خواطر من أوراق ياسين الحافظ

خواطر من أوراق ياسين الحافظ .

                        بمناسبة الذكرى السنوية لوفاته 28 تشرين أول 1978

 منير درويش

الكتابة عن ياسين الحافظ لا تنتهي ويجب ألا تنتهي، كما التعريف به واسع ومتعدد الجوانب والمزايا.

يعرفه الياس مرقص ” تعريفاً شخصياً ” ونثني  على هذا التعريف ، علاقته به ترجع إلى عام 1953 ، وعلاقتنا به إلى بداية الستينات من خلال ما كتب من مقالات  ، ثم تتواصل مع كتابه ” حول بعض قضايا الثورة العربية ” 1965 ” وتستمر حتى وفاته ولا تنتهي بعد الوفاة .

يقول الياس مرقص في تقديمه لكتاب ياسين الأخير ” في المسألة القومية الديمقراطية ” . مع أن إقامتي معه في مدينة واحدة وأحياناً في بيت واحد  لم تكن طويلة وعميقة. لكن بيتنا  الواحد كان وجداننا ، وعينا ، وعالمنا ، العالم ، الوطن ، الشعب . قلما فكرت أو كتبت إلا بالتعاون معه في استجابة وتجاوب .

ذاكرة حسية تتواصل وتتفاعل مع ياسين وكل من عرفه في دائرة تتخطى حياة الأفراد إلى قضية الوطن الإنسان ومصائرهما في لحظات انتصار سطحي للأمة وهزائم متكررة وعميقة .

نحن أيضاً رسمنا وعينا بالتفاعل والتعاون مع ياسين عايشناه وعشنا معه في المساهمة والمناقشة مع الحزب ، حزب العمال الثوري العربي  ومجالسه ومؤتمراته وما صدر عنها وهي كثيرة ، ونشرته المركزية ”  الثورة العربية ” أو النشرة  القطرية ” الديمقراطي العربي ”  ثم في إشكاليات فلسفية وفكرية نتفق معه ونختلف وللكل حق  الاختلاف حول ” الثورة القومية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي ” التي يبدو أنها لن تحسم أللهم إلا بعد زمن طويل .

الوطن عند ياسين وعندنا هو ذلك الفضاء الذي يجمعه ويجمعنا مع أفراد متنوعين في الانتماءات و الأمزجة والسلوك والمصالح لكن الذي يوحدنا شعورنا بالانتماء الشامل للأرض والتي نقف عليها ومنها ننطلق للتجمعات الأصغر التي تحدد معتقداتنا وقومياتنا وكل الإثنيات  الأخرى أكثرية كنا أم أقلية .

وطنه سورية ، وأمته العربية  ، لم يجد تناقضاً  بين وطنيته وقوميته  أراد لهما نهجاً علمانياً ديمقراطياً يوحد ، ولا يفرق أو يلغي أو يتجاوز وجود الأقلية  إلى جانب الأكثرية طالما كانت عوامل الانتماء للوطن متوفرة  ، انطلق أولاً من الاعتراف بالعالم الزمني اعترافاً مبدئياً ونهائياً كما يقول عنه الياس أيضاً ، فهم هذا العالم  وفهم ضروراته كشرط لتغييره . اعترافه بالإنسان  كفرد له حقوق تناسب إنسانيته وأنسنته ، واعترافه بالمواطن الذي يقاسمه الوطن مهما كان قريباً منه  أو بعيداً عنه في انتمائه أو تفكيره  هذا المواطن  صاحب الحقوق التي يجب أن ينالها كاملة غير منقوصة لأي سبب ، ولا تقبل الاستغلال أو التهميش أو الإقصاء ، يتجاوز  بمواطنته هذه انتماءه  للتشكيلات الأدنى ، العائلات والعشائر والطوائف دون أن تلغيها ، وينتمي  للمجتمع والدولة التي لم تستطع أن تجد مرتكزاتها في المجتمعات العربية وبقيت في إطار إيديولوجيا القرية التي تجد صيغتها المعممة في الشكل الذي رسمه لها الملك حسين ملك الأردن   ( ضيعتنا الأردنية ) .

الحرب اللبنانية ” حرب طائفية قذرة ” هكذا سماها ياسين واختلف حولها مع كل  ( التقدميين )  العرب الذين أعطوها  تسميات تقدمية أو طبقية  أو قومية  ، النزعة الطائفية  لم تتوقف عند لبنان بل تجاوزتها إلى كل المجتمعات العربية ، تجاهلها السياسيون والمثقفون العرب من مختلف المشارب معتمدين على توحد ظاهري هش لهذه المجتمعات ،  أزمة مخفية لكنها فاعلة . يقول ياسين في  سيرته  ” كنت أجهل أو أتجاهل  كواحد من التيار التقدمي المشرقي ، المسألة الطائفية في الوطن العربي أو أبسطها وأنظر إليها نظرة وحيدة الجانب أو بالأحرى أكثروية بشكل ضمني وغير واع ، بيد أن الشكل الحاد للصراع الطائفي اللبناني الناتج عن وجود أقليات وأزمات ما لبث أن فرض علي إعادة التفكير بالمشكلة ليكشف لي عمقها وتعقيداتها وجذورها التاريخية .

