9 و 10 حزيران 1967 .. السياق التاريخي

9 و10 “ يونيه ” حزيران 1967 :

السياق التاريخي …

حبيب عيسى

( 1 )

لقد قيل الكثير عن ما حدث صبيحة يوم الخامس من حزيران “يونيه” 1967 ، أسبابه ، ومبرراته ، والنتائج التي ترتبّت عليه ، والتي مازالت تتوالى حتى هذه اللحظة ، وقد كان حجم الصدمة ، وتداعياتها أكثر من كاف لنشر أجواء من اليأس ، والتيئيس ، باعتبار ما حدث انتصاراَ بيّناً من قبل مشروع الهيمنة الدولية عبر رأس الحربة الصهيوني ، على مشروع التحرّر ، والنهوض ، والتنوير في الوطن العربي ، ثم ، وعبر قصف إعلامي مركز من الداخل ، والخارج ، كان على الأمة العربية أن ترفع الراية البيضاء ، وأن تنزوي جماعات متناحرة في “كونتونات”  التجزئة تتقاسم الهيمنة عليها قوى إقليمية مجاورة ، مع قوى دولية تمتد إلى ما وراء البحار ، بالاعتماد على مستوطنات صهيونية في فلسطين ، وعلى أنظمة عائلية ، استبدادية ، منتشرة بين المحيط ، والخليج ، تمارس الطغيان ، والقمع على الشعب العربي ، بحيث يكون مستلب الإرادة ، والقرار ، وبالتالي جاهز للاستسلام للغزو الخارجي ، حين تدق ساعته .

لكن ، وبعد أيام خمسة ، فقط ، في التاسع ، والعاشر من حزيران “يونيه” 1967 انتفض الشعب العربي من المحيط إلى الخليج رافضاً الاستسلام ، ومتجاوزاً جميع قوى ، وتنظيمات الأمر الواقع ، بما في ذلك “ القومية ” منها ، ففي تلك الأيام ، لم تكن تلك السلطات ، والقوى ، وأجهزتها ، في الوطن العربي عموماً قادرة على توجيه ، أو تحجيم حركة الجماهير العربية ، وفي الوقت ذاته لم تكن قادرة على قمعها ، لكن تلك الأجهزة ، وبعد التقاط الأنفاس حاولت احتواء تلك الانتفاضة الجماهيرية العارمة ، عبر التشكيك في منطلقاتها عبر إشاعة أن : “ استقالة جمال عبد الناصر كانت مجرد مسرحية هزلية ” ، وأن  ” حركة الجماهير العربية مجرد هوجة عاطفية لا أثر واقعي لها ، وستنتهي ، كما انتهت التحّركات الجماهيرية السالفة ، لأنها بلا برامج ، بلا تنظيم ، بلا فاعلية ، وأنها مشخصنة ، وستنقرض من تلقاء نفسها ” ، و “ أن ما جرى ليس أكثر من ارتباط الغوغاء العرب بشخص جمال عبد الناصر ” …!

الآن ، وبعد أكثر من عقود أربعة ، نطلّ على ما حدث في تلك الأيام ، لنقرأ تلك الأحداث في السياق التاريخي لتطور الأمة العربية ، دون تضخيم ، ودون إهدار لقيمتها ، ودون إنكار للقصور الذي رافقها من قبل القوى الحية في هذه الأمة العربية ، ولعل السؤال بالغ الأهمية : هل تم إهدار انتفاضة التاسع ، والعاشر من يونيه “ حزيران ” 1967 ؟ ، وهل كان يمكن أن تكون النتائج مختلفة ؟ ، وهل كانت الظروف الموضوعية السائدة تسمح بأكثر مما حدث ؟ .

