الربيع العربي .. الخائفون منه .. الخائفون عليه

الربيع العربي :

– الخائفون منه …

– الخائفون عليه …

حبيب عيسى

( 1 )

لعله من المنطقي ، وفي الإطار العام أن من يمتلك شيئاً ، ما ، يخاف أن يفتقده ، من الطبيعي أن من يجد نفسه في واقع موضوعي يسمح له أن يحقق فيه أهدافه ، أو يتيح له ، على الأقل ، السير على طريق تحقيق تلك الأهداف ، من حقه أن يخشى من تغيير ذلك الواقع ، أما على الصعيد السياسي ، فمن المنطقي أيضاً أن الفريق السياسي الذي يسيطر على مجريات الأمور ، ويمتلك القوة والقرار ويدفع الأمور باتجاه أهدافه أن يخشى التغيير ، ويقاتل للحفاظ عليه ، بناء عليه نقول : أنه من حق القوى المسيطرة ، والمستفيدة ، والمتحكمة ، والمهيمنة ، والفاسدة ، والمفسدة ، والإجرامية ، والمستبدة ، التي تتحّكم بمجريات الأمور في الواقع العربي موضوعياً مع امتداداتها الدولية منذ أن هزمت مشروع النهوض العربي قبل نصف قرن ، من حقها أن تخاف ، وأن تشعر بالذعر  من رياح الربيع العربي الذي يهدد باقتلاعها من جذورها … وتلك القوى المتعددة الأشكال ذات الطبيعة الاستبدادية الواحدة منتشرة في أرجاء الوطن العربي ، واستطالاتها الدولية تتموضوع في كل مكان من هذا الكوكب ، وإلى آخر أصقاع الأرض …، تلك القوى المتموضعة في الداخل العربي نطلق عليها نظم الاستبداد والفساد والقمع والتبعية إضافة إلى ما تفرزه تلك النظم على الصعيد الاجتماعي من فتن وتخريب وتخلف ثقافي وحضاري وقوى ظلامية ، أما الجناح الخارجي للطغاة فنطلق عليه أسماء مختلفة من أول الاستعمار إلى آخر القوى الامبريالية والاحتكارية متعددة الجنسيات وقوى القرصنة والاستغلال والعنصرية وصولاً إلى امتداداتها الصهيونية من فلسطين وإلى العالم أجمع… نقول من الطبيعي أن يشعر جميع هؤلاء إضافة إلى المرتبطين بهم عصبوياً أومصلحياً بالذعر من رياح الربيع العربي ، وأن يستنفروا كافة أسلحتهم ومؤامراتهم وعلومهم والتبّع لهم لمواجهة رياح هذا الربيع العربي الذي يهدد وجودهم فيتصدون لها أحياناً ، ويدارون أنفسهم منها أحياناً أخرى ، وينفثون رياح السموم في مواجهتها للاختلاط معها وتشويهها في مرحلة تالية … ويُهددوننا بالويل والسبور وعظائم الأمور ، وبالبدائل الأشد سوءاً إذا لم نعد للاستكانة من جديد …  وهكذا …

نقصد من ذلك أن الذين يخافون رياح تغيير ، ما ، في واقع ، ما ، يمتلكون عادة نصيب من ذلك الواقع موضوعياً ، كبر هذا النصيب أو صغر ، وبالتالي من غير المفهوم منطقياً وإنسانياً أن بعض المناضلين العرب الذين جردّتهم القوى الباغية المسيطرة في الوطن العربي من جميع إمكانيات وأدوات تحقيق أهدافهم ، واستلبت منهم الإرادة والقرار ، وحولتهّم إلى كائنات عاجزة لا تعرف الطريق بين الواقع والأهداف التي منحوها جل أعمارهم ، ففقدوا مصداقيتهم مع أنفسهم ، ثم مع مجتمعهم ، أولئك الذين  لا يمتلكون شيئاً في هذا الواقع ، وليس لهم موقعاً فيه إلا السجون والملاحقات والقمع والبوح السري في الأقبية السرية الذي يشبه العادة السرية في عدم الإنجاب كيف ، ولماذا  يتصدون للدفاع عن مثل ذلك الواقع عوضاً عن الثورة عليه ، والتصدي لتغييره ؟؟!! … لكن ، وعلى أية حال ، للتغيير ، للثورة نواميس ورجال قد يتأخر المجتمع في إنتاجهم حقبة من التاريخ …. لكنهم سيظهرون في لحظة تاريخية ، ما ، مهما طال الزمن ، من حيث يحتسب البعض ، ومن حيث لا يحتبسون …

