قراءة في منظومة المفكر السياسي ياسين الحافظ

قراءة في منظومة المفكر السياسي السوري ياسين الحافظ

    د . عبدالله تركماني

    بالرغم من التحولات العميقة التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين فإنّ مشروعية التفكير فيما كتب ياسين الحافظ (*) بعد 32 سنة على وفاته، تكمن في كون فكره راهن ومعاصر لنا من جهة، وقابل لأن يكون أحد مكوّنات الفكر العربي الديمقراطي في المستقبل من جهة ثانية. فهو يدعونا إلى الارتفاع من مستوى المشاعر العربية إلى بناء الأمة، بما ينطوي عليه ذلك من أساس ديمقراطي لهذا البناء.

    والحق أنّ خطاب الحافظ قد اكتسب أقصى نضجه وطلاقة تفكيره في سبعينيات القرن الماضي، بعد أن أكملت التجربة الناصرية دورتها على نفسها، وآلت إلى مصيرها المعروف بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر من جهة. وبعد تجربته في باريس التي عمّقت لديه الوعي بمسألة التأخر، والوعي بأهمية النهضة من جهة ثانية. فراح ينتقد السياسة، بوصفها تكثيفاً للبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولو أنه بدأ – بالممارسة – يستخدم أداته النظرية ” الوعي المطابق ” منذ أواخر الخمسينيات، ففي سنة 1958 كتب عدة مقالات تحت عنوان ” خصائص الحركة القومية العربية “، حيث بدأ تحليله لهذه الخصائص من خلال تناولها في المستوى الكوني، انطلاقاً من ” أنّ الإنسانية تسير في خط تطوري صاعد ومتوازٍ ” ، وفي المستوى التاريخي ” إنّ مجرى تطور الأمم ليست متماثلة “.

    لقد كان الحافظ رائداً في التقاط عوامل هزيمة المشروع القومي العربي، حين استعاد الإشكالية المركزية للنهضة عبر سؤال ” التأخر”، باعتباره ليس تخلفاً اقتصادياً يمكن تجاوزه عبر التنمية، وليس مسألة فقدان أصالة الذات التاريخية التي زُلْزِلَتْ موضوعياً أمام التوسع الكولونيالي، بل المسألة تكمن في التأخر كفوات حضاري يشمل كل بنى المجتمع العربي. وبسبب هذه الريادة، التي لم تكن مقصورة عليه وحده بالتأكيد، سوف نتوسع في تناول توصيفاته ومقولاته وتحليلاته.

    لقد ميّز ياسين الحافظ بين الأيديولوجيا والمعرفة العلمية حين أدخل أفكار المفكر الفرنسي ألتوسير (Althusser) المجال التداولي للفكر العربي، الأمر الذي ساهم في منح خطابه تفرداً وخصوصية منهجية علمية متماسكة، فضحت مدى امتلاء الوعي العربي السائد بأوهام الأيديولوجيا.

    وقد أدت المقابلة بين المنهجين إلى أن يكتشف الحافظ السمات الأساسية للسياسات الصائبة تجاه قضايا المسألة العربية، فحددها بثلاث: الأمّويّة/القومية، وبناء الديمقراطية، والوعي المطابق بمستوياته الثلاثة ( وعي كوني، وعي حديث، وعي تاريخي) . ومن الواضح أنه التزم المنهج الماركسي في التحليل، إلا أنه دعا إلى استخلاص تركيبة ماركسية عربية، بدونها ” ستبقى الماركسية شيئاً برّانياً بالنسبة للعرب لا يتغلغل في ثنايا الذهن العربي “. ومن ثم دعا إلى ضرورة صياغة أبحاث ماركسية ملموسة عن الواقع العربي، بما يكفل ” تحوّل الماركسية في المجتمع العربي من شيء برّاني إلى شيء جوّاني “، أي ” من الماركسية إلى الماركسية العربية، الأمر الذي يعطي هذه المنهجية كل فعاليتها في تحديث الفكر العربي، بوصفه أحد الأهداف الأكثر أهمية للثورة العربية “.

