، فعلى الثورة ، وعلى الشعب العربي المساند لها، أن يعد نفسه وقواه لمرحلة الارتطام بالسد أو تجاوزه.. وقلت بصريح العبارة، ان السد الذي ستكتشف الثورة أنه يقف على طريقها. ويقطع مسيرتها سيكون مبنيا من أرادات كل الدول التي تتعاطف معها في ذلك الوقت، أو ترشوها، وعلى رأسها الدول العربية. عام كامل نحذر وننذر بكلمات تكاد أن تشعل النار في صفحات الجريدة .

وفي اواخر عام 1975، حين فطن الراشون إلى أن الثورة الفلسطينية تأخذ ولاترتشي، أو هكذا كان موقفها المعلن، بدأت محاولة ارغامها على اتمام الصفقة بقوة السلاح في لبنان . وفي أواخر عام 1975 أيضا وقعت اتفاقية سيناء الثانية، وكان ما كان من تلك المرحلة التي أسميها مرحلة ” تل الزعتر”. وان كانت المذبحة خاتمة لها…

 في ذلك الوقت غرق ابو ذر في ظلمات اليأس، وودع قراءه ، في عدد مجلة الشورى الذي صدر أوائل اكتوبر 1975، تحت عنوان ” مأساة ابو ذر “.. قال :

” يؤمن أبو ذر أيمانا مطلقا بأن الاكتفاء بالحديث عن الحرية والوحدة والا شتراكية والثورة العربية وفلسطين المغتصبة … الخ، قد اصبح عارا وضرارأ، وبأن قد سقطت قيمة الكلمات اذ انتهكت مضامينها، وا هترأت الفاظها، فالحرية عبودية ، والوحدة انفصال ، والاشتراكية استغلال ، والثورة العربية استرخاء على صفحات المجلات في حفل المبارزات الكلامية… وفلسطين المغتصبة قد حملت سفاحا. ووضعت خيانة… هكذا يؤمن أبو ذر. ولكنه- وهذا جوهر مأساته- عاجز عن تجسيد هذا الايمان الا بالكلمات المرصوصة على الورق يبذل فيها جهدأ ضائعا. ويتقزز ابو ذر من الشعور الزائف بالرضى عن النفس الذي يتلو رص الكلمات . ومع ذلك فهو لا يستطيع أن يدين الكلمات الكبيرة الا بكلمات اكبر. لا يستطيع أن يحارب العار الا اذا شارك فيه. لا يستطيع أن يلتزم افكاره الا اذا القاها. من يعرف منكم عذابا اكثر هولاً من هذا العذاب فليقل عسى أن يكون فيما يقول عزاء.. أما الذين لا يعرفون فليصلوا من أجل أبي ذر عسى أن يمنحه الله بعض شجاعة الغفاري فيصمت أو يعتزل.. “

قال هذا ثم كف عن الكتابة. وما ان كف حتى كففت عن الرسائل انشئها تحت عنوان : ” التقدم على الطربق المسدود ” . لماذا ؟ لنفس الاسباب التي شكلت مأساة ابي ذر. ذلك لأن ابا ذر، وأنا لم نكن إلا شخصاً واحداً ، احس بالخطر القادم فحذر فانذر فلما بلغت الامور حدا لا تجدي معه الكلمات صمت واعتزل حفاظا على بقية من شرف الصدق مع النفس .

من قاع الصمت تلقيت الدعوة الى الحديث اليكم . وقيل لي. تحدث عن ” الصهيونية والفكر العربي”. أعودة مرة أخرى الى الكلمات الكبيرة الرنانة الطنانة المحذرة التي استهلكنا فيها طاقتنا حتى كادت تحل بنا الهزيمة النهائية. كلا. فوق طاقتي أن اعتذر عن دعوة الحديث الى شباب هذه الامة، ولكن فوق طاقتي أيضا ان اعود فأستهلك معاني استهلكت فعلا. فما الذي سأتحدث فيه تحت عنوان ” الصهيونية والفكر العربي ” ؟..

سأحدثكم حديثا تقريريا. لن أحذر من شيء. لن اعود الى شيء. فكفى جيلنا عارا دعوة الشباب الى ما لا يستطيع هو أن يوفي بمسؤولياته، وما استطاع أن يوفي قط بذات دعوته ودعاويه. ولكني سأحدثكم حديثا غايته أن تكونوا على يقين من أن الصهيونية توشك ان تنتصر انتصارها النهائي، اعني ان امتنا العربية توشك أن تنهزم هزيمة نهائية ، أعني ان فلسطين توشك أن تضيع نهائيا… على ايدي جيلنا الغبي التعس ، وان مصير الامر كله، أمر الصهيونية، وأمر الامة العربية، وأمر فلسطين.. قد اصبح متوقفا على شباب هذه الامة من الجيل الجديد؟ عليكم انتم… وان عليكم أن تقرروا ما تريدون وتحققوه ان اردتم، وعسى ان لا تستهلكوا قواكم في الكلمات الكبيرة التي استهلكنا فيها قوانا… فان لم تفعلوا، فلا حول ولا قوة الا بالله .

 فلنبدأ الحديث بعد مقدمته الحزينة.

النص الكامل

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s