الشرعية الوحيدة في مصر

الشرعية الوحيدة في مصر

محمد علي الحلبي

مهما اختلفت الآراء وتباينت حول مفهوم الشرعية تبقى الشرعية الوحيدة تتركز في:

“عيش… حرية… عدالة اجتماعية”

كلمات أربع حوّت مطالب الجماهير العربية في مصر في هتافاتها يوم 25 يناير بدء الثورة ضد نظام حكم مبارك .

إذاً الثورة كانت من أجل لقمة العيش في إطار الحرية الكاملة الممكنة للفرد من التعبير عن همومه ومشاكله، وفي نفس الوقت الحافزة والدافعة له للإسهام مع الآخرين ببناء وطن تسوده عدالة اجتماعية لا تكون الفروق المادية بين مكوناته كبيرة، وتتقارب مداخيل الشرائح الاجتماعية حيث لا تسيطر فئات بعينها على أغلب موارد البلد الاقتصادية، وتحرم الآخرين منها خاصة وأن بعضهم لجأ، وكعادة أغلب الرأسماليين إلى إتباع طرق لنهب المال وتجميعه بأساليب غير قانونية، ولا أخلاقية حتى شاع في تلك الأيام تعبير “القطط السمان” على من فاحت روائح عفنهم ونتن سلوكياتهم المنحرفة عن كل القيم والأصول، لا بل منحتهم أكداس ثرواتهم قوة التأثير على نظام الحكم لتجبيره لمصلحتهم غير آبهين بمشاعر المظلومين، ولا حتى بدور وطنهم وسياساته مما حدّ في تلك المرحلة من دور مصر في السياسات الإقليمية العربية منها، والإفريقية، فأضحى تحرك السياسات المصرية على كل الأصعدة تابعا لأجندات خارجية طُبّعت بالطاعة العمياء حتى وصلت أحياناً إلى حد تسميتها بالعمالة… ألم يبع غاز مصر إلى إسرائيل بأقل من كلفة إنتاجه بينما أعداد المواطنين تتزايد صفوفها في طلب هذه المادة لاحتياجاتهم المنزلية؟!…

عناوين ذكرناها كمؤشرات على ضعف الاقتصاد المصري، لا بل على تراجعه في العقود الأخيرة، وللعلمية والدقة في الاستنتاج لابد من معرفة وإدراك المؤشرات الدالة عليه، وكأي اقتصاد تتركز أركانه في معدلات النمو، وتوزيع الدخل القومي، وفي الموازنة وفوائضها في الحال الإيجابي وعجزها في حالة السلب إضافة إلى الميزان التجاري الخارجي، وتحقيق ريع زائد لمصلحة التصدير وخفض معدلات الاستيراد، ويجب أن يركز أيضاً على نسب البطالة ومعدلات الاستثمار المحلي والأجنبي، ولو أخذنا في بداية التحليل متوسط دخل الفرد في مصر لوجدنا متدنياً قياساً مع أقطار عربية عدة، فتقرير المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين يبين أن متوسط دخل الفرد في مصر يصل إلى 2748 دولار سنوياً بينما في السعودية 19345 دولار، ويرتفع في قطر ليصل إلى 93000 دولار سنوياً، وفي لبنان 7616، وفي الأردن 3424 دولاراً، وفي سوريا 2756 دولاراً، ومما يجدر ذكره هنا أن الأرقام تشير إلى متوسط معدل الدخل العام وغير معنية بالفوارق الطبقية الحادة، وعن هذه النقطة تحديداً نشرت جريدة الأهرام المصرية في عددها بتاريخ 1-3-2013 مقارنة بين الدخول في العالم ومصر، وجاء في الخبر أن متوسط دخل الفرد اليومي في مصر 9 دولارات، وفي النرويج 280، وفي تركيا 30، وفي إيران 18، وفي روسيا 41، وأمريكا 140، وإندونيسيا 11، وبناء على هذا الخبر فالمفترض أن أسرة مكونة من سبعة أفراد يكون دخلها اليومي 63 دولاراً أي 441 جنيهاً يومياً، أي 13230 جنيهاً شهرياً، وهذا هو المفترض لكن الواقع أن دخل الأسرة عشر هذا المبلغ شهرياً، وهذا يدل على الفارق الرهيب في الدخول لذا لابد من تطبيق الحد الأقصى للأجور لتحقيق العدالة الاجتماعية التي قامت من أجلها الثورات.