    وأخذ الحافظ على الشيوعية العربية، التي كان من المفترض أن تمتلك وعياً كونياً يمثل الخلاصة الأرقى لتطور العقلانية، أنها كانت في السياق العربي ” امتثالية ووثوقية “، لم تنقد الخصوصية التاريخية لواقعها، لتتمكن من التمفصل في إشكالاته المركزية، ولتنتج وعياً خلاّقاً لهذه الخصوصية، من أجل نقدها ومن ثم تجاوزها. وفي محاولة منه لتحليل أسباب عزلة الأحزاب الشيوعية العربية وجد أنها ” غير نقدية ” و” سياسوية ” غفلت تماماً عن المسألة المركزية في الواقع العربي: التأخر، وإسقاط واقعة التأخر سيقود إلى تشويه الديمقراطية، ومن ثم اختزالها إلى ” إصلاح زراعي” لم يفعل في التجربة العربية ما ينبغي أن يفعله من حيث تحرير الفلاحين من قيم وقيود المجتمع التقليدي القاهرة، مما أدى إلى أن يقف هذا الإصلاح عند حدود ” كولكة الريف “، لذلك نعتها بـ ” الماركسية المتأخرة “.

    ولم يكتفِ الحافظ بتوجيه النقد إلى الشيوعية العربية، بل أبدى طموحه إلى امتلاك الماركسية امتلاكاً وطنياً، وقومياً، وتاريخياً، وكونياً، فكانت ترسيمته النظرية عن ” الوعي المطابق “، أي المطابق للواقع والمناسب للهدف المرسوم. لذلك اعتبر الماركسية هي الفكر الغربي الوحيد الذي يمكن للمثقف الوطني في بلادنا أن ينتظم في منهجيته النظرية والمعرفية، دون أن توضع هويته الوطنية أمام سؤال (الأنا والآخر) نظراً لما مثلته الماركسية من فكر نقدي انشقاقي على تراث الرأسمالية وأطماعها التوسعية. وفي سياق محاولته ” تعريب الماركسية ” أعلن انتظامه في منهجية عدد من المفكرين الماركسيين، خاصة غرامشي (Gramsci) ولوكاش (Lukacs)، إضافة إلى توظيفه عقلانية ماكس فيبر(Weber) الليبرالية المضادة للماركسية، في خطابه النظري للانتقال من الوعي الامتثالي إلى الوعي النقدي، ومن الوعي الأيديولوجي إلى الوعي المطابق.

    كما رأى الحافظ أنّ الماركسية، بعقلانيتها النقدية وميراثها التنويري، قادرة على تغطية الفجوة التاريخية المتمثلة بانعدام فرص تكوّن طبقة بورجوازية في بلداننا. ذلك أنّ المستوى التاريخي من ” الوعي المطابق ” يعلّم أنّ الاشتراكية لا يمكن أن تُبنى على أرضية ومفاهيم ومناهج تقليدية ووسطوية، بل فقط على أرضية ليبرالية.

    ومن جهة أخرى، فقد تطور وعي الحافظ باتجاه امتلاك قانون ” حكم الواقع “، كبديل عن قانون ” حكم القيمة “، مما أتاح له إنتاج وعي مطابق لواقع المجتمعات المتأخرة التي يسبق فيها الأيديولوجي مجمل العناصر التكوينية لوجودها، وهو بذلك يتفق مع عبد الله العروي وسمير أمين وماكس فيبر بأولوية الأيديولوجي في مجتمعات التأخر.