باختصار شديد نقول : أنه من الظلم الفادح  للجماهير العربية ، ولجمال عبد الناصر في الوقت ذاته أن يتم تصوير ما جرى في هذين اليومين على أنه تحرك عاطفي في أحسن الأحوال ليعود جمال عبد الناصر عن استقالته ، كما أنه من الظلم لجمال عبد الناصر أن يتم تحميله مسؤولية عدم الذهاب في عمليات تغييّر نظام الحكم في مصر إلى المدى الذي طالبت فيه جماهير 9 و10 “ يونيه ” حزيران 1967 لأن ذلك التحرك الجماهيري العربي كان قد تجاوز حدود مصر “ الجمهورية العربية المتحدة ” في ذلك الوقت إلى الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ، من جهة ، ولأن جمال عبد الناصر كان محكوماً في ذلك الوقت بأولوية إزالة آثار العدوان ، ولا صوت يعلو على صوت المعركة ، وكل ماعدا ذلك  مؤجل مرحلياً ، وإذا كان جمال عبد الناصر قد رحل عن هذه الحياة الدنيا قبل أن يتجاوز المرحلة الأولى بإزالة آثار العدوان ، سواء كان ذلك قضاء ، وقدراً ، أو كان ذلك بفعل فاعل ، فإن المشكلة ، كانت ، ومازالت مشكلة بنيوية في الجماهير العربية ذاتها ، وهي وحدها المعنية بحلها عبر مشروع مكتمل المواصفات للنهوض ، والتحرير ، والتنوير ….. ولعل من الهام أن نضع ما حدث في هذين اليومين التاريخيين في السياق التاريخي لمشروع النهوض ، والتنوير القومي العربي ….

( 2 )

وحتى لا نعود بعيداً في التاريخ العربي ، دعونا نتابع المحطات الأساسية ، التي كانت 9و10 “ يونيه ” واحدة منها ، اعتباراً من منتصف القرن العشرين ، حيث عقد النظام الإقليمي “ العربي ” ، الهدنة مع المستوطنات الصهيونية ، معترفاً ، ضمناً ، بما عرف بعد ذلك “ دولة إسرائيل ” ، لقد انفجر الشارع العربي غضباً ، يومها ، وتم التعبير عن ذلك بالتظاهر ، والعصيان ، والانقلابات العسكرية ، وغير العسكرية ، ومقاومة الاستعمار المباشر حيث كان مازال متواجداً من الجزائر إلى عُمان ، وبولادة أحزاب ، وحركات قومية عربية ترفض التجزئة ، وترفع شعار الوحدة العربية ، وبدا النظام الإقليمي في الوطن العربي على وشك السقوط ، المحطة الثانية كانت في عام 1956 عندما انتفضت الجماهير العربية ثانية تتجاوز حدود التجزئة ، وتعلن جمال عبد الناصر قائداً لمعارك التحرر العربي ، وتشارك في ردع العدوان عن بور سعيد  ، المحطة الثالثة كانت في عام 1958 عندما فرضت الجماهير العربية توجيه ضربة موجعة لخريطة التجزئة العربية ، بإقامة دولة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية ، كخطوة على