مصر .. استبداد الصندوق وانقلاب بلا بلاغ رقم 1

مصر ، استبداد ( الصندوق ) وانقلاب بلا بلاغ رقم ( 1 )

    منير درويش

    الأحداث التي جرت في مصر بعد 30 حزيران 2013 ، أثارت ارتباكاً في أوساط جميع المحللين السياسيين في الداخل والخارج ، كما أثارت أربكت التيارات السياسية الإسلامية من جهة والتيارات ( الديمقراطية ) من جهة أخرى .

    فالتيارات الإسلامية وعلى رأسها الأخوان المسلمين الذين استعجلوا استلام السلطة بعد سقوط نظام مبارك ( وهذا ينطبق على حركة النهضة التونسية بعد سقوط نظام بن علي ) ، التيارات هذه لم تستوعب الحجم الضخم للمعارضة الشعبية في مصر التي وقفت في ميادين مختلف المدن تطالب برحيلهم عن السلطة تساندهم أعداد كبيرة من شبان الشارع العربي عموماً . ورغم أن هذه الحشود لم تكن مفاجأة إلا أن السلطة في مصر وعلى نمط جميع الأنظمة العربية حاولت تجاهلها وهي التي منحتهم التأييد الشعبي الذي تلا سقوط مبارك وعبر صندوق الاقتراع ليس إلا ، رغم أن التيارات الإسلامية هذه ليست من صنعت ثورة 25 يناير بل شاركت فيها لكنها كانت القوة المنظمة الوحيدة القادرة على استغلال الفرصة المناسبة التي شكلها الفراغ السياسي الذي تلا السقوط السريع للسلطة وفي غياب عمل منظم للتيارات الديمقراطية التي لم تتوقع حصول مثل هذا السقوط وكانت بالأصل تعاني التفتت والإقصاء بسبب برامجها من جهة واستبداد السلطة ومنعها من حرية تسويق هذه البرامج من جهة أخرى ، ( يبدو أن الأخوان كما بقية الأنظمة لم يؤمنوا بأن سياساتهم التي اتبعوها يمكن أن تفقدهم شرعيتهم الشعبية ) .

    وإذا كنا لا نريد تكرار ما قيل عن الأحداث المصرية وما ارتكبته سلطة مرسي من أخطاء كثيرة لكننا لا نتجاهل أن ما ثبت من تفويض الشعب المصري لها لم يكن حباً بها وهي لا تمتلك برنامجا محدداً يتجاوز شعار ( الإسلام هو الحل ) بل كرها بالنظام السابق وهنا يبدو الفارق الكبير بين الشعارات وآلية إدارة الدولة بما يتوافق مع متطلبات العصر الحديث .

    لقد ارتكبت سلطة مرسي التي جاءت بصندوق الاقتراع أخطاء جمة لا تختلف فيها عن سلطة الحزب الواحد ( القائد ) الذي فشل نموذجه في الدول والمجتمعات التي مارستها سواء الأنظمة التي جاءت بها هذه الأحزاب أو الأنظمة التي صنعت هذه الأحزاب فيما بعد حتى في تركيا الحليف الرئيسي للأخوان والتي تشهد الآن أحداث كبرى على خلفية هذه السياسة . لقد حاولت سلطة مرسي تعزيز موقفها بسلسلة من القوانين والتشريعات ، وأقصت التيارات الأخرى أو دعتها للحوار على أساس تلك القوانين على خلفية ( نحن نصنع القرارات وأنتم تنفذونها ) تماما كما تفعل الأنظمة الأخرى عندما تدعو معارضتها لمثل هكذا حوار ، وضربت عرض الحائط مصالح الشعب المصري ، ولم تتوانى عن المجاهرة بشعار مبارك ( نحن أو الفوضى ) .

    لسنا مع برامج الإسلام السياسي ولا من المؤيدين لأي نموذج من نماذجه لكننا على الصعيد الموضوعي ونحن من أنصار صندوق الاقتراع كنا نتمنى نجاح السلطة في إنتاج دولة مدنية ديمقراطية تعددية لحكم مصر تكون نموذجا داعماً للثورات الأخرى في البلدان العربية ، لأن فشل هذا النموذج لن ينعكس على الأخوان وسلطتهم بل على مجمل العملية الديمقراطية الوليدة في بلادنا و تعطي الحجة للذين يعادونها . لكن المؤسف أن استبداد ( الصندوق ) الذي حمل الأخوان للسلطة فاق بأوجه مختلفة الاستبداد الذي مارسته الأنظمة الأخرى على مدى عقود وهنا كانت مخاطر هذه السياسة .

    لا ننكر بالطبع العقبات الجسيمة التي وضعت في طريق السلطة والتي لا يستبعد أن يكون لأعوان النظام السابق أيدي طويلة فيها خاصة في تعرض المواطن المصري في الآونة الأخيرة لأزمات حادة في المعيشة بدءً من رغيف ( العيش ) الخبز والطاقة والمواصلات والبطالة والماء ( مشاكل النيل مع أثيوبيا ) واستمرار الفساد والأزمات الاجتماعية التي تطال النسيج الاجتماعي وغيرها ( تجاهل مرسي ولفترة طويلة تهنئة بطريرك الأقباط الجديد بمناسبة تنصيبه مثلا ) . لكن السلطة لم تعجز عن معالجة هذه الأزمات بل عجزت عن وضع حلولاً مناسبة لمعالجتها وعلى رأس هذه الحلول انتهاج سياسة تشاركية مع كل التيارات قادرة على مواجهة القوى التي تعرقل الحل .

    هذا عن الأخوان ، ماذا عن التيارات المعارضة لهم ؟ .