    ومن الخصوصيات العربية التي ركز عليها الحافظ هي السياق التاريخي الذي تشكلت فيه الهوية العربية، إذ قال: إنّ العنصر الحاسم كان ثقافياً ” دور الإسلام كحاضنٍ ورحَمٍ لتكوّن الأمة “. إضافة إلى خصوصية أخرى هي نمط ” الاستبداد الشرقي ” الذي يشكل امتداداً للمخزون الثقافي الجمعي، الذي يحكم اللاشعور المعرفي للمجتمعات التي تحكم الأيديولوجيا سيرورة تَشَكُّلِها وتطورها، وحيث أنّ الأيديولوجي والسياسي في المجتمعات المحيطية كالمجتمع العربي، ما يزال يلعب دوراً وازناً تارة وحاسماً تارة أخرى. ولم يكن الحافظ يهدف إلى تأييد هذه الخصوصيات، بوصفها خاصيات لاصقة بهوية الأمة، بل بوصفها ظواهر لابدَّ من استقرائها، ليكون من الممكن بناء تصوّر قادر على استنباط البدائل الضرورية التي تفرضها حاجات الواقع العربي إلى التقدم.

    إنّ هذه الخصوصيات الثقافية التي كانت امتيازاً تاريخياً ساعد الأمة في الحفاظ على كينونة وجودها رغم كل التحديات التي واجهتها، فإنها غدت، من منظور تاريخي، عقبة أمام انتقال المجتمع من مرحلة ” الملّة الدينية ” إلى مرحلة ” القومية الحديثة “.

    وقد ترتب على مفهومه للتأخر العربي صياغة أخرى رائدة لمصطلح ” الفوات ” الذي يشرح معناه بأنه ” خارج تسلسل وتاريخ الأحداث “، ويدفع به ليتمفصل في السياق الثقافي والاجتماعي التاريخي العربي، وذلك بأنّ ” الشعوب التي تعيش حالة الفوات هي التي يشكل وجودها في عصر معين ضرباً من غلطة تاريخية أو مفارقة تاريخية، باعتبار أنها تعيش في مرحلة تخطتها شعوب أخرى … الشعوب المفوتة هي الماضي ملقى على هامش الراهن أو الحاضر، هي التي تعيش في غير عصرها “.

    إنّ التأخر العربي العام جعل العقل العربي، حسب ياسين الحافظ، وكأنه ” برميل بلا قعر، لا يجمع ولا يراكم، مع كل صباح نبدأ تجربة جديدة، وننسى تجربة البارحة، كما لا نفكر باحتمالات الغد. على الدوام نبدأ من جديد وكأننا وُلدنا اليوم، أشبه بفئران عاجزة عن اكتشاف أنّ المصيدة تصيد “.

    ومن أجل تَمَلُّك السياسات العربية الوعي المناسب لحاجات تقدم الأمة العربية وتحررها ووحدتها، بلور مفهوم ” الوعي المطابق ” ذا المستويات الثلاثة: وعي كوني، وعي حديث، وعي تاريخي. ولم يجد الحافظ حرجاً في القول بـ ” إنّ عبد الله العروي، من خلال منهجه التاريخاني، هو الذي أضاء رؤيته للواقع العربي في بعديه الكوني والتاريخي، وبأنه هو صاحب القول من منظور تاريخاني بتكامل الليبرالية مع الماركسية في سياق تاريخية واقع التأخر العربي، رغم تناقضهما في السياق التاريخي العربي “.

    إنّ الوعي الكوني هو فهم الجزء المتقدم من العالم، وخاصة بعد الوحدة التي فرضتها الرأسمالية عليه، انطلاقاً من قانون وحدة الجنس البشري عقلاً، وتمايزه تاريخياً. وعندها سيتم كشف مدى الفوات التاريخي للخصوصيات المحلية وأشكال تموضعها التقليدية المتأخرة عن العصر.

