فلتلد الثورات اقتصاداً عربياً انسانياً

فلتلد الثورات اقتصادا عربيا انسانيا

د. علي محمد فخرو

هذا الاقحام المتعمد للاقتصاد في مسيرة الثورات والحراكات العربية يتطلب فهما عميقا للموضوع واتفاقا على نوع العلاقة التي يجب ان تسود فيما بين الاقتصاد والسياسة. ان قوى الثورات المضادة تتحدث ليل نهار عن تراجع السياحة والاستثمارات وعن ارتفاع نسب البطالة وغيرها من جوانب الاقتصاد في بلدان الثورات والحراكات . وهي بذلك تريد حشر المواطنين في زاوية الاختيار بين حل الاشكاليات السياسية او حل الاشكاليات الاقتصادية .

هذا اختيار لا معنى له ، ذلك ان الاقتصاد لم يكن قط مستقلا عن السياسة وعن هيمنتها عليه حتى يضطر المواطنون للاختيار . فالحياة السياسية المؤسسية الديمقراطية غير الفاسدة وغير المسيطر عليها من قبل اقليات الامتيازات لا يمكن الا ان تؤدي الى اقتصاد انساني اخلاقي عادل . والعكس صحيح . ولذا فالمحاولة العولمية لاقناعنا بان الاقتصاد له قوانينه الذاتية التي لا راد لها هي محاولة مضللة ، ذلك ان الاقتصاد والسياسة هما من صنع الانسان وبالتالي من صنع المواطنين وبالتالي يمكن تغييرهما واصلاحهما ووضع مسار جديد لهما .

قيادات الثورات والحراكات اذن يجب ان لا تخضع للابتزاز ولا تستبدل الديمقراطية والحرية والكرامة التي تحارب من اجلها بنجاحات ، هي في الاصل كانت متواضعة ومتذبذبة، في بعض جوانب الاقتصاد من مثل السياحة والاستثمارات الاجنبية والمظاهر الكمالية .

لكن ذلك لا يعني اعفاء قوى الثورات والحراكات من اعطاء الاقتصاد اهتمامها الكبير، بل على العكس من ذلك . انما المطلوب في الحال هو الاتفاق على اسس وقوانين وضوابط الاقتصاد التي يجب ان تتبناها انظمة وحكومات وبرلمانات ما بعد الثورات والحراكات ، والتي يجب ان يحارب المواطنون بشتى الطرق من اجل تبنيها من قبل تلك الجهات التشريعية والتنفيذية.

مربط الفرس هو ان تعرف قيادات الثورات والحراكات نوع واسس الاقتصاد الذي تريد من انظمة الحكم الجديدة التوجه اليه ، ان تعرفه وتجعله جزءً من المسار السياسي للثورات والحراكات حتى يطمئن المواطنون بان المستقبل يحمل حلولا اقتصادية تنموية عادلة من اجل الجميع وبالجميع .

هنا دعنا نذكر انفسنا باننا نحن العرب لا نحتاج الى ان نبدأ من الصفر او المربع الاول. فمنذ بضع سنوات صدر بيان مدعوم من مئات الباحثين الاجتماعيين في مختلف دول الغرب الرأسمالي تحت عنوان ”مانفستو من اجل اقتصاد انساني“ لقد صدر ذلك البيان من قلب ساحات العولمة الرأسمالية المتوحشة الجائرة كرد فعل على ما ادى اليه ذلك الاقتصاد العولمي من ظلم وتهميش وافقار وتوزيع غير عادل للثروات طال جميع المجتمعات البشرية . يقول ذلك البيان :

”ان النهاية الشرعية الوحيدة لاي اقتصاد هي كيفية الحياة التي يعيشها الرجال والنساء، بدءً من اولئك المحرومين منهم . ان كيفية الحياة تلك يجب ان لا تشمل فقط الاستجابة لحاجات وتطلعات الانسان المادية وانما ايضا مجموعة التطلعات الاخرى من مثل الكرامة الانسانية، السلام، الامن، الحرية، التربية، والتعليم، الصحة، حق الاختيار، نوع البيئة التي يعيش فيها الانسان، حقوق الاجيال القادمة.. الخ.

يتابع البيان بالتأكيد على ان الكرامة الانسانية والعدالة لا يتعارضان على الاطلاق مع الكفاءة الاقتصادية في استعمال الموارد وتصنيعها وعدم بعثرة جهود العاملين في حقل الاقتصاد. هذا التعارض وجد في خيال من يريدون الاقتصاد مستقلا عن اي التزامات قيمية وانسانية وسياسية.

هناك ضرورة ان لا تنشغل قوى الثورات والحراكات بظواهر مؤقتة من مثل تناقص عدد السياح في هذا البلد وتباطؤ الاستثمارات في ذاك البلد او تحذيرات يطلقها ذاك الصندوق الدولي او تلك الجهة الاعلامية المشبوهة . بدلا من بعثرة الجهود في مواجهة قضايا اقتصادية هي نتاج نظام او فكر اقتصادي سابق فاشل، مطلوب التعاون مع مفكري السياسة والاقتصاد والاجتماع العربي لوضع تصور جديد تنموي انساني لاقتصاد المستقبل ليصبح برنامج كل الانظمة التي سيلدها الربيع العربي مستقبلا، برنامجا لا ينحصر في متطلبات العولمة فقط وانما يتخطاها الى رحاب قومية وانسانية اكبر واعدل.

 

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s