سقوط المشروع الاخواني الامبراطوري

سقوط المشروع الاخواني الامبراطوري

د. ليلى نقولا الرحباني

لم يتأخر الشعب المصري طوبلاً للردّ على الثورة المضادة التي حاولت اختزال تضحياته وسرقة ثورته الأولى فأوصلت الى الحكم، مجموعة أرادت أن تتسلط على الشعب المصري ومقدرات الدولة المصرية باسم الدين، والترهيب والتكفير.

وقد يكون الأخوان المسلمون في مصر – وبلا أدنى شكّ- الحزب المصري الأكثر تنظيمًا، ومجموعة لها تاريخ في العمل السياسي في مصر، ولها جمهورها الذي لا ينازعها أحد على قوته وحجمه، ولكن المشكلة التي فاقمت الازمة السياسية في مصر، وجعلت هذا التنظيم يتحول، وبسرعة البرق، الى فئة مغضوب عليها شعبيًا،  قد يكون التسلط والممارسات التي اسماها السلفيون “أخونة الدولة”، بالاضافة الى الدخول أدوات في مشاريع كبرى معدّة للمنطقة، جعلت من هامش الحركة والقدرة على المناورة لديهم محدودة جدًا.

أما المشروع الأخطر الذي أدخل الأخوان نفسه فيه، والذي قد يكون أحد أسباب سقوط الأخوان المدوي، فهو المشروع الأميركي المعدّ للمنطقة، والذي أراد يعمم النموذج التركي على العالم الاسلامي، باعتباره “الاطار الاسلامي المعتدل” الوحيد المقبول في المنطقة، وذلك بسبب تحالفه مع الغرب، ومهادنته لاسرائيل. لكن، المشروع الأميركي لم يقدّر أن تكون وعوده للاسلاميين الجدد، دافعًا لبعث مشروع “العثمانية الجديدة” التي حاول أردوغان الدخول فيه، لتكريس زعامة تركية على المنطقة، وتنصيب أردوغان زعيمًا للعالم الاسلامي، بإعادة إحياء إرث الدولة العثمانية تحت عنوان “إعادة الخلافة”، والذي تتجلى معاييره وخططه بمحاولة رسم خريطة جديدة للمنطقة تكون جغرافيتها مطابقة تمامًا للامبراطورية العثمانية في أوجّ قوتها، وهي التي عبّر عنها داود اوغلو، بما يلي:

“لأول مرة، تستطيع تركيا أن تصل الى الأراضي التي فقدتها خلال الفترة العثمانية، لذا آن الأوان لتركيا بأن تأخذ القيادة وتبادر الى وضع نظام لهذه الاراضي، وتربطها ببعضها مجددًا… بدون الذهاب الى الحرب، وبدون عداوة، وبدون تغيير الحدود، سوف نعيد ربط دمشق بسراييفو، وبنغازي بمدينة أرزورم( التركية) بمدينة باتومي (جورجيا)… هذا صلب قوتنا، وقد تبدو هذه دولاً متعددة بالنسبة لكم، لكن اليمن وسكوبي (مقدونيا) وارزوروم وبنغازي كانت جميعها ضمن دولة واحدة منذ 110 سنوات فقط”.( خطاب داود أوغلو في مؤتمر حزب العدالة والتنمية في 3-4 آذار 2013).

ولعل هذا الخطاب، يعكس وهم فائض القوة المتحصّل لحركة الأخوان المسلمين وحلمهم الامبراطوري وهو ما جعلهم يمارسون سياسات الاقصاء الى حدّها الأقصى، وهو ما سبّب لهم أعداءً في الداخل والخارج. فمن خلال الاطلاع على حركة الأخوان في المنطقة، نجد أن الاقصاء نفسه مارسه أردوغان، وتفنن به الحكم المصري والتونسي، ومارسه الأخوان في المعارضة السورية مع مكوناتها الأخرى غير الأخوانية الخ، وهو ما سبّب لهم أعداءً في الداخل من الاسلاميين غير الأخوان كالحركات السلفية والوهابية، بالاضافة الى الليبراليين والعلمانيين والأقليات وغيرهم. وفي الخارج، تحصّل الأخوان على أعداء مختلفي المشارب والتوجهات، إذ يتبين أن اوغلو لم يكتفِ بالحيّز الجغرافي الذي تمّ وصفه بالهلال الاخواني، بل توسّع ليصل الى اليمن مهددًا نفوذ الدول الخليجية برمّتها، كما تحدث عن امتداد الى البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى بالوصول الى جورجيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا الخ، متوهمًا مقدرة تركيا على الدخول منافسًا إضافيًا في ظل منافسة محتدمة هناك بين الروس والأميركيين، وبينهم وبين الناتو.