    أما بالنسبة للوعي الحديث فإنه مستدعى جدلياً بالمستوى الأول، فلا يمكن امتلاك وعي كوني مطابق بدون امتلاك الحداثة أو الوعي الحديث ” في البلدان العربية تجنبت القوى التي تريد نفسها تقدمية التعرض للتقليد ورضيت بحداثة قشرية، تموضعت فوق التقليد وعقدت مصالحة مدلَّسة معه، بل ساهمت في بعث التقليد وتجديده، في حين أنّ الحداثة والتقليد نقيضان ولا يتصالحان، ذلك أنّ الأولى تتمحور حول المستقبل في حين أنّ الثاني يتمحور حول الماضي “. وواضح أنه دعا إلى حداثة مطابقة قادرة على التمفصل في بنية المجتمع العربي للاستجابة إلى حاجات تقدمه، وهي تتجسد في ثلاثة أحداث تاريخية: عصر الأنوار والثورة الفرنسية، والمجتمع الصناعي، والحركة الاشتراكية المسنودة بجملة من المناهج والقيم التي أهمها ” الأمّوية/القومية أي سيادة الأمة، والمواطنوية، والإنسانوية، الواقع أو ربط الكلمة بالواقع، السيطرة على الوقت، والقانون، والفكر العقلاني التحليلي – التركيبي، والنفعوية، والعلمانية “.

    وهكذا فإنّ الوعي المطابق لدى ياسين الحافظ هو أولاً، عقل وإعقال للواقع، لا يتم الوصول إليه بداهة بل بالتحليل الدقيق للعناصر والمكونات، في حركتها الجدلية الدائمة. وفي التحليل الأخير هو ليس سوى التقاط الواقع في سيرورته التاريخية، في خط تطورها العام. وهو ثانياً، وعي عقلاني، يعتمد العقل منطلقاً ووسيلة، ويستبعد الرؤى المثالية أو الرغائبية. وهو ثالثاً، وعي نسبي، لا يدّعي الحيازة على الحقيقة المطلقة، إنه وعي يقترب من الواقع يلتقط ظاهراته ويحللها، ومن ثم ينقدها ليصل إلى تكوين تصور مفهومي يعاد اختباره في الممارسة، ويتم تصويبه على أساسها.

    لقد كان للتجربة الناصرية حضور متميز في كتابات ياسين الحافظ لعدة اعتبارات من أهمها: أنها شكلت ممكناً نهضوياً عربياً، باعتبار أنّ وعي عبد الناصر كان أكثر انطباقاً على حاجات المجتمع العربي من المواقف الأخرى. ففي حين أنّ النزعة القومية العربية المشرقية قد حوّلت الوحدة العربية إلى ” أسطورة سلفية ” مقطوعة أو ضيقة الصلة بسياستها التحررية، فإنّ السلفية لم يكن لها وزن هام في نزوع عبد الناصر الوحدوي، فهو وريث حركة وطنية مصرية انشغلت بالتجديد والتحديث والتحرر من الاستعمار، ومن هنا فقد استنتج الحافظ ” أنّ النزعة القومية العربية أصبحت أكثر عصرية وأكثر راديكالية عندما صبّت من جديد في المقال الناصري “.

    ولكنّ الحافظ وجّه نقداً عميقاً لأزمة علاقة الناصرية بالديمقراطية، فعندما أعلنت الثورة المصرية الميثاق الوطني في العام 1962 وصّفه الحافظ قائلاً ” جاء على شكل أبوي، فكانت علاقة الثورة مع الجماهير علاقة وصاية، أي التزام مصلحة الجماهير والوصاية عليها في نفس الوقت، لم يتح خلق الجماهير الواعية لمصالحها الطبقية، بل خلق الجماهير المتحمسة السديمية … “. وفي الوقت نفسه انتقد ما يسمى بـ ” الاشتراكية العربية “، إذ أنها افتقدت إلى قاعدة ديمقراطية، وبالتالي أصبحت ” تأخراكية “، ذلك لأنّ الاشتراكية عندما تُبنى على أرضية وسطوية لا يعود يجمعها نسب بالاشتراكية في صورتها الأصلية، باعتبارها فرع من الديمقراطية والتحقيق الأمثل لها.