الطريق إلى دولة عربية متحدة بين المحيط والخليج ، المحطة الرابعة كانت عبر الرفض الجماهيري العربي لجريمة الانفصال ، والانقلابات التي أعقبت ذلك في اليمن ، والعراق ، وسورية ، وتحرير الجزائر ، وإعلان قيام جمهورية عربية متحدة بين مصر والعراق وسورية ، والدعوة إلى  حركة عربية واحدة ، وإلى الطليعة العربية ، وترافق ذلك مع ولادة مقاومة عربية شعبية ، جنينية لتحرير فلسطين ، المحطة الخامسة ، كانت انتفاضة التاسع ، والعاشر من “ يونيه ” حزيران 1967رفضاً للهزيمة العسكرية ، وصرخة قوية للمراجعة ، ولمنهجة المسار ، وقد أثمرت تلك الانتفاضة موقفاً وقعّه رموز النظام الإقليمي على مضض : لا مفاوضات ، لا صلح ، لا اعتراف ، ومن ثم استئناف الاشتباك مع العدو الصهيوني على الفور ، وبيان 30 “ مارس ” آذار ، كوعد بالتغييّر الشامل نحو إصلاح النظام السياسي بعد إزالة آثار العدوان ، وتخطيّ الأخطاء ، والخطايا ، المحطة السادسة كانت في خريف 1971 ومطلع 1972 عندما انتفض طلاب الجامعات في مصر ، وفي إطار احتضان شعبي واسع ضد سياسات خليفة جمال عبد الناصر الذي بدا واضحاً أنه بدأ يجيّر نظام الحكم في مصر لصالح القوى المضادة لمشروع النهوض ، والتنوير القومي العربي الذي كان يمثله جمال عبد الناصر ، وما أعقب ذلك من تحويل مسار حرب تشرين الأول “ أكتوبر” 1973 من حرب تحرير ، إلى حرب تحريك ، للتخلص من آثار انتفاضة 9و10يونيه 1967 المتمثلة في : لا مفاوضات ، لا صلح ، لا اعتراف ، وهنا نقف أمام مفارقة بالغة الدلالة ، فما اعُتبر هزيمة عسكرية ساحقة للعرب في 1967 أدى إلى : لا صلح ، لا اعتراف ، لا مفاوضات ، وإلى مباشرة الاشتباك العسكري ، بينما أدى الانتصار العسكري للعرب في تشرين الأول “ أكتوبر” 1973 إلى : الصلح ، والاعتراف ، والتفاوض ، واعتبار حرب أكتوبر آخر الحروب ، سنقف عند هذا الحد لأن ما حصل بعد ذلك ، ومازال يحصل ، هو انحسار مشروع النهوض ، والتنوير القومي العربي التحرري ، الحضاري ، وأن ردود الأفعال ، كانت بالفعل مجرد ردود أفعال محددّة بجماعة ، ما ، لا تحمل مشروع الأمة العربية في المقاومة ، والنهوض ، والتنوير ، وإنما تحمل هويات جماعات منغلقة على نفسها ذات طابع إقليمي سلطوي ، أو ديني مذهبي ، أو طائفي ، أو إثني … وربما كان بعضها يقوم بدور إيجابي ، بمعنى أنه يمنع القوى المعادية من أن تنعم بالاستقرار على الأرض العربية ، لكن هذا شيء ، ومشروع تحرير الأمة ، ونهوضها الحضاري ، شيء آخر …!