( 2 )

نقول : أن مالا يمكن فهمه إنسانياً وتاريخياً هو أن يخاف بعض الذين ليس لهم أية مصلحة ذاتية ، أو موضوعية في واقع ، ما ، يخافون من التغيير فيه ، بل ويصطفون بصفاقة لا مثيل لها في التاريخ مع القوى المستبدة التي استلبت إرادتهم وقمعتهم وكسرّت أحلامهم ، هل نحن في هذه الحالة أمام مرضى يؤلهون سادتهم كما تقول بعض ملاحم التاريخ ؟ ، أم هل نحن أمام سجناء يعبدون سجانيهم ؟ هل نحن أمام عبيد فقدوا سيدهم ، أو يخشون من فقدانه ، فتاهوا في البرية يبحثون عن سيد ينقذهم مما هم فيه  ؟ .

في هذه الحالة ، لا شك ، نكون أمام حالات من العصاب الإنساني ، والرضوض السيكولوجية بالغة الشدة ، ونحن هنا نتحدث بشكل عام عن بعض من الذين حملوا ورفعوا شعارات التحرر والحرية والوحدة والاشتراكية والتنمية والتقدم لكنهم تعثروا في الطريق إلى تلك الأهداف ربما لأسباب تتعلق بتعقيدات الواقع الموضوعي ؟ ، ربما لتعدد الخصوم وقوة إمكانياتهم ؟ ، ربما لموقع الوطن الاستراتيجي وتشابك المصالح الدولية والإقليمية الهادفة لوضعه الدائم تحت السيطرة ؟ ، ربما لا تساع ساحة الصراع ، وافتقاد الأداة المركزية القادرة على التحرك والتكامل والضبط والربط وسد الثغرات ؟ ، ربما لأسباب بنيوية أعاقت بناء هيكلية تنظيمية قادرة على أن تكون الحامل المناسب لمشروع بهذ الأهمية التاريخية ؟ ، ربما لأن الذين سيطروا على السلطة في بعض أقطار الوطن العربي تحت راية ذات الشعارات النهضوية والتحررية قدموا نماذج بالغة السوء والسلبية فالتهمت السلطات الإقليمية أحلام النهوض والحرية وتم الفرز بين رفاق الدرب الواحد بحيث استقر البقاء في السلطة للفئة الرديئة والأردأ ، وتم تشريد وقمع وتصفية المناضلين الحقيقيين ، ثم تم النكوص تماماً عن مشروع النهوض والحرية فانقلبت تلك النظم على المشروع القومي النهضوي مما أدى إلى تشويه الأهداف النبيلة واختلاط الرؤية عن طريق ضرب مشروع الحرية من قوى ترفع شعارات الحرية ، وتفتيت البنية الاجتماعية وممارسة الاستبداد الإقليمي من قوى ترفع شعار الوحدة ، وممارسة الفساد والنهب والاستغلال من قوى ترفع شعارات الاشتراكية ، بينما تم تشتتيت شمل المناضلين الحقيقيين فانكسرت أحلامهم  ، وافتقدوا أدوات المواجهة والتغيير ، وباتوا أمام حائط مسدود … بعضهم استسلم لليأس ، والبعض منهم انخرط في شلل متناثرة لا تقوى على الفعل ، وتحت مراقبة صارمة من اجهزة القمع ، وبذلك تفاقمت أزمة هذا الجيل من المناضلين حيث تعرض لحالة حصار