محمد علي باشا .. الاقليم والقيادة

محمد علي باشا.. الإقليـم .. والقيــادة

[ محاضرة ألقيت بتاريخ 26/6/2012 في رابطة الكتاب الاردنيين ]  

بسام الهلسه

  * شأن معظم القادة ذوي الطموح الذين تولوا حكم مصر فسعوا إلى تعزيز إستقلالها ومَدِّ نفوذها نحو الأقاليم المجاورة، حالما يستشعرون ضعف السلطة المركزية، فعل “محمد علي باشا” الذي وفد إلى مصر ضمن كتيبة عسكرية أرسلها “الباب العالي” العثماني للمساهمة في الدفاع عن مصر ضد حملة “نابليون”، فاستخدم ذكاءه للإفادة من الظروف المضطربة، وتناقضات القوى المتعددة المتصارعة في مصر وعليها: (الفرنسيين، الإنكليز، العثمانيين، المماليك)، وتحالف مع الأهالي الناقمين على الجميع، ليعزز مكانته ويفوز بولاية مصر في مستهل القرن التاسع عشر للميلاد.

  لكن منصب الولاية، لم يكن ليرضي “الآغا” الآتي ضمن قوة عسكرية البانية أرسلها الباب العالي للمساعدة في استرداد مصر: الإقليم الكبير الخصيب، ذي الثقل السكاني، والموارد الغنية، والموقع الجغرافي الإستراتيجي المميز الذي نشأت فيه واحدة من أوائل وأهم الحضارات والدول القوية التي عرفتها البشرية، والتي استمرت لآلاف السنين قبل أن تفقد استقلالها على أيدي الغزاة الفُرس قرب منتصف الألف الأولى للميلاد.

  فحدث تلاقٍ للمطامح والآمال الشخصية لـ”محمد علي باشا”- المولود في “قوَلا” في اقليم مقدونيا التابع للسلطنة العثمانية في العام (1769م)- ببناء دولة مستقلة قوية, مع مقومات ومزايا الإقليم المصري الذي يوفر لمن يحكمه الشروط والإمكانيات اللازمة لبناء قاعدة قوية، ويغريه بالتطلع للتأثير الفعّال في الأقاليم المحيطة أو حتى قيادتها، وهو ما استجاب له “محمد علي” ودفعه إلى المدى الذي يطيقه ذلك الوقت.

*    *    *

  وكان عليه أن يبدأ بتوطيد مركزه ببناء جيشه الخاص ليتمكن ـ بعد خروج الفرنسيين وصد الإنجليزـ من التخلص من منافسيه الدائمين المزعجين: “المماليك”، الذين ظل نفوذهم في مصر قوياً رغم هزيمتهم والإطاحة بدولتهم على أيدي الأتراك العثمانيين في مطلع القرن السادس عشر للميلاد. وقد أنجز هذه المهمة في المذبحة التي أوقعها بهم في ربيع العام (1811م) واشتهرت باسم “مذبحة القلعة”، وذلك حينما دعاهم لحضور الإحتفال بتوديع القوات المتوجهة إلى الجزيرة العربية لمحاربة “الدولة السعودية الأولى”= (1744م-1818م)، التي زعزعت قوتُها المتناميةـ وبخاصة بعد سيطرتها على الحرمين الشريفين في الحجازـ مكانة وسمعة الباب العالي في أرجاء العالم الإسلامي. وإذ صارت الطريق أمامه ممهدة، فقد شرع في تحقيق المهمة الصعبة المتمثلة ببناء جيش وإدارة حديثين ــ مع كل ما يلزمهماــ قادرين على حمل وتلبية المطامح الإستقلالية من جهة، والإستجابة لشروط العصر وتحديات القوى الطامعة بمصر من جهة ثانية.

  ورغم أنه لم يتلق تعليماً دراسياً منتظماً، فقد كان واعياً بتخلف أحوال المسلمين على كل الصعد، وتخبطهم في دياجير القرون الوسطى، ومطَّلعاً على التفوّق الإداري والتنظيمي والعلمي والتقني لأوروبة التي كانت قد صفَّت ميراث القرون الوسطى خلال عصر النهضة (يؤرخ له بسقوط القسطنطينية -1453م)، ثم تجاوزت النهضة منتقلة إلى عصر الحداثة الذي يؤرخ له البعض بقيام جمهورية “كرومويل” في منتصف القرن السابع عشر، أو ب”الثورة المجيدة” في بريطانية في العام (1688م).

  هذا الوعي، والاطلاع المبني على معاينة وقائع تردي الإمبراطورية العثمانية وتقهقرها المضطرد أمام أوروبة، قاد الوالي المعجب بتجربتي: “بطرس العظيم” ” في “روسيا”، و”فريدريك الكبير” في “بروسيا”، إلى إدراك وعمل ما أدركاه وعملاه في مملكتيهما قبله: الحداثة هي شرط النهوض والقوة. والقوة هي أداة التمكين والإستقلال والنفوذ.

ولما لم تكن العناصر المحلية مؤهلة للنهوض بهذه المهام، بسبب العهود المديدة من الإقصاء عن الشؤون العامة، وبسبب التخلف الشديد للإدارة والتعليم والإقتصاد، فقد باشر بإيفاد بعثات دراسية إلى الدول الاوروبية المتقدمة ــ وبخاصة فرنساــ لمعرفة العلوم والتقنيات والنظم الحديثة، ليفيد منها في إصلاح وتطوير أوضاع مصر وبخاصة في مجالات: التعليم والجيش والإدارة والإقتصاد والصناعة. وإلى جانب البعثات التعليمية التي تولت إنشاء المدارس والمعاهد المختلفة في مصر عند عودتها، قام باستقدام المستشارين الذين أعانوه في المجالات المذكورة، وبخاصة الضباط والمهندسين والأطباء والمترجمين الفرنسيين الذين رحبوا بالعمل في خدمته بعدما سقطت إمبراطورية “نابليون” مهزومة إثر معركة “واترلو” في العام 1815م.