( 3 )

بالعودة إلى موضوع هذا الحديث ، لابد أن نشير ، إلى طبيعة ، ومواصفات الاتجاه الذي كانت تلك المحطات ، سمته الأساسية بغض النظر عن الانتصارات ، والإخفاقات ، حيث كانت الأسئلة المطروحة : كيف ننهض ؟ ، كيف نتحّرر ؟ ، كيف نبني نظام العدالة الاجتماعية ؟ ، كيف نحقق المساواة ؟ ،  كيف نتوحد في ظل الهوية العربية ؟ ، كيف نصون حقوق الإنسان العربي ؟ ، كيف نحقق توزيع عادل للثروة العربية ؟ ، كيف تأخذ هذه الأمة العربية ، المكانة الدولية التي تستحق ؟ ، وكيف تساهم في بناء نظام دولي عادل ، وإنساني ؟ ، كيف نحقق التنمية ؟ ، وكيف نضع حداً لاستغلال الإنسان للإنسان ،  وكيف تختفي من حياتنا العربية بيوت الصفيح ، وبيوت المقابر ، وبيوت المخالفات ، التي تفتقر إلى أبسط الشروط للسكن الإنساني ؟ ، كيف نّشد النسيج الاجتماعي العربي ، حيث المواطنة ، والمواطنة وحدها هي المعيار ؟ ، وحيث يمارس الجميع خصوصياتهم في إطار المواطنة ، لا ضرر ، ولا ضرار ؟ ، كيف ؟ ، وكيف …..؟ ، تلك كانت الأسئلة ، التي يدور النقاش حولها ، ويحّتد أحياناً ، وتفترق المواقف إلى حد الخصام أحياناً أخرى ، أما ، ماذا حققنا ؟ ، ولماذا فشلنا ؟ ، ولماذا انحسر ، وينحسر مشروعنا النهضوي التنويري ؟ ، وبالتالي ،  لماذا تدور الأسئلة هذه الأيام حول مواضيع مناقضة تماماً ، لما كان ؟ ، حيث الأسئلة : كيف نكون طوائف ؟ ، كيف نكون مذاهب ؟ ، كيف نكون إثنيات ؟ ، كيف نحّقق الغلبة ، لهذا ، على ذاك ؟ ، كيف نسيطر على الآخر ، ونلغي دوره ؟ ، كيف نلغي الجميع ، ونتفرّد ، ويا وحدنا ؟ ،  كيف نكفرّ هذا ؟ ، ونهدر دم ذاك ؟ ، كيف ننتصر لهذه القوة الأجنبية ، أو تلك ؟ ، كيف نبحث كالجرزان عن وكر عصبوي يحمينا ؟ ، كيف يبحث كل فرد عن مصلحته الفردية الخاصة ، الآنية ؟ ، وكيف يتحاشى القضايا العامة ؟ ، وكأنها عبء ، أو خطر ، عليه أن يتحاشى عقابيله ؟ ،  كيف ؟ ، وكيف ؟ ، تلك هي أسئلة زمن الردة ، والسطوة ، والاستبداد ، والطغيان ، والغزاة ، متعددو الجنسيات ، ونحن لسنا معنيين فيها ، إلا من حيث مواجهة الفتن التي ترتبّت ، وتترّتب عليها …

( 4 )

لعل هذا الحديث ، بمناسبة ذكرى 9و10 يونيه 1967 لا يحتمل معالجة تلك المواضيع الشائكة ، من جوانبها المتعددة ، وإن كان من حق الشعب العربي ، بل ، ومن واجباته الملحّة أن يعيد تقييم التجربة المرة ، بموضوعية ، وشفافية للبناء عليها ، وليس للانغماس في تفاصيلها ، وصراعاتها ، وفتنها ، وفي هذا السياق نحاول إعادة قراءة    انتفاضة الشعب العربي ، تلك ، ووضعها في السياق التاريخي ، للصراع الذي تخوضه الأمة العربية من أجل البقاء ، دون تهويل ، أو تهوين ، بعد كل هذا الذي تكشفّ عن شرق أوسط ، قديم ، جديد ، فيه كل من هبّ ، ودبّ ، لكن  لا مكان فيه للأمة العربية ، على الإطلاق ، وإنما يتكون من أثنيات ، وأقليات دينية ، وطائفية ، ومذهبية ، ومن عائلات ، وقبائل ، وعشائر ، لكل منها حق تقرير المصير ، شريطة أن تقرر كل جماعة مصيرها ، بنفي الجماعات الأخرى ، وتكفيرها ، وارتداء الأحزمة الناسفة ، لنسف الآخر ، وتدمير الهوية العربية ، وتزوير طبيعة الصراع ، فلا صراع عربي مع قوى الهيمنة الدولية ، لأن  “ الجماعات العربية المتناحرة ” منغمسة في التحالف مع قوى الهيمنة الدولية ، للاستقواء على الشعب العربي ، والتحكم بمصيره ، وتدمير عناصر قوته ، ومنعته ، وبالتالي فإن تلك الجماعات  تضع إمكانياتها في الخدمة المعادية للأمة ، وحتى عندما تتصارع القوى الإقليمية ، والدولية على تقاسم الكعكة العربية ، فإن الصراع يدور بين تلك القوى ذاتها ، بينما يقتصر دور الطرف العربي في ذلك ، على أن يكون مجرد تابع ، أو ملحق ، بذلك الطرف الدولي ، أو الإقليمي ، يضرب حيث يشاؤون ، ويصمت حيث يطلب إليه ذلك ، لا أكثر من ذلك ، ولا أقل….

