المؤتمر القومي العربي إلى أين ؟

المؤتمر القومي العربي إلى أين ؟ 

منير درويش

هذه ليست المرة الأولى التي نتناول فيها المؤتمر القومي العربي والمشاكل التي يعانيها ، لكن هذه المرة بدت الأمور مختلفة جداً ، فبعد أن كانت الكتابة تتوجه نحو آليات عمل المؤتمر وعجزه عن التحول لمرجعية حقيقية للتيار القومي العربي ، أصبحت الأمور أكثر سلبية عندما طالت جوهر أهداف المؤتمر وتوجهاته الديمقراطية التي سعى إليها مؤسسوه الأوائل كمدافع عن حقوق شعوب الوطن العربي في الحرية والديمقراطية ، وبناء مؤسسة فكرية سياسية  تحتضن هذه الأهداف وتعمل على التحرر من الاستبداد والديكتاتورية التي فرضتها الأنظمة ، والانطلاق نحو بناء مجتمعات وطنية ديمقراطية موحدة .

ومع انطلاق ثورات الربيع العربي ، ووضع الاستحقاق الديمقراطي والمطالبة الشعبية به على المحك بغض النظر عن النتائج التي سيفرزها المستقبل لصالح هذا الاستحقاق أو ضده ، فإن أعضاء المؤتمر انقسموا وفق هذه الثورات إلى المؤيد الذي وجد فيها ملامح أساسية تلامس أهداف المؤتمر وتوجهاته التي عمل من أجلها على مدى أكثر من عشرين عاماً . وبين من وجد في هذا الربيع  صفة الارتهان لمؤامرة دولية ضد قوى ( الممانعة والمقاومة ) التي تعمل على مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني ، أو التشكيك بقدرتها على تحقيق الديمقراطية كهدف أساسي لها . ( انظر البيان الختامي الصادر عن أعمال الدورة الثانية والعشرين للمؤتمر  27 – 28 أيار 2011 ) .

إن الأهداف الأساسية التي دعت لتأسيس المؤتمر  وكما ذكرنا هي التعبير  عن تطلعات شعوب الوطن العربي نحو الحرية والديمقراطية وبناء مجتمع متطور مواكب لتطورات العصر من خلال المشروع النهضوي الذي عمل لأجله ، فضلاً عن كونه مؤسسة لتأطير القوى والشخصيات الوطنية والقومية التي تفصل بقوة بين التيار القومي الذي يسعى للحرية والديمقراطية وبين إدعاءات الأنظمة الدكتاتورية  وأحزابها بأنها تمثله ، ويؤسس لثقافة فكرية سياسية ديمقراطية منفتحة على جميع التيارات وخاصة التيارات الإسلامية التي تشكل مع التيار القومي جناحي الأمة التي لا يمكن الطيران بدونهما معاً على أساس التفاعل الديمقراطي الحر ،وبذلك فقد شكل حاضنة لكثير من المثقفين العرب اللذين آمنوا بهذه التوجهات وعملوا لأجلها . إلا أن بعض أعضاء المؤتمر لم يستطيعوا أن يميزوا بين وعيهم كأعضاء في المؤتمر وبين تأييدهم   لهذا النظام أو ذاك ، خاصة وأن شروط العضوية أتاحت انضمام أعضاء من المؤيدين لهذه الأنظمة وأحزابها إلى عضويته  ، أو أن استضافة الدول لدورات انعقاده جعلت هذه الدول تدفع بمؤيدين لها بالانضمام إليه . هذه التركيبة  المتناقضة ظهرت جلية وواضحة في المؤتمر العام لدعم ( الثورات الشعبية العربية ) 18 / 2 / 2011  الذي ضم المؤتمر القومي العربي ، والمؤتمر القومي الإسلامي ، ومؤتمر الأحزاب العربية . بعد نجاح ثورتي تونس ومصر وانطلاق الاحتجاجات في البحرين واليمن وليبيا . حيث ظهرت خلافات حادة بين الجناح المؤيد والجناح المشكك، كل وفق الدولة التي انتمى إليها.  لكن الخلافات بدت أكثر حدة عندما انعقدت الدورة الثانية والعشرين للمؤتمر القومي العربي ، 27 – 28 أيار 2011  . وكانت الاحتجاجات قد انطلقت في سورية أيضاً ، وكادت الصدامات أن تودي بالمؤتمر عندما وقف البعض مؤيداً دون تحفظ للثورات بينما  لم تخلو من التشكيك من قبل البعض الآخر فبدت مواقف هؤلاء  متناقضة لتوجهات المؤتمر الأساسية وفرصته لدعم هذه الثورات تعبيراً عن مصداقيته في خدمة الديمقراطية .

إذا عدنا لجوهر القضية فإن الخلاف حول الالتزام بتوجهات المؤتمر لا يتم التقيد بها ويبدو ذلك واضحاًًًً  حين يقبل  أعضاء من المؤتمر  بالمشاركة في مسؤوليات سياسية  عليا ، كوزراء أو محافظين وهذا ما حصل لأكثر من مرة ، ويحصل الآن في البحرين مثلاً حيث تشغل إحدى عضوات المؤتمر وعضو أمانته العامة لعدة دورات منصب وزير في الحكومة التي رغم بعض الإصلاحات التي   حققتها  هذه الحكومة لإطالة المسكوت عنه لكن هذه الحكومة هي جزء من النظام العربي التي لا تطبق الإصلاحات الديمقراطية وتقمع المطالبين  بها . كما أن بعض الأعضاء جاءوا أصلاً من رئاسة الوزارات دون أن يكون تركهم لها ناتج عن انشقاق عن السلطة بسبب ممارستها الديكتاتورية ، بل بعد إعفائهم  من منصبهم .

فإذا كان تعايش هذه الاختلافات ممكناً قبل انطلاق ثورات الربيع العربي إلا أن استمرارها لن يكون أبداً لصالح المؤتمر ولا يخدم مصداقيته.

في هذا الوضع السياسي العربي المعقد وفي الظروف المعقدة التي تحيط بالمؤتمر ويعاني منها ،وجه الأمين العام للمؤتمر دعوة لأعضائه لحضور انعقاد الدورة الثالثة  والعشرين في تونس 4 – 6 حزيران 2012 ،

إن انعقاد المؤتمر في هذه الظروف وبوجود تلك الاختلافات سيكون له تأثير سلبي ليس على المؤتمر وحده بل على مجمل التيار القومي فضلاً عن النتائج التي لن يكون أقلها تفجر المؤتمر وهو يعاني عزلة واضحة بسبب عدم الحسم في مواقفه من الربيع العربي .

لذلك نجد من الضروري تأجيل انعقاد دورة المؤتمر ريثما تصبح الأمور أكثر ملاءمة ويصبح الجو مهيأ لعقد دورة تكون أكثر هدوءاً أو أقل توتراً

 

دمشق 19 / 5 / 2012                                         

                                                                            منير درويش

                                                             عضو في المؤتمر القومي العربي

          

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s