وعن مؤشرات حجم الدين، فمعهد “ماكينزي” العالمي كشف قبل فترة عن تدهور ترتيب مصر في مستوى الدين العام مقابل الناتج المحلي الإجمالي حيث أكد أن مصر احتلت المركز الرابع بين 13 دولة شملها التقرير بنسبة دين عام بلغت نسبته 74.6 من ناتجها المحلي الإجمالي البالغ 249 مليار دولار، ونائب رئيس الجمعية المصرية للدراسات والتمويل والاستثمار قال: “إن الدولة تستدين لتمويل الإنفاق الجاري، وتطرح سندات وأذون خزينة لتمويل متطلبات الدعم وتوفير السلع الغذائية، ودفع أجور الموظفين في الدولة” منبهاً ومشيراً إلى أن الموازنات القادمة ستخصص مبالغ أكبر في كل مرة لسداد أقساط وأصول الدَين، وبالتالي ستتناقص المخصصات التي تُقدم للمواطن من خدمات، والملاحظ والمثير للدهشة ارتفاع الدَين المحلي لأجهزة الموازنة، وحتى بعد الثورة، ففي نهاية آذار/ مارس الماضي ارتفع ليصل إلى 80% من الناتج المحلي مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي حيث سجل الدَين المحلي نحو 1387.2 مليار جنيه بنسبة ارتفاع بلغت 27.32% مقارنة بنحو 1089.4 مليار جنيه، وعجز الموازنة الكلي ارتفع بنسبة 10.6% خلال الآونة الأخيرة ليبلغ 184.8 مليار جنيه مقارنة بعجز قدره 117.8 مليار جنيه خلال العام الماضي، وهكذا فلا شيء يدعو للتفاؤل أمام هذا الواقع المتردي باستمرار، والمسبب للآلام لهذا الشعب العربي، والخبير الاقتصادي فاروق عبد الحي يقول: “بقاء الوضع الحالي ينذر بكارثة حقيقية، والحكومات التي أعقبت الثورة المصرية لم تشغل بالها بارتفاع الدَين العام” ونتوقف هنا عند ما قيل عن حزب الحرية والعدالة بأنه وجّه كل اهتماماته لتوزيع المناصب الحكومية على منتسبيه وأعوانه ومؤيديه دون النظر إلى قدراتهم المهنية، وتلك هي سمة ما يُسمى بالأحزاب العقائدية التي ترى في سلوك هذا الطريق دعماً لها، وقد أكدّ أعضاء صندوق النقد الدولي ذلك بعد مفاوضاتهم مع الفريق المصري بشأن القرض المزمع تقديمه، فيعد 12 يوماً من المفاوضات والمباحثات وجدوا أن أحداً من الجانب المصري ليس مؤهلاً لخوض هذا النوع من المفاوضات، بل ليس مؤهلاً حتى لعرض خطة اقتصادية كاملة باستثناء محافظ البنك المركزي، وأن صندوق النقد لم يصادف مثل هذا النوع من المفاوضين منذ تأسيسه، وحتى الآن، ويقترح على الرئيس “محمد مرسي” إرسال مفاوضيه لدورات تدريبية تنظمها منظمة العمل الدولية… أما معدلات نمو فروع الاقتصاد، فالبيانات توضح ضعف الأداء الاقتصادي لقطاع الزراعة في مصر فلم تزد مساهمته في إجمالي الناتج المحلي عن 13.4 في الفترة ما بين عامي 2010- 2011 ذلك التردي أحدث فجوة كبيرة بين الواردات والصادرات الزراعية لصالح الأولى منذ ثلاثة عقود، فالصادرات الزراعية ما بين 2009- 2010 بلغت 297 مليون دولار في حين بلغت الواردات 4.3 مليار دولار أي بعجز في الميزان التجاري الزراعي، وأغلب السلع الغذائية تعاني عجزاً في نسبة الاكتفاء فإنتاج القمح يشكل 59.4% من الحاجة الكلية والذرة 58.3% والسكر 72.3% والفول البلدي 38.4% لكن الأرز حقق فائضاً حيث تبلغ نسبة الاكتفاء الذاتي 115.8%… أما قطاع الصناعة فقد حقق ارتفاعاً بلغ 3% خلال الأشهر العشر الأخيرة بزيادة 1% عن معدل النمو العام جاء ذلك في حديث لوزير الصناعة والتجارة الخارجية في الشهر السادس من عام 2013 مبدياً أن العديد من شركات الأدوية الدولية أبدت رغبتها في الاستثمار في مصر، وقطاع السياحة أحد ركائز الاقتصاد المصري فقد عانى منذ ثورة 25 يناير التي أطاحت بالنظام السابق، ويدرّ هذا القطاع أكثر من 10% من الناتج الاقتصادي، ففي عام 2010 استقبلت مصر 14.7 مليون زائر مما حقق إيرادات قدرها 12.5 مليار دولار لكن عدد السياح تراجع إلى 9.8 مليون في العام التالي ليصل دخل القطاع إلى 8.8 مليار دولار، لكن عام 2012 شهد تعافياً نسبياً، ووفد إلى مصر 11.5 مليون سائح، ووصلت إيرادات القطاع إلى نحو 10 مليارات دولار، وما يُعرف لدى الاقتصاديين بالتضخم فله عدة أسباب منها الإفراط في إصدار العملة النقدية، ومن مظاهره فشل السياسات الاقتصادية في الحفاظ على الاستقرار العام للأسعار، وفي تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ذكر أن نسبة التغير (الارتفاع) السنوية خلال شهر نيسان بلغت 13.2% في الفاكهة، 32% في الحبوب والخبز، و51.3% في الخضراوات، و14% في اللحوم والدواجن، وظاهرة البطالة وهي الوليدة الشرعية للتخلخلات في الجسم الاقتصادي فمن الطبيعي أن ترتفع في ظل تلك المعطيات، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن عن زيادة معدل البطالة إلى 13.2% خلال الربع الأول لهذا العام 2013 مقابل 13% خلال الربع السابق له، وبذلك ارتفع عدد المتعطلين إلى 3.6 مليون متعطل بنسبة 13.2 من قوة العمل، وبزيادة قدرها 63 ألف متعطل، والجهاز يقدم إحصاءات تفصيلية للمتعطلين عن العمل من الذكور والإناث، وفي الريف والحضر.