( 5 )

وإذا كان ، غالباً ، ما نتهم ، نحن القوميين ، بأننا ، غير واقعيين ، وهذا ، تلطيف للاتهام ، بأننا ، واهمين ، أو حالمين ، أو عاطفيين … ، من جهتي ، أعترف  ،  أنني واقعي ، بمعنى التعامل مع الواقع ، كما هو ،  بهدف تغييره إيجاباً إلى مصير مختلف ، وبالتالي هناك فرق شاسع بين الواقعية ، وبين الوقوع ، في الواقع ، والاستنقاع ، فيه ، وافتقاد الحلم بمستقبل مختلف ، فالواقعية الإنسانية ،لا تعني الاستسلام ، للحظة تاريخية معينة ، مهما كانت سلبية ، وإلا ، لما تحررت أمة ، من الأمم ، في التاريخ ، فقد مرت جميع الأمم ، والشعوب ، بلحظات معينة ، تعرضت فيها ، تلك الجماعات البشرية ، للعدوان ، والاستلاب ، ودائما ، برز ، منها ، من  تحدث بلغة “ الوقوعية ” ، التي يتحدثون فيها ، هذه الأيام ، فاعترفوا بالمعتدين ،وصفقوا للعدوان ، وجندوا أنفسهم ، لخدمة الطغاة ، والمستبدين ، وأطلقوا شعارات التيئيس ،  لكن ، لغة التاريخ الإنساني ، والواقعية الايجابية ، أنتجت في الوقت ، ذاته ، قوى التحرر ، والفداء ، والتضحية ، فناضلت  ، وتعاملت مع الواقع كما هو ، واكتشفت المشكلات كما هي ، وبحثت عن الحلول ، واكتشفتها ، ثم امتلكت الأدوات المناسبة للتغيير ، فاستخدمتها كما يجب  ، إلى أن تحررت تلك الأمم ، وأصبح تحررها ، هو ، الواقعي ، وبات الاستسلام ، هو الوهم .

( 6 )