صارمة ليس من أجهزة السلطات القمعية ، وحسب ، وإنما من الحاضنة الشعبية ذاتها التي بدأت تنفضّ عنهم وتستقبل خطابهم بفتور شديد ، وفي مراحل لاحقة بنفور شديد ، ذلك أن السلطات التي تقمعهم وتنهبهم وتفسد وتخرّب في مجتمعهم تقول ذات الخطاب ، وتدعّي ذات المواقف إلى درجة أن البعض بات يعتبر أن معارضة تلك السلطات جزء من مؤامرة دولية على الأنظمة التي تنشد التحرير والمقاومة والحرية والاستقلال والتقدم والممانعة ، هذا كله أدى إلى انحسار مشروع النهوض والتحرر والحرية ، وإلى انكفاء المناضلين عجزاً أو يأساً ، بل إن بعضهم بات يميل للاقتراب من السلطة بحجة الإصلاح من الداخل باعتبار أن التغيير من خارجها بات مستحيلاً ، بينما اتجه البعض الآخر للالتحاق بأحد مفرزات الاستبداد من عصبويات دينية أو طائفية أو مذهبية أو عرقية بحجة أن مشروع النهوض القومي فشل ، والبديل كامن في إحدى تلك العصبويات ، فالبعض منهم عهّد المقاومة لهذا المذهب أو ذاك ، والبعض عهّد مقاومة الاستبداد لمذهب آخر ، والبعض عهّد الحرية لطائفة ثالثة ،  والبعض عهّد الإيمان لهذا الداعية ، والبعض عهّد العلمانية … وهكذا تشتت شمل المناضلين وتخندقوا في قواقعهم الجديدة ، وكل يدعو إلى قوقعته ، ومن لا يأتي أو يلتحق بقوقعة أخرى خائن طالق بالثلاثة  …  لكن ، وبما أن الحاضنة الاجتماعية لمشروع النهوض والتحرر كانت واسعة الانتشار ، فقد بقي في الساحة من يقبض على المشروع النهضوي التحرري كالقابض على الجمر ، لكن ما باليد حيلة كما يقولون ، وهؤلاء أيضاً وجدوا أنفسهم في حالة من الحصار الثلاثي الأبعاد المتمثل : 1 – بأجهزة قمع الأنظمة ، 2 – وبتشظي الحاضنة الاجتماعية إلى جماعات مناوئة لمشروع النهوض من جهة ثانية ، 3 – وبالمنشقين عن مشروع النهوض الملتحقين بهذه الجهة أو تلك والذين تحولوا إلى مناهضين – وأعداء أحياناً –  من جهة ثالثة … ، هذا كله مع انسداد الأفق ، وتغّول أجهزة القمع ، والمراوحة في المكان أدى إلى تفاقم الشعور بالعجز والاستنقاع في الواقع المر ، مما وفرّ أجواء التشظي والفردية ، ففقدان الأمل بوجود مؤسسة اعتبارية تكون الحامل لمشروع النهوض دفع بالمناضلين كي يعتبر كل واحد منهم نفسه أنه هو المشروع  ، وعلى الآخرين الالتحاق برؤيته ، وإلا العداء والتخوين ، وهذا أدى من حيث النتيجة إلى الفردية  المطلقة ، فحتى الشلل الصغيرة التي كانت تلتأم حول هذا المناضل ، أو ذاك ، تشللت هي الأخرى باتجاه الانقسام ، ومن ثم الفردية …

( 3 )