وهكذا، انهار الحكم الأخواني في مصر بسرعة قصوى، وأسقط معه مشروعًا امبراطوريًا كان يريد لدول المنطقة أن يحكمها “ولاة” يأتمرون بأمرة “سلطان” تركي متحالف مع الغرب واسرائيل. وبات أمام الأخوان في مصر اليوم، حليّن لا ثالث لهما:

– أما التحلي بالعقلانية، واعتماد مبدأ الحدّ من الخسائر والتسليم بسقوط مشروعهم والقبول بمبدأ العودة الى السلطة من خلال تشارك السلطة مع المكونات الأخرى في البلد،

–  أو المواجهة التي قد تدفع البلاد الى حرب أهلية قد تؤدي الى تقسيم مصر أو اغراقها بحرب تستنزف طاقاتها واقتصادها وبطبيعة الحال ستؤدي الى تعميق الانقسام في المجتمع المصري وستضيف الى خسارتهم السياسية، خسارة بشرية وستعمّق أزمتهم داخل المجتمع.

وأمام هذين الخيارين، يتمنى أي مواطن عربي اليوم، أن يختار الأخوان الطريق العقلاني، ويفوّتوا على أصحاب المشاريع التوسعية القدرة على إسقاط مصر، من خلال دعواتهم للأخوان للقتال حتى عودة مرسي، أو من خلال إصدار بعضهم البيانات الشاجبة والتي تحثّهم على المواجهة. على أخوان مصر اليوم، تقع مسؤولية كبرى تجاه مصر لا تقل أهمية عن مسؤولية الحكم التي تولوها، فهل ينجح الأخوان في امتحان المسؤولية هذه، أم يفشلون ويسقطون كما سقطوا في اختبار الحكم؟

Advertisements
    • zaman
    • يوليو 16th, 2013

    أكثر الذين يتحدثون عن الأخوان، لا يعرفون جماعة الأخوان، ولم يخالطوا أفراد تنظيمها، فيعمدون كمدرسيين نظريين إلى الأخذ عن ما كتب عنهم أو ما روج وأشيع ، وعادة ما يعممون خطأهم لقصورهم المعرفي كحقيقة مطلقة يبنون عليها، كما خطأ خلطهم بين الشعب المسلم المؤمن المتواجد في دول المنطقة، وبين جماعات مسلمة اتخذت من الإسلام وسيلة سهلة للوصول إلى الحكم.. كالأخوان أو غيرهم، فجماعة الآخوان كتنظيم قد نشأ في دولة كانت متقدمة نسبيا في الأنشطة السياسية المدنية الديمقراطية كمصر، عام/ 1928 سمح لها أن تكون مدرسة متطورة لتفريخ شبيهها والعديد من الحركات السلفية التكفيرية في البلاد العربية ومنها سورية/ 1935، لكنهم لم ينجحوا فيهما، فالإسلام نشأ وتطور في الحواضر المدينية الشامية، وهذه لا يحتاج وأبناؤها إلى معلمين جدد أو رسل، ومع ذلك فالجماعة تختلف حضاريا وممارسة عن الحركة الوهابية الصحراوية التكفيرية المتوحشة، التي نشأت في السعودية أواخر القرن الثامن عشر، والتي تسمح لها عقيدتها تكفير كل من ليس يتبعها من المذاهب الإسلامية أو الآديان الأخرى، وإلى تحليل دمائهم وممتلكاتهم وأعراضهم، وهكذا فعلت زمن نشوئها بقيادة محمد بن عبد الوهاب ذاته وابن السعود انطلاقا من الدرعية، فغزت ونهبت ودمرت وأبادت كل الرموز التي تخالفها وأصحابها.. وطالت أفعالها الإجرامية حواضر الجزيرة العربية ومقاماتها المقدسة في نجد والحجاز وصولا إلى كربلاء في العراق والتخوم السوية بما فيها حمص والقصير السوريتين؟

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s