وهكذا يجب التعامل مع المشكلات ، لا بهدف الاستسلام لها ، وإنما بهدف إيجاد الحلول المناسبة لها ، وهذا ما عبرت عنه جماهير 9 و10 “ يونيه 1967 على سجيتها ، فالصهيونية لا تستهدف جزء من فلسطين ، أو كامل أرض فلسطين ، أو الأرض العربية بين النيل ، والفرات ، وإنما تستهدف الوجود الحضاري العربي بمكوناته جميعاً ، وهذا ما عبرّت عنه تلك الجماهير في تلك الأيام ، برفض الاستسلام للواقع ، فهي عندما ترفض الصلح ، والاعتراف بالصهيونية ، لا ترفض احتلال فلسطين ، وحسب ، وإنما ترفض احتلال الأرض العربية بين المحيط ، والخليج ، وتعبر عن فهمها العفوي لجذر المشكلة بدون فلسفة ، وبدون سفسطة ، ففلسطين ، ليست الهدف ، وإنما هي مجرد قاعدة للعدوان على الوجود العربي بكامل مكوناته ، هكذا فهمت تلك الجماهير  حقيقة الصراع ، فهو في الجوهر ليس على فلسطين ، الصراع ، حقيقة ، هو ، على الأمة العربية ، وجوداً ، أو عدما ، والصهيونية ، التي كانت أداة بيد السياسة البريطانية ، هي ، الآن ، أداة بيد السياسة الأمريكية ، العدوانية ، وغداً ، قد تكون أداة بيد أخرى ، طامعة بالهيمنة على الوطن العربي  ، وبالتالي ، فإننا ، كقوميين ، عندما نقاتل ، لتحرير فلسطين العربية ،فإننا نقاتل دفاعا عن أنفسنا ،  ففلسطين ، بالإضافة إلى كونها ، أرضنا المشتركة ، جميعاً ، موطننا ، ووطننا ، نحن العرب ، فإن المعركة على أرضها ، هي دفاع ، عن بيوتنا ، وإنسانيتنا ، وإرادتنا ، وكرامتنا ، في كل مكان ، بين المحيط والخليج ، والأعداء ، المحليين ، والدوليين ، يعلنون ، الآن ، أنه ، بعد التسوية ، بين الإقليميين ، وقوى الأمر الواقع ، وبين الصهاينة ، لم يعد ، ثمة ، عرب على وجه الأرض . الوطن العربي ، بات يحمل  أسم ، “ الشرق الأوسط ، وشمال أفريقيا ” ، والأمة العربية ، غدت ، ما لا يعد ، ولا يحصى ، من الشعوب ، والقبائل ، والعشائر ، والأقليات ، والطوائف ، والمذاهب ، والأعراق ، إنهم ، من الآن ، فصاعداً ، سينقبوّن ، في دمائك ، ودمائي ، عن عصب ، ما ، ينسبونه إلى عنصرية محلية ، أو إلى عرق أعجمي ، ما ، أو إلى ثأر مرّ عليه الزمن ، وكلها ، مكونات أكثر من كافية ، للفتك ، ببعضها ، بعضاً ، وإنني ، هنا ، وفي هذا المجال   ، أحذرّ ، أن التسوية ، بين النظام الإقليمي بمكوناته ، وبين الصهيونية ، ستعني ، أن “ دولة ” الصهاينة ، والأجهزة التي صنعتها  ، ستتفرغ ، لإدارة الصراعات ، الطائفية ، والمذهبية ، والعنصرية ، والإقليمية ، في الوطن العربي…وميراث الفتن ، والقتل ، والتكفير جاهز للاستخدام ….

( 7 )

أقول ذلك ، للتأكيد ، على أن المعركة في فلسطين ، ليست ، معركة ، من أجل فلسطين ، وإنما من أجل الأمة العربية ، أرضا ، وشعبا ، بالنسبة ، لنا ، نحن القوميين ، أمّا المعركة ، بالنسبة للأعداء ، فهي ، من أجل استمرار هيمنة ، وقرصنة النظام العالمي ، القديم ، الجديد ،  وعلى  كل عربي  أن يختار بدقة موقفه ، وموقعه .

أما ، بالنسبة لقوة “ الدولة الإسرائيلية ” ، وجبروتها ، فهذا ، لم يعد يخيف حتى أطفالنا ، ذلك ، أن  “ دولة إسرائيل ” ، وقوتها ، وهم ، اصطنعه ، حكام الدول الإقليمية ، لتبرير الهزائم ، والاستسلام ، وقد ، انكشف ، هذا ، تماما ، في امتحانات بالغة الدلالة ، آخرها ، كان تجربة لبنان ، عندما ، ضعفت ، الدولة اللبنانية الإقليمية ، وانسحب جيشها من الجنوب ، وعندها حوصرت منظمة التحرير الفلسطينية ، وانسحبت من الجنوب ، وبقي جيش إسرائيل “ الذي لا يقهر” وجهاً لوجه ، أمام أطفال الجنوب العربي ، للبنان ، المحاصرين ، من الجهات كافة ، ماذا جرى…؟

دولة الصهاينة ، والنظام العالمي الجديد ، وركائزه الإقليمية في الوطن العربي ، ساهموا جميعاً في تهريب الصهاينة ، من جنوب لبنان . المهم ، أن الدرس كان واضح الدلالة . فالصهاينة ، لن يصمدوا ، أمام أطفال عرب محررين ، من سلطات القهر الإقليمية …

