ثورة يوليو 1952 .. العلاقة الوثيقة بين الشعب والجيش

في الذكرى ال 61 لثورة يوليو \تموز 1952 …. العلاقة الوثيقة بين الشعب والجيش

ا.حسن عبد العظيم

1-        توصل جمال عبد الناصر – الطالب الثائر ضد الفساد والاحتلال – إلى أن يكون ضابطا في الجيش المصري ،وأدرك ببصيرته النافذة أن الواقع في مصر – القطر الأكبر في الأمة – شديد السوء في ظل نظام ملكي مترهل وفاسد وهيمنة واضحة للمندوب البريطاني على شؤون الحكم وأحزاب سياسية رجعية قديمة ومترهلة تسيطر عليها قيادات إقطاعية ورأسمالية مستغلة تتصارع مع النظام الملكي على السيطرة والنفوذ والحظوة لدى المندوب السامي ، وأنالجيش المصري أداة بيد النظام لقمع إرادة التغيير لدى الشعب بعد إخماد ثورة أحمد عرابي وإنتهاء دور حزب الوفد الذي التف حول قيادات بارزة أمثال سعد زغلول ومحمد فريد ومصطفى النحاس ثم ترهل كما أن ظواهر الأمية والجهل والتخلف تلقي بظلالها على الشعب المصري وعلى الأمة العربية دائرته الأوسع ،وكانت حركة عبد الناصر لتحقيق إرادة التغيير في إطار الجيش الذي ينتمي إليه ، فأنشأ تنظيم الضباط الأحرار وكانت بصيرته النافذة مع رفاقه في التنظيم تدفعه للاتصال بأطراف سياسية لإيجاد حاضنة شعبية لحركة التغيير،وتمت لقاءات مع عناصر قيادية في حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد وغيرها ، وطلبت منه قيادة الجماعة أن يحصر تنظيم الضباط الأحرار في التيار الإسلامي في الجيش فلم يقبل لأن طبيعة الجيش مماثلة لطبيعة الشعب الذي ينتمي إليه ، وكان ذلك من العوامل الأساسية في نجاح الحركة ليلة 23 \ يوليو \تموز 1952 التي أيدها الجيش بكامله ،وعززها تأييد جماهير الشعب المصري الواسع في الساحات الميادين فكانت حركة ثورية عسكرية أيدها الشعب ،وكانت أهدافها الستة بسيطة وواضحة: القضاء على النظام الملكي الفاسد وعلى الإقطاع ،وعلى الاستعمار وأعوانه ،والإصلاح الزراعي والعدالة الاجتماعية ،والديمقراطية السليمة.

2-        امتنعت الأحزاب السياسية عن تشكيل قيادات تلتزم بهذه الأهداف وأخصها الإصلاح الزراعي فاضطر مجلس قيادة الثورة إلى حلها عدا جماعة الإخوان المسلمين لأنه اعتبرها جماعة دعوية وليست حزبا غير أنها قلبت له ظهر المجن، وحاول التنظيم الخاص اغتياله في الاسكندرية فانتقلت العلاقة من الوئام إلى الصدام وتمكنت قيادة الثورة من استيعاب التيار الإسلامي الشعبي بإشراك قيادات مخلصة من الجماعة في مؤسسات السلطة والدولة أسوة بالتيارات الأخرى ،كالقومي واليساري والليبرالي الوطني مما عزز شعبية الثورة وساهم في إنجازاتها على المستوى الوطني والقومي والدولي هذه الإنجازات التي حفرت عميقا في وجدان الشعب المصري وذاكرته الجمعية جعلته يقارن ويدرك الفارق النوعي بين المرحلة الناصرية للثورة التي امتدت حتى عام 1970 وبين مرحلتي نظام السادات ومبارك اللذين أسسا للردة عن المرحلة الناصرية والنهج الناصري فانتهى الأول بمصرعه والثاني بعزله بثورة شعبية شبابية عارمة .

3-        لقد كانت ثورة 25 يناير / كانون الثاني ثورة شعب أصيل بدأت إرهاصاتها بحركة كفاية التي شاركت فيها القوى الشبابية والشعبية والسياسية على مدى أعوام في مواجهة نظام مبارك والحزب الوطني ورفض محاولات التوريث، وقدحت شرارتها ثورة الشعب التونسي وانتصارها السريع وهو ما فجر ثورات الربيع العربي التي بدأت واستمرت ولن تتوقف حتى استكمال أهدافها في إسقاط نظم الاستبداد والفساد وإقامة نظم ديمقراطية تعبر عن إرادة الشعوب الثائرة تشارك فيها جميع قوى الثورة دون إقصاء أو تهميش.