في السياسة . سورية لها الفعل البارز في السياسة العربية بسبب اندفاع حركتها المبكر بكل خصوصياتها قومية أو دينية أو طائفية ، وطنية أو تقدمية ، برجوازية ،  وأغنياء أو فقراء ، كلها سعت لبناء جنين دولة فيها مؤسسات وأحزاب ومنظمات هدفهم الأول بناء الوطن وتقدمه ونمائه  ، فيه يتنافسون يختلفون ويتفقون بل ويتصارعون ثم يعودون للدائرة الأولى إلى الوطن . لكن الاستبداد الذي  عاجلهم أسس لنفسه مراكز قوة كي يبقى أجهض هذه المحاولة وأعاد الأمور إلى عصر المماليك من جديد وألغى جنين الدولة 

انتقلت سورية من الديمقراطية التي شهدتها منتصف الخمسينات على كل علاتها إلى الاستبداد ، ضحت بديمقراطيتها هذه من أجل الوحدة إيماناً منها بأن الوحدة سبيل ناجع لتعميق الديمقراطية وتعزيزها ، لكن قيادة الوحدة  والنخب السياسية التي صنعتها   لم تستوعب هذه الفكرة ، ولم تستوعب أن استمرارها لن يكون إلا بالديمقراطية التي تحقق المساواة بين المواطنين ، وتطلق حرية الأفراد في الرأي والتعبير  وحكم المؤسسات  وتفصل السلطات ، وليس  بالديكتاتورية وحكم الفرد مهما تمتع هذا الفرد بصفات القيادة والنوايا الوطنية الصادقة .

كان ياسين من أوائل الذين قاوموا هذا الاستبداد ليس بسبب ما تعرض له من اعتقال وإهانة  فيما  بعد مع رفاق له عدة ( فالحقد موجه سيء في السياسة كما قال لينين ) بل لأن هذا الاستبداد كان وبالاً على الأمة وسبب هزائمها . انخرط  مع نضال شعبه الذي ذاق عذاب هذا الاستبداد وسبب له الهزائم من هزيمة حزيران 1967 إلى الهزائم الداخلية التي عملت على تفتيت المجتمع ونزع السياسة منه ونهبه ليتناسب مع مقاس الاستبداد  ويؤسس لاستمراره . إن هزيمة حزيران لم تكن بسبب ضعف القوة العسكرية العربية أمام العدو الإسرائيلي بل بسبب هزيمة المجتمع وعزل الشعب عن قضاياه ومنعه من التعبير وحرية الرأي  وهيمنة الأنظمة التي بقيت إما أميرية أو ملكية أو عسكرية ، هذا واقع الأمة ، وإذا ما ظهر ما يخالف ذلك كما هو حال لبنان ، جرى تطويقه وإجهاضه  حتى لا يؤثر في هذا الواقع .

إيمانه  بالشعب والوطن والشعب ليس طوباوياً أو شعورياً بل إيماناً عميقاً لأنهم هم الذين يصنعون تاريخهم ومصيرهم ، وكان على النخبة العربية أن تلعب دوراً بارزاً في هذا المجال لكنها تقاعست ، حيث وجد بعضها في خلاصه الفردي طوق النجاة بينما وجد البعض الآخر في الحاكم ولي نعمته فسخر له قلمه بدل أن يسخره للشعب . هذا ليس تخاذلاً أو خيانة أو تجسساً ومؤامرة بل جزء من الوعي العام الذي يضع مصالحه فوق مصلحة الشعب والوطن، من هنا أدان ياسين هذه النخب وقصور وعيها المتدني والمتأخر. ونقدها نقداً موضوعياً لم يكن فيه تجريح أو تسفيه بل محاولة لإحداث صدمة إيقاظ للوعي من تقاعسه وسباته.

الثورات العربية التي أطلقتها الشعوب العربية بعفويتها كشفت ستر هذا التقاعس ، كتل بشرية تنطلق لمواجهة أنظمة الاستبداد وتسقطها ،  الأنظمة  التي طالما أرعبت هذه النخب وفرضت عليها تصالحاً بحيث جعلت من معارضتها مجرد رفع عتب رغم كثرة تضحياتها ، لذلك بدا وعي الشعب  أعلى بكثير بل لنقل أكثر جرأة من نخبها بكل فصائلها

سورية في أزمة  وضعتها على حافة الانهيار الشامل ، والنخب السياسية  وقواها في الداخل والخارج عاجزة عن مواجهة هذه الأزمة  لتتركها للعالم والدول ومبعوثي الأمم والعرب لمعالجتها وهي تتصاعد يوماً بعد يوم لتصل حدود الدمار  القصوى .

بعد هزيمة  5 حزيران  فكرة الانتحار راودت ياسين ، هكذا قال في سيرته الذاتية . ماذا لو عاش الأزمة السورية ومآسيها ومفرزاتها ، ماذا كان سيراوده وبماذا كان سيفكر؟ .

دمشق  25 / 10 / 2012                                منير درويش   

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s