    ويعتبر كتاب الحافظ ” الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة ” من أهم المقاربات العربية للهزيمة، إذ رأى فيها تتويجاً لهزائم أجيال الأنتلجنسيا العربية الثلاث، فالجيل الثالث رغم نزوعه الراديكالي لكنه ” كان محافظاً على الأصعدة الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية، كانت قدرته على تحديث المجتمع العربي، بما في ذلك الاقتصادية، محدودة جداً تارة ومعدومة جداً تارة أخرى، وهذا ما جعل راديكاليته السياسية المستندة إلى بنى مهترئة ومُفَوَّتة، في تصديها للهيمنة الإمبريالية وإسرائيل، تأخذ طابع رومانسية ثورية، كانت تتحول مع تأكد العجز والتآكل، كما تجلى في هزيمة يونيو/حزيران 1967 وعقابيلها، إلى تفنيص ثوري. ومن طبيعة الأشياء أن يتحول التفنيص الثوري، بعد ارتطامه بالواقع، إلى استسلام “.

    وبصورة عامة رأى ياسين الحافظ أنّ التيار القومي التقليدي لا تاريخي، حين لم يرَ الجذور التاريخية، السابقة للاحتلال الاستعماري، لبعض الكيانات الإقليمية العربية المميزة، ولا مفاعيل الهيمنة الإمبريالية وقوانين عملها في العالم العربي. وقد وصّف رؤية هذا التيار على النحو التالي ” نحن العرب نشكّل أمة واحدة، يجمعنا تاريخ طويل، تربطنا لغة واحدة، نعاني آلاماً واحدة، تحرّكنا آمال واحدة، ينتظرنا مصير مشترك، وما التجزئة سوى صنيع الاستعمار. مادام الأمر كذلك، فمن الطبيعي، بل من الحتمي، مهما راوغ القدر، أن يؤطِّرنا، بعد زوال الاستعمار ورواسبه، كيان سياسي واحد “. وبعد أن أقرَّ بصحة مقدمة هذه الأطروحة، قال ” إنّ بناء دولة تؤطر أمة واحدة يتوقف، مع جملة عوامل أخرى، على وعي هذه الأمة ضرورة وحدتها. فالحتمية الوحدوية إنما تنبع، إذا لم تواجَه بعراقيل أخرى، من وعي أجزاء الأمة ضرورة وفائدة الوحدة، فضلا عن الإرادة “.

    والقومية، بالنسبة لياسين الحافظ، ليست أيديولوجيا، كما حاول الفكر القومي التقليدي أن يصوغ أصالتها من خلال ترجمة هذه الأصالة عن الفكر الألماني ” الروح الأزلي الخالد “. وهي ليست تجميعاً كمياً لوحدات وكيانات مجزأة، بل هي عملية تخترق الفرد لتجعل منه مواطناً، وتخترق المجتمع المُكسَّر عمودياً في أنساق سوسيولوجية تعود به إلى نظام القرابة الدموية البدوية، لِتُنَضِّدَهُ في أنساق اجتماعية حديثة. والقومية، أخيراً، تحقيق لذات الأمة، بالدرجة نفسها كتحقيق لذاتية الفرد الحر المسؤول أمام القوانين، إنها تحقيق لمفهوم سيادة الفرد على مصيره، وسيادة الأمة على مصائرها. وعلى هذا فـ ” الأمّويّة “، في فكر الحافظ، ليست شعوراً متمحوراً حول السيادة القومية إزاء الخارج فقط بل إنها ” شعور ووعي متمحوران حول سيادة الأمة في الداخل، سيادتها على نفسها “.

    وهكذا، فإنّ المنظور الوحدوي لياسين الحافظ يزن كل تناقضات الواقع العربي، ويستشرف كل سبل الخلاص العربي، أي تلافي التأخر التاريخي المتراكم للشعوب العربية. وفي هذا السياق حدد الميول الجاذبة في السيرورة الوحدوية بثلاثة ميول: أولها، شعور هؤلاء البشر المنتشرين من الخليج إلى المحيط بأنهم ينتمون إلى أمة واحدة ويجمعهم مصير مشترك، ولا شك أنّ هذا الشعور يتفاوت من حيث عمقه ووضوحه بين قطر وآخر، أو إقليم عربي وآخر. وثانيهما، يتمثل في العامل الخارجي، أي مفاعيل الهيمنة الإمبريالية وضغوطها ونهبها للشعوب العربية، بما يشحذ النوازع الوحدوية، ويوجه حدها ضد سائر أشكال نفوذها ” إنّ الإمبريالية قد جزّأت الوطن العربي وولّدت وحدته من جديد “. وثالثها، يتمثل في النزوع العربي إلى التقدم، إلى دخول العصر، إلى تأكيد الذات.