في ظل هذه الأجواء المأساوية ، وفي ظل هذا العبث الذي يفتك بالمناضلين بدأت رياح الربيع العربي تهب من تونس ، ومن قبل تشكيلات شبابية لم تكن في حسبان أحد ، وكما فاجأت تلك الرياح الطغاة وقوى الهيمنة الدولية والجيل الهرم من السياسيين التقليديين فاجأت أيضاً أولئك المناضلين ، أو من تبقى منهم فافترقوا حول قراءة الحدث بين من رأى بذلك بصيص أمل بعد عقود من الظلام ، وبين من رأى فيها مؤامرة دولية جديدة على الأمة ، وبين من رأى فيها خطوة على الطريق للانعتاق والتحرر والحرية ، وبين من رأى فيها عدوان جديد يجب التصدي له ، وبين من رأى فيها ارتقاء للمواطنة في الأجزاء ، ومن ثم في الكل العربي ، وبين من رأى فيها طريقاً لمزيد من التفتيت والتجزئة في الوطن العربي ، وعوضاً من وضع هذه المسألة على طاولة الحوار الجاد بين أصحاب المشروع الواحد ليجري الجدل حولها وتقليبها من الزوايا كافة والموازنة بين السلبيات والإيجابيات  وصولاً إلى تقييم صحيح تقتضيه المرحلة التاريخية مع مايستدعيه ذلك من مواقف عملاتية ، وبرامج يجري وضعها ، فما يجري في الوطن العربي هذه الأيام لن يكون ربيعاً ، ولن يكون عربياً إلا بوضع برامج فكرية وتنفيذية وتشريعية ونضالية شاملة توجّه تلك الرياح حيث يجب مكاناً وزماناً ، وهذا لن يكون بالفرجة على ما يجري والاكتفاء بالسفسطة النظرية سلباً او إيجاباً ، وإنما بالانخراط في الفعل الثوري لتقويم المسار ، ومنع الاختراق والاحتواء ، هذا كله لم يحدث للأسف الشديد ، إنما ، وبدون حوار جدي من أي نوع تخندقت الأطراف يرمون بعضهم بعضاً بشتى التهم ، وانحط بهم الحال إلى درك من الإسفاف لا يليق بالمناضلين الذين جمعتهم تاريخياً مسيرة نضالية واحدة ، ولو كانت فاشلة ، وأخطر النتائج التي ترتبت على ذلك أن هذا العبث والهزيان وضع هؤلاء جميعاً في مواقع هامشية لايؤثرون في سير الأحداث ، فتركتهم الحاضنة الجماهيرية غارقين في الثرثرة ، وبدأت تبحث عن بدائل … وهم يندبون حظهم ويصبون جام غضبهم على الإمبريالية والصهيونية وحمد وغير حمد وعلى المؤامرة ، وأخيراً على جهل الجماهير العربية وتخلفها ….

( 4 )