أما ، بالنسبة ، للعرب اليهود   ، فإن ، الأمة العربية التي حملت مشاعل الحضارة ، ستعرف كيف تحتضن مواطنيها ، وكيف تصفح ، وتسامح ، فهي تعلم أن غالبيتهم كانوا ضحية المخططات المعادية للأمة العربية ، من الخارج ، ومن الداخل على حد سواء ، وما يتعلق بالمستوطنين الصهاينة الذين تم استقدامهم من أوربا ، ومن جنسيات متعددة ، فلهم حق العودة ، والأمة العربية ستطالب لهم بحق العودة ، بقدر مطالبتها بحق العودة لعرب فلسطين ، وبالتوازي ، والتزامن ، وفي الأحوال كلها ، فإن الأمة العربية  لن تلقيهم في البحر ، وإنما ، ستدافع عنهم ، وعن حقوقهم في أوطانهم التي انتزعوا منها ، وإذا كانت العنصرية الأوروبية قد فعلت ذلك للتخلص من مواطنيها ، واستخدامهم وقوداً في مخططاتها للهيمنة على الأمة العربية ، فتلك شيم بعيدة عن شهامة العرب ، وحضارتهم ، وقيمهم …..

( 8 )

هكذا ، فإن الحل القومي  العربي ، لمشكلة فلسطين ، يرفض الصلح ، والاعتراف ، والتعايش مع الكيان العنصري الصهيوني ، لأن مشكلة فلسطين هي مشكلة ارض محتلة ، تم انتزاع أهلها منها بالقوة الغازية ، وبالتالي فإن الحل الوحيد لها يكون بتحريرها ، وإعادة أهلها إلى بيوتهم ، كما أن المستوطنين لتلك البيوت العربية انتزعوا من أوطانهم ، وتم استخدامهم كمرتزقة ، لتنفيذ مخططات استعمارية ، والحل الوحيد لمشكلتهم هو إعطاءهم حق العودة إلى أوطانهم ، فالحل القومي العربي لمشكلة فلسطين ، هو ، حل إنساني ، بالدرجة الأولى . نحن نرى ، أن قوى الهيمنة ، في النظام الدولي ، استخدمت ، وتستخدم “اليهود” الذين هجّرتهم إلى فلسطين ، كمرتزقة ، لخدمة مصالح الهيمنة ، الأنجلو سكسونية ، على العالم ، وأن ، نهاية المرتزقة ، و المستوطنين ، بصفة عامة ، معروفة في التاريخ ، طال الزمان ، أم ، قصر ، ولهذا ، فإن الحل الإنساني ، لجميع الأطراف ، يتمثل ، في ، أن يعود اليهود العرب ، إلى بيوتهم ، في دمشق ، وفي بغداد ، وفي صنعاء ، وفي القاهرة ، وفي الدار البيضاء ، أما ، المرتزقة ، الصهاينة ، البولند ، والروس ، والرومان ، ومن سائر الجنسيات الأجنبية ، فعليهم ، أن يعودوا إلى ، بيوتهم التي هجرّوا منها ، عنصرية ، وقهراً ، وفي ، الوقت ذاته ، يعود عرب فلسطين ، إلى بيوتهم ، في فلسطين ، والتي هجّروا منها ، عنصرية ، وقهراً ، باختصار شديد ، نرى ، تنفيذ ، شرعة ، حق العودة ، لجميع الأطراف ، دون تمييز ، “ حق العودة للجميع ” ، وإلى الذين ، يرون ، أن هذا الحل ، العادل ، صعب المنال ، نسوق مثال المستوطنين الفرنسيين في الجزائر. كانوا تقريبا ً بعدد مرتزقة “ إسرائيل ” عند التأسيس ، وعاشوا في الجزائر ، أكثر مما عاش المرتزقة ، في فلسطين ، ومع ذلك، ومع ارتفاع راية التحرير العربي ، في الجزائر ، عاد المرتزقة الفرنسيون ، من حيث أتوا ، ولم ينتظروا ، أن يلقيهم  أحد في البحر …..