حقائق موثقة ومؤلمة عن واقع الاقتصاد المصري في الفترات الأخيرة، والتردي المستمر منذ ثلاثة عقود، وبعد أليس من حق هذا الشعب أن يثور على مسؤوليه الذين أوصلوه إلى تلك العتمة في حياته؟!…

مصر العروبة تحتل حيزاً كبيراً من الحب في مشاعر وأحاسيس كل إنسان عربي إضافة إلى امتلاك جزء من عقله وتفكيره فهي أم الدنيا، والتاريخ، والحضارة، والجميع يذكرون لها ما قدمته زمن الراحل “جمال عبد الناصر” من دعم لثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، ولثورة اليمن، ولكل حركة تحرر وحرية على أرجاء الوطن العربي الكبير، لا بل امتد دورها القيادي الإنساني إلى إفريقيا معززة المقاومات ضد الطغيان الاستعماري فيها، ومسهمة أيامها في إقامة ما سمي بمجموعة الحياد الإيجابي في مواجهة القوى الدولية الكبرى… مصر فجرت منذ القدم ينابيع الحضارة ومعالمها مازالت شاهدة على ذلك إلى اليوم، ولأن العراقة متجذرة في أصولها فستبقى مصر، وسيزول الجناة وذوي الأطماع الخاصة، وفي الفترة الأخيرة امتلأت الشوارع والساحات بالتجمعات هائلة الأعداد في خلاف تحت عنوانين: الشرعية الشعبية- الشرعية الدستورية، وفي حقيقة الواقع فالشرعية الوحيدة تتمثل في هتافات الثوار الأوائل: عيش… حرية… عدالة اجتماعية، ولتحقيق ذلك لابد من العودة إلى العقل وحذف للمصالح الحزبية والفئوية التي يحاول استغلالها أعداء الثورة من مناصري أنظمة قديمة هرمت، وشاخت، وبانت عيوبها.

بناء الاقتصاد، وتمتين الحريات، وتحقيق العدالة تحتاج جميعها إلى استقرار سياسي، وهنا نسوق رجاء إلى جميع المناضلين أن ينتقلوا وبسرعة من مرحلة الثورة المشحونة بالمشاعر والانفعالات إلى مرحلة التثوير، والتثوير في اللغة يعني البحث والدراسة.

مطلوب البحث الجاد في بناء الوطن من قبل المؤهلين لكل جانب فيه يرفدهم دعم الجماهير مع تلازم البدء التدريجي لسياسة خارجية تعيد لمصر دورها العربي والإقليمي، انه أمل يراود فكر كل إنسان عربي في مصر، وفي أرجاء الوطن العربي الكبير.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s