وبما أن لي بينهم أخوة ، ورفاق درب طويل ، وأصدقاء لا حصر لهم بين المحيط والخليج ، فقد ابتعدت بنفسي قدر الإمكان عن الخوض في تلك المأساة ، وامتنعت عن الدخول في مهاترات مع أحد ، وإن كنت قد أوضحت موقفي بوضوح لا لبس فيه منذ اللحظة الأولى بأن هذا الجيل العربي العظيم قد خرق جدار الخوف واليأس والاستلاب ، وبدأ بإسقاط الطواغيت ، وفتح الطريق لكل من لديه مشروع لإنقاذ هذه الأمة كي يتقدم ، والنصر في النهاية لمن يستحقه ، وبالتالي كانت دعوتي المتكررة لرفاق الدرب في الأقطار التي سقط فيها الطغاة ، وزالت العوائق : أن نظموا صفوفكم ، وتعاملوا مع واقعكم بإيجابية ، واستعيدوا حاضنتكم الجماهيرية ، ونظفوا أنفسكم من لوثة النظم الانقلابية والشمولية والاستبدادية ، وتعلموا دروس العملية الديمقراطية ، فالشعب العربي من المحيط إلى الخليج بأغلبيته الساحقة ، وعلى سجيته الأصيلة متمسك بهويته العربية ، وعندما ترتفع عنه قيود الاستبداد سيختار بكامل حريته مشروع النهوض والتحرر والحرية والوحدة والاشتراكية والعدالة الاجتماعية ، فقط عليكم أن تكونوا معه لا عليه ، وحذار حذار من الفوقية والشخصنة ، وحتى تدخلوا العملية الديمقراطية مع الآخرين عليكم أن تكونوا ديمقراطيين بين بعضكم بعضاً أولاً ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، وإذا كنتم قوميين وتقدميين حقاً باشروا على الفور ببناء الأداة القومية ، ولا عذر لأحد بعد الآن ، وعندما بدأ الاختلاف حول ما يجري في سورية ، ثم تحول إلى خلاف ، ومهاترات ، واتهامات امتنعت عن تلبية الدعوة للقاء قومي في تونس ، ورجوت الجميع ترك هذه المسألة جانباً والاهتمام بالبناء في تلك الأقطار ، فبقدر ما ينجحون في مواقعهم بقدر ما يتقدم مشروع النهوض والتحرر ، فالمشكلات قومية … والشعب في سورية سيعرف كيف يقلعّ شوكه بيديه … لكن لا حياة لمن تنادي ، فلا الأداة القومية تم الانتباه إليها ، بل على العكس من ذلك  … ولا بناء مؤسساتي على مستوى الأقطار تمكن من استعادة الحاضنة الشعبية ، والفوز في الانتخابات ، فقط نبرة المهاترات والشخصنة ارتفعت ولم يسلم منها أحد ، حتى كاتب هذه السطور الذي أصر منذ اللحظة الأولى أن هناك محاولة خبيثة لوضع الشعب العربي أمام خيارين : إما الاصطفاف مع الطغاة ، أو بعضهم على الأقل ، وإما الفوضى والمخططات الاحتياطية لقوى الهيمنة الدولية والصهيونية ، وأعلنت موقفي بوضوح : أن الخيارين المذكورين هما خيار واحد في حقيقة الأمر ، فالذي يقف مع الاستبداد يقف من حيث يدري أو لا يدري مع الخيار الثاني الذي كان الراعي الأساسي للاستبداد طيلة النصف قرن الأخير ، كما أن الذي يقف مع الخيار الثاني يقف حقيقة مع الخيار الأول ، إما بإنقاذ نظم الاستبداد ، وإما بإنتاج البديل الاحتياطي الذي يؤدي ذات الوظائف بصيغ أكثر خطورة وحداثة ، وبالتالي على الشعب العربي أن يرفض الخيارين معاً ، وأن يثور ، ويناضل ، وينتج الأدوات المناسبة لتكون الحامل المناسب لخياره هو ، خياره هو ، خيار الشعب العربي في التحرر والاستقلال والعدالة والتنمية والحرية والوحدة والاشتراكية ….