( 9 )

على أية حال ، إلى الذين ترّق قلوبهم على مستقبل المرتزقة الصهاينة الأجانب في فلسطين ، نسوق إليهم المشهد ، الذي لا ينسى ، عندما ألقت “ دولة الصهاينة ” ، على مرأى ، ومسمع ، من، كل ، هذا العالم المتحضرّ ، ومن الدول الإقليمية ، في الوطن العربي ، بآلاف الفلسطينيين ، في البحر ، على سواحل بيروت ، عام 1982   ، هذا ، إضافة إلى الذين ذبحهم المرتزقة الصهاينة ، في صبرا ، وشاتيلا ، وقبل ذلك ، في دير ياسين ، ورغم ذلك ، ورغم المحن …لا نفكر بالأخذ ، بالثأر ، بل ، لن نسمح بذلك ، لأن تطورنا الحضاري ، تجاوز ذلك ، باختصار شديد ، لا بد ، أن نكف عن تعذيب النفس ، وأن نتجه إلى المستقبل ، للانتقال بمشروع النهوض ، والتنوير العربي ، وبمشروع المقاومة العربية ، من مرحلتها ، المصرية ، والجزائرية ، واليمنية ، والإرتيرية ، والسورية ، واليمنية ، والظفارية ، والعراقية ، والفلسطينية ، واللبنانية ، إلى مرحلتها القومية العربية التقدمية ، الحضارية ، فمشروع النهوض العربي ، ليس مشروعاً سياسياً ، أو اقتصادياً ، أو عسكرياً ، أو ثقافياً ، أو اجتماعياً ، أو عقائدياً ، وحسب ، وإنما هو ذلك كله ، إنه مشروع بنيوي شامل ، فلنبدأ ، من الآن، وكلّ ، من موقعه…..

( 10 )

إننا نتحدث من وحي المناسبة العزيزة على قلوبنا عندما فاجأت الجماهير العربية ، الأعداء ، والأصدقاء ، فاجأت الذين يحملون مشروع النهوض ، والتحرر القومي العربي التقدمي ، وفاجأت الذين يحملون المشروع المضاد  ، في الوقت ذاته ، لنقول ، إن الاعتماد ، على قوة إقليمية ، أو طائفية ، أو مذهبية ، أو إثنية ، أياً كانت ،  في تحقيق الأهداف القومية التحررية للأمة العربية ، قد فشل ، فشلاً  ، لاشك فيه ، ولهذا ، نقول ، أن  أي مكوّن  من مكونات الأمة العربية ، لا يملك بمفرده  ، موضوعياً ، إمكانية الانتصار في معركة الأمة ، القومية ، مهما امتلك من إمكانيات ، ومن قوى إسناد ، وهذا ، يحتم على الذين يحملون راية الأمة العربية ، ويتمسكون بالهوية العربية ، أن يؤسسوا المؤسسات الاعتبارية التي تحمل هوية الأمة ، ومشروعها ، بحيث عندما تقرر تقول : نحن الأمة العربية  قررنا كذا … يكون القرار بالفعل ، ذاتياً ، وموضوعياً ، هو قرار الأمة  ، وعلى المقاومين العرب ، ونحن لا نقصد المقاومة المسلحة ، وحسب ، وإنما نتحدث عن المقاومة بمفهومها الشامل الحضاري ، والثقافي ، والإنساني ، أن ينتقلوا ، بالمقاومة العربية ، إلى مرحلتها القومية ، نشأة ، وفكراً ، وعقيدة ، وتنظيماً، وأن يكفوّا عن الانغماس ، بالماضي ، ومستنقعاته ، وفتنه.. فقط عليهم ، أن يستخلصوا الدروس المرة ، لتجنيب الأجيال   العربية القادمة ، المرارة ، والهزائم ، والنكسات ، والخيبات ، هذا ما نستلهمه من جماهير 9و10 “يونيه” 1967 .

حبيب عيسى

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s