بين الوعي السطحي والوعي المطابق

بين الوعي السطحي والوعي المطابق  

منير درويش

هل علينا أن نخجل من تاريخنا الفكري والسياسي كي نقتنص الفرص من أجل موقع سياسي أو اجتماعي أو لإرضاء هذه الجهة أو تلك ؟ وهل علينا أن نشتم الأيديولوجيات التي آمنا بها وتبنيناها ” الدينية منها أو  الماركسية ، القومية ، العلمانية والاشتراكية  وكنا خلصاً لها نعادي كل من تطاول عليها ووصفهم بالبرجوازية والإمبريالية والكومبرادور أو ( بالأطلنطيين ) نسبة لحلف الأطلسي كي ننتقل لتبني  غيرها من النظريات  ؟ .

طالما أكدنا مرارا أن شجرة الحياة خضراء والنظرية رمادية  ، قد يكون التزام بعضنا بواحدة أو أكثر من هذه النظريات  ناتج عن قصور في الوعي  وربما  اكتشفنا فيما بعد  خللاً أو خطأً  سواء على صعيدها الفكري أو على صعيد الممارسة ما   في الأيديولوجيات التي تمثلها  وهذا من طبيعة الأمور ، وربما نعزف عنها أو نتبنى غيرها وهذا أمر سيبدو طبيعياً  أيضا ضمن تطور وعي  اختاره الفرد لنفسه  بأي اتجاه كان . لكن التزامنا بها هو جزء من تاريخ مارسناه و ناضلنا وناقشنا وجادلنا دفاعاً عنه وتحملنا من أجله ،  هل يجوز أن نلجأ الآن  أن نشتم هذه الأيديولوجيات  في محاولة للتهرب من هذا التاريخ وكأنه  لم يعد لنا علاقة به إما كردة فعل عصبية  أو إرضاء لهذه الجهة أو تلك  وهو قد التصق بنا ؟  هذه مواقف لا  تخلو من بعض الانتهازية أو في أحسن الحالات هو نوع من الوعي السطحي الذي يمكن أن يتغير لمصلحة شخصية وليس لهدف عام    . هناك فرق كبير بين أن نكتشف الخطأ في هذا التاريخ  وننقده ونتجاوزه  وبين أن نلعنه .

نحن نفهم تطور الوعي المعرفي للفرد ولكن هذا التطور هو تطور تراكمي وليس انقصافي يخضع لردة فعل   مجافية للحقيقة ويقطع مع الماضي وفق مصلحة آنية  . يعرف  الراحل  ياسين الحافظ الوعي  بأنه ” سيرورة  تتكامل وتتواصل بغية الاقتراب من حقيقة واقعية غير مكتملة على الدوام ومن واقع متحرك على الدوام ” وهو كما غيره من  المثقفين الملتزمين بالحقيقة لم يحرج من الحديث في سيرته الذاتية  عن تاريخه  أو عن تطور وعيه من وعي عشائري إلى الوعي القومي والديمقراطي ثم الماركسي ليحط نزاله  قبل وفاته عند الثورة القومية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي ، وبالتالي فهو ومن موقع المثقف الباحث عن الحقيقة   لم يتوانى  وبجرأة شديدة عن نقد تجاربه الماضية  عندما يريد أن يؤسس لتجربة أو مشروع جديد  . هذا هو الوعي المطابق لحاجات الواقع كما وصفه ، وهو الوعي  الذي  يتطور ويتحول وفق تطور وتحول هذا الواقع  . كما لم يحرج من الحديث عن تطوراته الفكرية والسياسية ، من  معتقده  الإيماني  إلى التزامه  الماركسي.س

لا يضيرنا إننا  لبسنا يوماً ثوبا ثم اكتشفنا أنه  لم يعد يعجبنا أو يعجب غيرنا فاستبدلناه بثوب حداثي جديد  لكننا لن   نستعار أو نخجل منه .

كنت دوماً احترم المواطن العادي البسيط لأنه  يتمسك بكل ما يؤمن به في علاقته بمعتقده وأسرته ومجتمعه  ويمارسه بكل صدق وأمانة مهما كان إيمانه هذا  صحيحاً أو خاطئاً ، بخلاف كثير من المثقفين الذين يدعون الإيمان  بشيْ ويمارسون ما يصل إلى نقيض هذا الشيء   .

نحن لا نعني أحد ولكننا نحذر من خطورة تأثير هذا السلوك على مجمل العمل السياسي .

 

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s