وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

احمد يوسف أحمد

منذ واحد وستين عاماً انبثقت ثورة تموز / يوليو من رحم الحركة الوطنية المصرية التي كانت قد بلغت الذروة في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته تعبيراً عن شوق الشعب المصري إلى الاستقلال والديمقراطية والعدل الاجتماعي ، وكان هذا أعظم ما في ثورة تموز / يوليو ، وهو أنها لم تأت انطلاقاً من رؤية منفذيها وإنما عكست آمال الشعب المصري وغاياته التي أريقت من أجلها دماء الشهداء عبر السنين .

أحدثت الثورة تغييرات جذرية في الحياة المصرية والوطن العربي بل العالم الثالث ككل ؛ ولأن قيادة الثورة كانت تنتمي انتماء أصيلاً إلى القوى الاجتماعية للثورة صاحبة المصلحة في التغيير ، ولأنها – أي قيادة الثورة – أمسكت بزمام الأمور منذ اللحظة الأولى ، فإن التغيير جاء سريعاً وحاسماً ، وبخاصة أن الزعيم التاريخي للثورة تمتع بكاريزما غير مسبوقة في الحياة السياسية المصرية ، فصدرت قوانين الاصلاح الزراعي في أيلول / سبتمبر قبل مضي شهرين على نجاح الثورة لتحدث تغييراً جذرياً في ميزان القوى الطبقي الذي كان يعاني خللاً جسيماً ، وأدى هذا إلى نقلة نوعية في الأساس الاجتماعي للسلطة انتقل مركز السلطة بموجبه من الطبقة الاقطاعية إلى القوى صاحبة المصلحة في الثورة التي كانت تتمثل آنذاك بطبقة العمال والفلاحين والطبقة المتوسطة ، وتم القضاء على النظام الملكي الفاسد كخطوة ضرورية لإنجاز التغيير المطلوب .

ولم تكد تمضي سنتان على قيام الثورة حتى توصلت إلى اتفاقية لجلاء قوات الاحتلال البريطاني الذي دام سبعين سنة ، وذلك بعد ملحمة من المقاومة المسلحة والعمل الدبلوماسي .

وبمجرد الانتهاء من التحديات الدولية بدأت الثورة تبلور دورها العربي ، فأعطت دعماً غير محدود للثورة الجزائرية التي تطورت لاحقاً لتصبح واحدة من أعظم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي ، بل في العالم الثالث ؛ وتصدت لسياسة الاحلاف الغربية التي حاولت ربط الوطن العربي بمنظومة الأحلاف المعادية للاتحاد السوفياتي ، ولم تترك حركة تحرر واحدة في الوطن العربي وأفريقيا إلا وأعطتها الدعم غير المحدود نفسه الذي قدمته إلى الثورة الجزائرية ، ورفضت أن ترتهن عملية بناء جيشها للقوى الغربية ، فكسرت احتكار هذه القوى الغربية الكبرى لتوريد السلاح إلى مصر ، وفتحت البااب واسعاً للاتحاد السوفياتي لتزويد مصر – وفيما بعد البلدان العربية – بالأسلحة الحديثة بشروط ميسرة ، ثم كانت ضربتها الكبرى بالرد الحاسم على المحاولة الأمريكية لوأد مشروع السد العالي حلم التنمية في مصر ، وذلك بسحب عرض تمويل هذا المشروع العملاق كرد على السياسة المستقلة للثورة ؛ وكان قرار عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس ، وما أعقبه من عدوان بريطاني – فرنسي – اسرائيلي على مصر ، والانتصار السياسي لمصر على ذلك العدوان أكبر الأثر في وصول الثورة إلى ذروة مكانتها في الوطن العربي وأفريقيا والعالم الثالث ككل ، ولاحقاً قدمت الثورة نموذجاً حقيقياً للتنمية والعدل الاجتماعي فغيرت به الحياة على أرض مصر .

في المقابل ، قدمت ثورة كانون الثاني / يناير نموذجاً مغايراً . كانت الثورة عملاً شعبياً من الطراز الأول ، ولم يكن هذا بغريب بالنسبة إلى شعب رزح ثلاثة عقود تحت نير الاستبداد ، وعانى درجة غير مسبوقة من درجات الفساد ، لكنه على العكس من ثورة تموز / يوليو ، التي آلت قيادتها إلى مخططيها ، فإن الأمر انتهى بقيادة ثورة كانون الثاني / يناير إلى تنظيم الأخوان المسلمين الذي لا يصلح تاريخه لقيادة عملية ثورية ، ولم يكن انتماء قيادة ثورة تموز / يوليو لهذه القوى موضع شك ، ولذلك كما سبقت الإشارة اتخذت من القرارات السريعة والحاسمة ما جسد هذا الانتماء لتحقيق أهداف الثورة .

ومن اللافت للنظر أن ثورة كانون الثاني / بناير مثلت رد اعتبار لثورة تموز / يوليو 1952 ، إذ رفعت الشعارات نفسها التي رفعتها ثورة تموز / يوليو من حرية وعدل اجتماعي وكرامة انسانية ، غير أنه على عكس ثورة تموز / يوليو ، لم تنجز ثورة كانون الثاني / يناير شيئاً يذكر في تحقيق أهدافها ، ويرجع هذا إلى أن الانتماء الاجتماعي للقوى التي آلت إليها قيادة الثورة لا يختلف عن مثيله في النظام القديم ، بل إن نموذج زواج السلطة والمال قد تكرر ، وهكذا بقي التفاوت الاجتماعي الصارخ على ما كان عليه قبل الثورة ، وبدلاً من نموذج التنمية المستقلة الذي نفذته ثورة تموز /  يوليو وغيّر الحياة على أرض مصر إذا بحكومة ” الإخوان المسلمين ” تغرق مصر في بحر من الديون لدول عربية واقليمية وعالمية ، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على الدور الخارجي لمصر .

لقد كان واحداً من أهداف ثورة كانون الثاني / يناير هو استعادة الدور المصري عربياً وإقليمياً وعالمياً ، الذي ضيعه مبارك بسبب سياسساته التابعة الضيقة الأفق ، لكن الحلم لم يتحقق نظراً إلى الإداء السيء لحكومة ” الإخوان المسلمين ” ، وحافظت مصر على مكانتها المتدنية عربياً وافريقياً . تكشف أزمة ” سد النهضة ” الاثيوبي هذه الحقيقة ، حيث لم تجد مصر دولة واحدة من بلدان حوض النيل تؤيد الموقف المصري ، بل إن اللافت للنظر أن السودان الذي يفترض أنه يرتبط بعلاقة شبه تحالفية بمصر ، بسبب لبتوجه الاسلامي لنظامي الحكم في البلدين ، قد تخلى عن مصر وعدّ أن السد لا يمثل إضراراً بها أو بالسودان .

منذ واحد وستين عاماً تفجرت ثورة تموز / يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر ، الزعيم التاريخي للثورة ، وقدمّت تلك الثورة نموذجاً يحتذى للبناء الداخلي والدور الخارجي ؛ وكانت ثورة كانون الثاني / يناير خليقة بأن تمثل إضافة متقدمة إلى ثورة تموز يوليو ، وبخاصة نظراً إلى طابعها الشعبي ؛ لكن العمل الثوري انتكس لأن طبيعة القوى التي آلت إليها قيادة الثورة بغير حق هي طبيعة محافظة ليس في مقدورها أن تنجز عملاً ثورياً .

فهل نحتاج إلى ثورة على الثورة ؟

افتتاحية المستقبل العربي

عدد تموز 2013

 

         

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s