إن هذا الموقف الذي وجدت نفسي فيه محاصراً ليس من القوى المناهضة لمشوع النهوض القومي التقدمي ، وحسب ، وإنما قبل ذلك ومعه وبعده من أقرب المقربين إلى قلبي وعقلي  ، أعادني ربع قرن بالتمام والكمال إلى الوراء حيث كنت بالضبط في ذات الموقف ، ففي عام 1977 بدأ أنور السادات إشهار العلاقة العلنية مع المستوطنات الصهيونية ، وبالصدفة كنت يومها في القاهرة ، وما أن عدت إلى دمشق حتى بدأ مؤتمر “الصمود والتصدي” حيث الأنظمة المشاركة : سورية ، العراق ، الجزائر ، ليبيا ، اليمن الجنوبي ، وما أن انتهى المؤتمر حتى شعرت بالإحباط الشديد ، وتحولت المسألة إلى مهاترات لا تثمن ولا تغني من جوع مع أنور السادات  ، ثم ، وفي مرحلة لاحقة بين “الصامدين المتصدين” أنفسهم ، عندها وبعزيمة شباب تلك الأيام اعتكفت في منزلي لمدة أسبوع حيث كتبت “السقوط الخير للإقليميين في الوطن العربي” كي أثبت فكرة واحدة تقول : أن مجمل هذا النظام الإقليمي في الوطن العربي بقضه وقضيضه ، بملوكه ورؤسائه ، بتقدمييه ورجعييه ، بالصامدين منه وبالمتخاذلين ، وحتى بالمقاومة التي تم تدجينها ، هو شريك مباشر لأنور السادات في رحلته إلى القدس المحتلة ، وأن القائمين على ذلك النظام الإقليمي يؤدون ذات الوظائف ، فقط يتقاسمون المهام بينهم ، يدفعون البعض منهم للتخاذل وإهدار الحقوق العربية ، بينما يقوم الصامدون منهم بالتصدي للجماهير العربية وقمعها ، وبالتالي على الجماهير العربية ان تضع حداً لتلك اللعبة القذرة ، وتخوضها ثورة قومية شاملة بين المحيط والخليج … يومها تعرضت بالضبط لما أتعرض له الآن ، فقد أجمعت جميع أجهزة الرقابة في الوطن العربي على منع الكتاب ، ودعا البعض علناً إلى إحراقه ، وعندما تجرأت الدار الناشرة لحمل بعض النسخ إلى معرض للكتاب في دولة عربية تم إحراقها على أرض المطار ، وتحتفظ دار النشر بنسخة نصف محروقة … لكن قرار إعتقالي تم توقيف تنفيذه لظروف لا أعرفها … وإن كان تم تنفيذه بعد ذلك ، هذا كله مفهوم ومبرر ، لكن غير المفهوم وغير المبرر كان أن يتصدى لي بعض الأخوة ورفاق الدرب بسؤال استنكاري : كيف تضع – يا أبا عصمت – أنظمة الصمود والتصدي والمقاومة في قارب واحد مع أنظمة التخاذل والخيانة والتبعية والرجعية …؟

ومنذ ربع قرن ، وأنا أقدم إجابات غير مقنعة للكثيرين ، وعلى مدى هذا الربع قرن ، وعند كل محطة مفصلية أعود لقراءة ما كتبت علني أكتشف خطأ كي أعلن تراجعي عنه ، لكن للأسف فإن جميع الأحداث التي تعاقبت على مدار الربع قرن الأخير كانت تدفعني ، وبعد كل مراجعة للكتاب إلى إضافات واستكمال نواقص ، فما ارتكبه ، ويرتكبه هذا النظام الإقليمي في الوطن العربي من جرائم يحتاج إلى مجلدات ، ومراكز توثيق متخصصة ، أرجو أن تتعافى هذه الأمة وتحدثها …

( 5 )

لم أقصد من ذلك أن أعود إلى سيرة قديمة ، وإنما قصدت : أن المنهج الذي أملى موقفي منذ ربع قرن ، هو ذاته الذي يملي موقف اليوم ، لا أكثر من ذلك  ولا أقل ، وبما أن هذا الموقف قد يؤدي ، بل يجب أن يؤدي إلى فرز حقيقي يؤدي إلى افتراق صعب عن بعض الأخوة ورفاق الدرب الطويل ، فإن من حقنا ، كخطوة إستباقية على ذلك ، أن نتداعى إلى كلمة سواء ، حتى نفترق ، إذا كان لا بد من ذلك ، على نور ، وعلى مواقف لا لبس فيها أمام أنفسنا ن وأمام التاريخ  …

بناء عليه دعونا نضع على الطاولة ، وبدون أية مجاملات ، موضوع الاختلاف وهو “الربيع العربي” ، والموقف منه ، ولنبدأ بالإجابة على الأسئلة المركزية :

1 – ما هي طبيعة الواقع الموضوعي في الوطن العربي ، ومن المستفيد من استمراره ؟ .

