التنظيم الدولي ينتفض

التنظيم الدولى ينتفض

د . نيفين مسعد

أستاذة العلوم السياسية /جامعة القاهرة

كشفت شبكة سكاى نيوز الإخبارية عن قيام التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بالاجتماع يومي 13 و14 يوليو بمدينة اسطنبول، وبثت فيديو يصور توافد بعض أعضاء التنظيم على مقر الاجتماع في فندق «هوليداي إن». كما نشرت جريدة الوطن المصرية وثيقة ناقشها الاجتماع تضمنت النتائج المترتبة على عزل محمد مرسي من رئاسة مصر، وتطرقت لتفاصيل سيناريوهات المواجهة التي لم يستح بعضها من محاولة شق صف الجيش المصري لا قدر الله أو من مطالبة الحكومة الأمريكية بتعليق مساعداتها العسكرية لمصر ألا لعنة الله على تلك المعونة المذلة. وعلى الفور بادر إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي بنفي حدوث الاجتماع أو حتى وجود الوثيقة من الأصل، وأرجع وجوده هو في تركيا لحضور مؤتمر إسلامي عالمي يوم 11 يوليو لبحث الأوضاع في مصر.

من حيث الشكل يبدو اجتماع التنظيم الدولي مبرراً تماماً بل وملحاً على ضوء الزلزال الذي ضرب منشأ الدعوة الإخوانية ومهدها: مصر. وإذا كان العديد من الاتحادات والروابط قد انتفض لعقد مؤتمر إسلامي عالمي يبحث سبل « استنقاذ الرئيس المصري ورده إلى ولايته « كما ورد في ديباجة البيان الختامي، وهي همة لم نلحظها بالمناسبة مع أحداث كبرى من قبيل العدوان الإسرائيلي على غزة في 2008 مثلاً. أقول إذا كان هذا هو حال مؤسسات تحمل الصفة الإسلامية هالها ما ألم بجماعة الإخوان المسلمين، فما بالنا بالذراع الدولي للجماعة نفسها أو ما أسماه حسن البنا عند تأسيسه «قسم الاتصال بالعالم الإسلامي»؟. شخصياً كنت سأستغرب جداً إن لم يجتمع التنظيم الدولي عند لحظة فارقة يواجهها المشروع الأممي لجماعة الإخوان ذات الخمسة وثمانين ربيعاً. ومن حيث المضمون فإن الوثيقة لم تأت بجديد، فاستماتة الجماعة في إحداث الوقيعة بين قيادات الجيش وقواعده ثابتة ومسجلة تماماً كما هي تصريحات مسئوليها للاستنجاد بالغرب والاستقواء بالخارج.

●●●

بالتوازي مع هذا التحرك الدولي اشتعلت كل الساحات القطرية التي تمتد إليها أذرع الإخوان المسلمين، وظهر ثمة تشابه مذهل في الحديث عن مؤامرة عربية أمريكية صهيونية للانقلاب على الشرعية وتقويض الحكم الإسلامي . ومع ذلك لم يخل الأمر من بعض الطرافة والتميز كما في مد خيوط المؤامرة إلى أثيوبيا حين تساءل أحد خطباء الجمعة في السودان متذاكياً عن معنى بناء سد النهضة في هذا التوقيت بالتحديد!. رمينا نحن الملايين الذين وقعنا استمارات تمرد وتظاهرنا واعتصمنا واحتفلنا بسقوط الفاشية الدينية بأننا في الحد الأدنى مغيبون وفي الحد الأقصى فلول وعملاء. وسيرت المظاهرات في تونس والمغرب والأردن واليمن والجزائر تندد بموجتنا الثورية الثانية، وكل منها يغني على ليلاه، فمأزق جماعة الإخوان هو مأزق متعدد الأوجه والساحات، صحيح أنه في مصر هو الأكثر تجلياً والأعمق تأثيراً لأسباب مفهومة لكن الأمر لا يقل تعقيداً في الدول الأخرى.

في المغرب يواجه حزب العدالة والتنمية الإخوانى أزمة سياسية حادة بعد انسحاب حزب الاستقلال من الائتلاف الحكومي، وهذا تطور يضع الحزب أمام أحد بديلين إما الائتلاف مع أطراف أخرى تقبل أن تكون مجرد ديكور حكومي، وإما الاستجابة إلى الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة، وما أدراك ما الانتخابات المبكرة. وفي الأردن يقف حزب جبهة العمل الإسلامي الناطق باسم الإخوان في الظل بعد أن اختار مقاطعة الانتخابات البرلمانية احتجاجاً على قانون الانتخابات الجديد. أما في سوريا، أولى الدول التي امتد إليها نشاط قسم الاتصال بالعالم الإسلامي في زمن حسن البنا، فإن السؤال ماذا نفعل بالإخوان وماذا نفعل معهم سيظل معلقاً في رقبة الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، فلا الإخوان يرتضون الشراكة المتساوية داخل الائتلاف ولا الأطراف الأخرى تقبل هيمنتهم. بقول آخر إن كل مكون من مكونات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين حين انتفض للدفاع عن قضية إخوان مصر فإنه في واقع الأمر كان يحارب معركته القطرية ويدافع عن مستقبله هو.

●●●

كيف سترتد أزمة مصر على مكونات التنظيم الدولي؟ لا يوجد نمط واحد للتأثير فحركة مثل النهضة في تونس الأرجح أنها ستؤكد أكثر على مرونة خطابها السياسي وتميزه عن الخطابات المتشددة الأخرى، والشيء نفسه مع حزب المؤتمر الشعبي في السودان في مواجهة حزب المؤتمر الوطني الحاكم. لكن حزباً مثل التجمع اليمني للإصلاح الأرجح أن تتصلب مواقفه على طاولة الحوار الوطني فيما يخص تشكيل المستقبل السياسي للدولة مرتكزاً في ذلك على قاعدة قبلية قوية. أما حركة حماس الخاسر الأكبر من سقوط حكم الإخوان في مصر فربما أدى هذا التطور إلى ترجيح منطق حركة الجهاد الرافضة لاتفاقيات أوسلو ومجمل العملية السياسية المترتبة عليها، وبالتالى إعادة تشكيل توازن القوى بين الحركتين في القطاع. لكن في كل الأحوال وفي حين ينشغل الجميع بمراجعة حساباته تتسارع حركة جمع توقيعات تمرد في تونس والمغرب والسودان وليبيا والعراق فلا يعرف المرء أيهما سيسبق الآخر: السلطة أم الشارع!.

نشر في الشروق : الخميس 18 يوليو 2013

 

 

 

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s