    أما الميول النابذة للسيرورة الوحدوية فقد حددها الحافظ بخمسة: أولها، التأخر العربي العام. وثانيها، الهيمنة الإمبريالية ومحاولتها ممارسة ضرب من التجميد للاحتمالات الوحدوية السياسية. وثالثها، واقع التجزئة والمقاومة التي يبديها والذي ” لا يتمثل فقط بمصالح الأشخاص والفئات الراكبة على بنية سياسية ما قائمة، بل يتمثل أيضاً، في كيفية أوزن وأشد تأثيراً، في الأيديولوجيا الإقليمية. ورابعها، يتمثل في الأيديولوجيات الضمنية أو الصريحة للأقليات الدينية والقومية في العالم العربي، وهي مسألة غير ممتنعة ” إنّ التأكيد على علمانية الحركة القومية العربية ودولة الوحدة العربية والنضال لتطبيقها سيفتح أرحب السبل لحلها بدون تأخير وبجدية “. وخامسها، يتمثل في شخصنة السلطة، التي ” أصبحت تظاهرة غالبة في الميدان السياسي العربي “، وهذه الشخصنة في البنية السياسية العربية عززت وتعزز إلى أقصى حد العوامل النابذة الأخرى للسيرورة الوحدوية. وعليه، بدا لياسين الحافظ أنّ الديمقراطية، التي تشكل نقيضاً مطلقاً لشخصنة السلطة، تشكل الطريق الأكثر مواتاة وملاءمة إلى الوحدة العربية.

    وكانت دعوته إلى الدولة الحديثة استجابة لحاجة الواقع العربي إلى تجاوز فواته التاريخي، حيث يبدأ ذلك بتحديث السياسة بـ ” الديمقراطية ” وتحديث الثقافة بـ ” العلمانية ” و ” العقلانية “. وفي ذلك يقول ” الديمقراطية لا يمكن أن تؤجَل أو تُقنّن، ولا توضع على الرف اليوم بزعم ممارستها غداً عند النضج، فالنضج السياسي وليد الممارسة الديمقراطية بالدرجة الأولى “.

    وهكذا، فإنّ ياسين الحافظ أدرك أهمية دور العامل الثقافي في إنتاج وعي الأمة العربية بذاتها، بوصفه وعي مجتمع وليس وعي طبقة، وبالتالي ” الخصوصية ” الثقافية المتمثلة بدور الإسلام الإيجابي في التاريخ العربي، من حيث كونه أمّن سياجاً أيديولوجياً للأمة حماها من التبعثر، وإن غدت هذه ” الخصوصية ” الجذر الأساسي لـ ” الفوات التاريخي “، بصفتها تعبيراً عن وعي سكوني لمجتمع تقليدي .

………………………………………….

    (*) – ترك ياسين الحافظ كتابات عديدة من أهمها : دراستان نقديتان ” حول تجربة حزب البعث “و ” نظام عبد الناصر ” نشرهما في كتاب ” في الفكر السياسي ” في العام 1963، والذي صدر بجزئين مع جمال الأتاسي وعبد الكريم زهور والياس مرقص، وكتابه الأول ” حول بعض قضايا الثورة العربية ” في العام 1965، وكتابه الثاني ” اللاعقلانية في السياسة العربية/نقد السياسة العربية في المرحلة ما بعد الناصرية ” في العام 1975، وكتابه الثالث ” التجربة التاريخية الفيتنامية/تقييم نقدي مقارن مع التجربة التاريخية العربية ” ثم كتابه الرابع ” الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة ” في العام 1976، وأخيراً كتابه الخامس ” في المسألة القومية الديمقراطية ” بعد وفاته في العام 1978.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s