4-        لابد من إدراك أهمية المنطقة العربية بالنسبة للإقليم بشكل عام وإدراك أهمية مصر ودورها بشكل خاص وتأثير ثورات الربيع العربي على مصالح الدول الإقليمية والنظام الدولي في مرحلة ساهم فيها زرع الكيان الصهيوني في فلسطين لحماية مصالح الغرب من جهة، والحرص على السيطرة على مصادر النفط عصب الصناعة والتطور والرخاء من جهة ثانية ، ولذا لا يمكن ترك ثورات الربيع العربي تأخذ مداها وتستكمل أهدافها للتعبير عن إرادة شعوب الأمة وقاعدتها مصر ، حماية للكيان الصهيوني في طريق تحوله إلى (كيان يهودي) لذلك تتم المحاولة منذ عقود لإيجاد كيانات دينية وطائفية ومذهبية حوله تقويه وتقوى به في مشروع شرق أوسطي أو متوسطي جديد، مما يجعل محاولات الالتفاف على ثورة 25 يناير من قوى خارجية وداخلية تستقوى بها لقطع مسار الثورة من الأمور المتوقعة لاستمرار ربط مصر بقيود كامب ديفيد وتعطيل دورها في الجامعة العربية والإقليم.

ولابد من إدراك الفرق بين استكمال أهداف الثورة في المرحلة الانتقالية وهي إنجاز دستور يحظى بتوافق وطني واسع بين مكونات الشعب، وإتاحة الفرصة أمام جميع قوى الثورة للمشاركة في شؤون الحكم ومؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والإدارية، والإسراع في التنمية الاقتصادية المستقلة، ومحاصرة الفساد واحتكار السلطة، وتوفير متطلبات العدالة الاجتماعية للشرائح الاجتماعية من قوى الشعب العاملة، والمنتجة، وإيجاد فرص عمل واسعة للشباب ،وتوفير أسس الضمان الاجتماعي، بحيث لا يكفي التذرع بنتائج صندوق الاقتراع للتمسك بالسلطة والعمل على احتكارها، قبل استكمال أهداف الثروة المعلنة في المرحلة الانتقالية التي تستغرق فترة لا تقل عن خمس سنوات.