وخلال سنوات, توفر لدى مصر ما يؤهلها لتكون دولة ناهضة حديثة قوية تتطلع للمقارنة بالدول المتقدمة، وهو ما وظّفه “محمد علي باشا” لخدمة مطامحه، منتهزاً ضعف الدولة العثمانية التي قدم لها خدماته (متظاهرا بالعمل كتابع مخلص) ضد “الدولة السعودية الأولى” وضد الثورة اليونانية. وحين لم يكافئه الباب العالي، تذرع بلجوء الفلاحين المصريين الفارين من عسفه وتسخيره لهم إلى بلاد الشام, فاجتاحهاــ أي الشام ــ جيشه بقيادة ابنه ذي الشخصية المتميزة: “إبراهيم باشا” في مطلع العقد الرابع من القرن التاسع عشر، مواصلاً زحفه المظفر شمالاً. ولم يصدَّه عن التقدم نحو قلب الإمبراطورية العثمانية التي ألحق الهزيمة بجيوشها في معارك متلاحقة, سوى تدخل الدول الأوروبية (روسيا، بروسيا، بريطانيا، النمسا) التي خشيت سقوط رجلها المريض (الدولة العثمانية) وقيام دولة قوية حديثة في البلاد العربية قادرة على صَدِّ مطامعها، فتحالفت مع “الباب العالي” وجابهت جيش “محمد علي” ودحرته من الشام، ثم أمْلَت عليه ـ في مؤتمر لندن في العام 1840 ـ شروطها المقيدة والمقلصة لمكانة وقدرات مصر وحدودها ودورها، فانتهت بذلك أول محاولة في العصر الحديث لبناء دولة حديثة, موحدة, قوية في قلب البلاد العربية.

*    *    *

  حكمت هزيمة العام (1840م) إذاً, بالموت على آمال “محمد علي” وتطلعاته في محيط مصر، أما خلفاؤه الذين تولوا حكم مصر من بعده وتوارثوها كغنيمة خالصة لأسرتهم، فقد بددوا كل ما عمل لأجله: الإستقلال والحداثة والقوة والنفوذ، وصولاً إلى التفريط بمصر نفسها، التي تعيَّن عليها أن تدفع ثمن عبثهم وتبذيرهم وعجزهم وتجاهلهم لحقوق الشعب المصري، فسقطت كسيرة أسيرة تحت سلطة الإحتلال البريطاني في العام 1882م.

*    *     *

  وكما هي حال المُجددين الطموحين ذوي التطلعات العالية، الذين يريدون إختزال الزمن وتكثيفه للحاق بالدول المتقدمة، فقد اتخذت إجراءات “محمد علي” طابعاً فوقيا استبدادياً تعسفياً واجه نفور وممانعة الأهالي في مصر، والسودان، والجزيرة العربية، والشام. ذلك أن تقويض عالم القرون الوسطى بمؤسساته ومداركه وأنماط حياته المألوفة المعتادة، وبناء دولة حديثة موحدة، لم يمرَّ بدون آلامٍ مبرحة، ودون ردود فعل مضادة من قبل عناصر وقوى العالم القديم التي اُوذيت في مصالحها ومواقعها وأساليب عيشها المتوارثة.

  وقد تضافر هذا العامل الداخلي (نفور وممانعة القوى المحلية لدواعٍ شتى) مع العامل الخارجي: التدخل المسلح للقوى الأوروبية الطامعة بالمنطقة. وقد كان العامل الثاني حاسماً  مقرراً في وأد تجربة “محمد علي باشا” الإستقلالية التجديدية التوحيدية.

*    *    *

  في العام 1849م رحل “محمد علي باشا” مؤسس وباني مصر الحديثة، لكن المهمات التي نهض للقيام بها لم تزل باقية. مهمات: التحرر وتصفية التبعية وصد المعتدين، وتكامل وتوحيد الأقاليم العربية، التي لا يمكن لها بدون انجازها أن تكون أمة ذات شأن في عصر العولمة والتكتلات الإقليمية والقارية الكبرى. وكذلك إنجاز مهمات إستيعاب وتطوير تعليم عصري، وبناء إقتصاد وصناعة قومية قادرة على تلبية إحتياجات الأمة. ومهمات تجديد وعصرنة مؤسسات وهيئات الدولة والمجتمع المدنية والعسكرية المدعوّة للذود عن الأمة والبلاد، والإرتقاء بهما إلى مستوى حضاري متقدم.

ولئن كان “محمد علي باشا” قد قام بهذه المهمات بأساليب قهرية فوقية، مما خلق شعوراً بالإغتراب لدى المصريين والعرب تجاه الدولة التي بناها، وتجاه أسرته التي تصرفت كاُسرة أجنبية متغلبة غاصبة(حتى أنهت ثورة تموز- يوليو 1952م حكمها), فإن المشاركة الشعبية والديمقراطية هما الشرطان الضروريان اللازمان لتحقيق هذه المهمات في عصرنا.

وبدل إنتظار الخلاص “الحداثي” من لدن “الأجانب”، ينبغي أن يتولى أبناء وبنات الأمة بأنفسهم عبء العمل لتحقيق هذه المهمات.

ولسوف يكون على القطر المصري – كإقليم قاعدة مركزي محوري- أن يستعيد روحه، وأن يستجيب مجدداً لما أعدته ونذرته له الجغرافية والتاريخ والهوية، من مكانة، ودور، وتطلعات.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s