2 – لماذا تعثر مشروع النهوض القومي التقدمي في الوطن العربي ، وانحسر ، وهل هناك أفق لإحياء هذا المشروع في ظل أنظمة ما قبل الربيع العربي ؟ .

3 –  من له مصلحة بالتغيير في الوطن العربي ، وهل يضار مشروع النهوض القومي التقدمي من التغيير ؟ .

4 – هل هناك أفق لتحقيق التحرير والتوحيد والتقدم من قبل الأنظمة القائمة ، أو من قبل بعضها ، وهل المقاومة التي تفتقد شرط القومية تتقدم – إذا تقدمت – إلا على طريق مسدود ؟ .

5 – هل القوى الرجعية التي تدعي أنها تقف مع الربيع العربي ستسلم من هذا الربيع إذا انتصر ، وهل نهب قوى الهيمنة الدولية لثروات الأمة سيستمر ، وهل ستبقى المستوطنات الصهيونية في مأمن كما هي الآن ؟ .

6 – هل سيفتح التغيير في الوطن العربي المجال لاستعادة الحياة السياسية  ، ومن ثم إمكانية إحياء مشاريع النهوض العربية من جديد ؟ .

7 – هل القوى الظلامية التي طفت على السطح في أقطار الربيع العربي من نتاج الربيع العربي ، أم من نتاج نظم الاستبداد ، وهل استمرار نظم الاستبداد يؤدي إلى انحسارها ، أم ُيفاقم من أخطارها ؟ .

8 – هل المخططات المعادية بتجزأة المجزأ ، وإثارة الفتن الطائفية والعرقية وليدة الربيع العربي ، أم هي مخططات إحتياطية يتم تثميرها ، واختلاق ركائزها في ظل أنظمة الاستبداد ، وأن خطرها يتفاقم مع كل يوم جديد من عمر تلك الأنظمة ؟ .

9 – هل يمكن أن تكون النظم الاستبدادية والشمولية والانقلابية هي الحامل لمشروع النهوض والتقدم والوحدة في الوطن العربي ؟ .

10 – هل الديمقراطية في الأجزاء – ولو كانت نسبية – يمكن ان تفتح المجال للمناضلين في المشروع القومي التقدمي ليستأنفوا مسيرتهم النضالية التي توقفت أكثر مما ينبغي ؟ .

تلك مجرد نماذج من الأسئلة التحريضية التي يمكن لمن يشاء أن يضيف عليها ما يشاء ، ثم ، ليدور بعد ذلك حوار حول الإجابات ، ويتم الفرز بناء على ذلك ، أليس هذا أجدى من المهاترات التي تحمل الكثير من الإسفاف ، والانحطاط الأخلاقي الذي لا يليق ، لا بالمناضلين ، ولا بالمشروع النهضوي الذي شوهته النظم الاستبدادية الفاسدة التابعة بما فيه الكفاية …أما الذين لا يعرفون إلا النعيق فليبحثوا عن ساحة أخرى بعيداً عن ساحة هذا المشروع القومي التقدمي الحضاري النبيل ، من جهتي ، أعلن جهاراً نهاراً أنه لا يضيرني تغيير هذا الواقع اللاعربي الراهن ، هذا الواقع الظلامي الفاسد ، الذي أغلق الأفق أمام أي تقدم ، لا يضيرني تحطيم أصنام طغت ، وتجبرت ، وأجرمت ، وإذا كان هناك من يحاول إحتواء هذا التغيير ، وتهديدنا بالأسوأ ،  فهي فرصة تاريخية للمناضلين كي يواجهوا السيء ، والأسوأ

في الوقت ذاته ، فقد آن الأوان لتنظيف الأرض العربية من السوء إطلاقاً  . وللحديث صلة .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s