    لقد انطلقت ثورة شعبية ضد سياسات الأخوان ترافقت مع تبدلات سياسية إقليمية في المنطقة برمتها ، تغيرات السلطة في قطر ، أحداث تركيا ، تصاعد الأحداث في سورية ، انتخاب روحاني ( المعتدل ) في إيران . وكان على مرسي والأخوان أن يأخذوا هذه العوامل بعين الاعتبار ويدركوا أن التمسك بنتائج صندوق الاقتراع لم تعد تكفي لاستمرار الشرعية وعليهم إما تغيير النهج بالانفتاح الحقيقي لا اللفظي ورفع العتب على كل فئات الشعب المصري ، أو التخلي عن السلطة .

    إن الفئات التي استطاعت أن تسقط الشرعية عن السلطة يوم 30 حزيران ضمت طرفين . الأول ، حركة ( تمرد ) التي هيأت الحشد الشعبي الواسع لسحب الشرعية الشعبية من الدكتور مرسي والثانية هي جبهة الإنقاذ ومسانديها التي هيأت الفعل السياسي لسحب الشرعية السياسية ، وهكذا فقد الأخوان شرعيتهم الشعبية والسياسية ، لكن الطرفين ورغم هذا الحشد كانت عيونهم تتجه نحو قيادة الجيش لحسم الأمر خاصة بعد تعرضها وعلى يد السلطة لسلسلة من الحوادث في سيناء على مقربة من الحدود مع إسرائيل لم تعرف مصادرها .

    لقد أربكت الأحداث في مصر التيارات الديمقراطية داخل مصر وخارجها ونحن منها بالطبع وأفقدتها بوصلة التحليل المنطقي خاصة بعد انحياز قيادة الجيش للمحتجين على مرسي وفرضها شروطاً كان واضحاً أن النظام لن يستجيب لها مما دفعها لإقالة الرئيس والأخوان ومؤيديهم وهذا لا يخرج عن نموذج الانقلابات العسكرية التي عرفناها في العقود الستة الماضية ، لكن ما ميز هذا الانقلاب أنه لم يكن مفاجئاً بعد أن أعلن بيانه الذي منح بموجبه ( الفئات المتصارعة مهلة (لإيجاد الحل ) ، لكن مع استمرار السلطة بالممانعة والمكابرة اتخذت قيادة الجيش قرارها بالتحرك دون احتلال مباشر للإذاعة والتلفزيون ودون إذاعة البلاغ رقم ( 1 ) . إنه انقلاب مؤيد لمطالب الشعب قام بعزل الرئيس وإخفاءه واعتقال قادة الأخوان والسلطة وتعطيل العمل بالدستور ، وهل هناك انقلاباً يفعل أكثر من ذلك ؟ وهل هناك انقلاب إلا و جاء ( لتأييد مطالب الشعب )؟ لكن بدلاً من الاختلاف حول طبيعة التغيير الذي حصل وكيف حصل ؟ أين سيجر مثل هذا التغيير مصر وما تأثيره على مستقبلها ومستقبل العرب كلهم .

    على الرغم من كل ما جرى إبان سلطة الأخوان إلا أنها كانت فرصة ثمينة لخلق مناخ ديمقراطي حقيقي على الصعيد السياسي في مصر لو حل التفاعل والرغبة بين مختلف الأطراف بالتشاركية في السلطة بدل التمسك بالمفهوم التقليدي لصندوق الاقتراع ، وبدل التنابذ الثنائي بين السلطة التي دعت للحوار وفق ما تملك من القوة ، والمعارضة التي رفضت الحوار مهددة بالقوة ، لكن يبدو أن كل الأطراف لم تكن مع التفاهم الذي يجنب مصر ما هي ذاهبة إليه . إنه الدلالة على أن المجتمع المصري بل والمجتمعات العربية أصبحت من الهشاشة التي خلفتها لها أنظمة الاستبداد والقمع سهلة التفتت والتشرذم كما تدل على محدودية الفهم والاستيعاب للديمقراطية عندما تصبح على محك الواقع .

    لم تؤيد إيران ثورة 30 حزيران خوفاً أن تمتد إليها كما لم تؤيد تركيا تدخل الجيش لأنها تخشى أن يفعل الجيش التركي بحزب الحرية والعدالة ما فعله الجيش المصري لحزب الحرية والعدالة . لقد تغيرت معادلة السلطة الآن في مصر خرج منها الأخوان ومؤيديهم ودخلتها بواسطة الجيش قوى معارضة أو محايدة وعلى هذه القوى أن تدرك بأن تحقيق برنامجها الديمقراطي الفعلي لا التخيلي في الوقت الراهن لن يتم إلا بالصدام مع الأخوان إذا أصروا على التمسك ( بالشرعية ) وهذا ما يجعل هذه القوى تبقى تحت حماية الجيش وهو ما سيجر مصر لمصير مجهول .

    لن يفيد الأخوان التمسك بالشرعية بعد أن أسقطها الشارع قبل أن يسقطها الجيش كما لن يفيدهم التهديد باستعادتها بالقوة ، و لن يفيد المعارضة التمسك بما أنجزه الشارع أو الجيش فمصر الآن إذا أرادت أن تتجنب ما حصل في دول أخرى من خراب ودمار وانهيار ما على القوى كل القوى إلا أن تلجأ لتسوية تاريخية وتتفاهم على سلطة تشاركية تشارك فيها كل الفئات والأطراف هي وحدها القادرة على خروج مصر من أزمتها والعودة بها لأهداف ثورة 25 يناير وبناء الدولة المدنية الديمقراطية ، يجب وضع كل الأمور على الطاولة لتكون قيد البحث .

    دمشق .

17 / 7 / 2013

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s