5-        لذا بدأ الالتفاف على ثورة 25 يناير بعد إزاحة مبارك ثم نائبه عمر سليمان ثم رئيس وزرائه  أحمد شفيق، فقد كان المجلس العسكري الذي شكله مبارك في أعقاب الثورة وهو السلطة التنفيذية والتشريعية يحرص في المرحلة الانتقالية أن يبقى التناوب على السلطة بين من يمثل النظام القديم أحمد شفيق، أو بين من يضمن عدم المساس باتفاقيات كامب ديفيد والصلح مع (إسرائيل)، وتم الاتفاق بين المجلس وقيادة الجماعة على ذلك في اجتماعات مغلقة في الوقت الذي كانت بقية قوى الثورة تطرح شعار(يسقط حكم العسكر) مع أنه حكم مؤقت مهمته نقل السلطة إلى نظام بديل وقد شعر حزب الحرية والعدالة- التعبير السياسي عن الجماعة – بهواجس لدى بقية قوى الثورة السياسية والشعبية من سيطرة الجماعة على الثورة ، فأعلن عدم الرغبة في ترشيح من يمثل الحزب لمنصب رئاسة الجمهورية والاكتفاء بتقديم مرشحين لعضوية مجلس الشعب وما أنجرت الانتخاباتوحصل على الأكثرية مع التيار السلفي حتى بادر إلى تقديم مرشح للرئاسة ، وجاءت نتائج المرحلة الأولى لتنحصر المنافسة بين أحمد شفيق مرشح الحزب الوطني ومحمد مرسي مرشح الجماعة، وكان أمام القوى الأخرى الخيار بينهما ، وأدرك حزب الحرية والعدالة ضرورة الحصول على أصوات ملايين مضاعفة لضمان الفوز، وبذل مرسي الوعود لمرشحين رئيسيين في إشراكهم وقواهم في المؤسسات التنفيذية والإدارية ثم تنكر لوعوده ،ولم يمارس دوره كرئيس لكل للمصريين رغم استقالته من حزبه، وفشل في تحقيق أي إنجاز خلال المئة يوم الأولى ثم خلال سنة كاملة حاول فيها مع حزبه احتكار السلطة وإقصاء بقية قوى الثورة وشبابها وتعاظم الفقر والخلل الاجتماعي، وتدهور سعر العملة ،ورفض تشكيل حكومة وحدة وطنية وحاصر المحكمة الدستورية والسلطة القضائية وتدخل في شؤون القضاء وأقال النائب العام وحاول اختراق مؤسسات الدولة وتأمين سيطرة الجماعة عليها  واتخذ قرارا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سورية دون التشاور مع وزارة الخارجية والجيش والمخابرات العامة ونسف المبادرة التي قدمها في مطلع رئاسته حول تشكيل لجنة رباعية عربية وإقليمية (مصر ، السعودية ، تركيا ، إيران ) لإيجاد حل سياسي للأزمة المتفجرة في سورية ،وعملت الخارجية المصرية على تطويرها غير أنها فوجئت كما فوجئت قيادة الجيش والأمن بقطع العلاقات مع سورية ونسف المبادرة تنفيذا لتوجيهات الجماعة ، فضلا عن رفض تشكيل حكومة وحدة وطنية ، أو تقريب موعد انتخابات الرئاسة ،أو إجراء استفتاء شعبي على ذلك ، في حين أن غالبية الشعب المصري وشباب الثورة وجبهة الإنقاذ الوطني أدركوا أنهم أمام حزب جديد يحتكر السلطة كالحزب الوطني، ويلتف على حركة الثورة في المرحلة الانتقالية ، ويقطع الطريق على استكمال أهدافها في صياغة دستور توافقي يعبر عن إرادة الشعب المصري بجميع قواه وتياراته،ونظام ديمقراطي تتوفر فيه المشاركة السياسية لكل القوى والفعاليات التي شاركت في الثورة، وتتوفر فيه التشريعات والآليات التي تحقق العدالة الاجتماعية ، ويعيد لمصر دورها الرائد في الأمة العربية والجامعة العربية والعمل العربي المشترك والذي بقي معطلا في ظل حكم الرئيس المعزول والجماعة ، ولا بد من الإشارة أن شخصيات بارزة من قيادة الإخوان أدركت مسبقا النوايا المبيتة لاحتكار السلطة عند الوصول إليها فانسحبت مبكرا أو لاحقا كالدكتور كمال الهلباوي والدكتور أحمد أبو الفتوح ، وغيرهم لأن الجماعة لم تقم بإجراء مراجعة نقدية لأخطائها منذ عام 1954 حتى قيام ثورة يناير 2011 وثورة 30  حزيران 2013 وحاولت إدارة جمهورية مصر العربية بعقلية منتصف الخمسينات الجامدة والحاقدة ..

لقد استطاعت حركة تمرد الشبابية والشعبية أن تجمع خلال شهر تواقيع حوالي 23 مليونا من الشعب المصري وأن تحشد في الساحات قرابة 33 مليونا للمطالبة بعزل مرسي ورفض حكم المرشد، وكان ذلك بمثابة حركة ثورية شعبية على نظامه، وقد انحاز الجيش الوطني في مصر لحركة الشعب في 30 يوليو \ حزيران لاستكمال أهداف حركة 25 يناير ك 2 / 2011 ووفاء لتأييد الشعب والتفافه حول حركة 23 يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر.

فهل تتعظ قيادة حزب الحرية والعدالة من هذا الدرس وتقبل بحركة التغيير الشعبية التي ساندتها القوى المسلحة وقوات الأمن الوطني، ومن ثم تساهم في المشاركة بالانتخابات التشريعية والرئاسية خلال الفترة الانتقالية المحدودة، أم تصر على عنادها ورفضها وتصطدم مع إرادة الشعب المعززة بتأييد الجيش.

إن نجاح ثورة 30 يونيو/حزيران في مصر سيكون له الدور المؤثر والحاسم في تصحيح مسار ثورات الربيع العربي في ليبيا واليمن، والبحرين وسورية، وفي تعزيز فرص الحل السياسي للأزمة السورية وتطوراتها الخطيرة، ومحاصرة السباق على تصعيد العنف والاقتتال والتوتر الطائفي والمذهبي، وتجاوز العقبات أمام المؤتمر الدولي التي تمت الدعوة إليه في (جنيف2) وبخاصة بعد إعادة العلاقات الدبلوماسية، وسيعزز ذلك من دور مصر العربية، ومن إعادة التوازن والفعالية لدور الجامعة العربية بقيادة مصر الثورة ودور شعبها العظيم.

 

دمشق 23/7/2013

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s