ضرورة صحوة وتجديد التيار العروبي

ضرورة صحوة وتجديد التيار العروبي

  صبحي غندور

مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن

 

كان العرب قبل ظهور النبوة المحمدية، مجرّد قبائل مستقرَّة في شبه الجزيرة العربية، ثمّ جعلهم الإسلام حملة رسالةٍ ينقلونها إلى مشارق الأرض ومغاربها وينشرون معها الثقافة العربية عموماً، واللغة العربية تحديداً كونها لغة القرآن الكريم. ورغم سوء أشكال الحكم بعد مرحلة الخلفاء الراشدين، فإنَّ ذلك لم يغيّر من الدور القيادي للعرب في العالم الإسلامي، ولا من الامتداد العربي (بشراً وثقافةً) إلى أرجاء كثيرة في آسيا وأفريقيا وبعضٍ من أوروبا.

لكن التحديد الجغرافي لمدى الانتشار العربي حصل في مرحلة الحكم العثماني، الذي استمرَّ أربعة قرون انتهت بمحاولة “تتريك” العرب وفرض اللغة التركية على العرب أنفسهم، الذين منهم انطلقت رسالة الإسلام، وعلى أرضهم سائر المقدَّسات الدينية، وبلغتهم العربية يصلّي مسلمو العالم كلّهم، وبمعرفة هذه اللغة وحدها يفقهون كتاب الله عزّ وجلَّ.

الملامة على حال العرب في الحقبة العثمانية تعود إلى تقصيرهم عن تحمل مسؤولياتهم وليس لجنوح الأتراك فقط، والمحصّلة كانت، أنّ ضُعف العرب والأتراك معاً قد سهّل الغزو الأجنبي للمنطقة العربية. ثم ارتدّت تركيا عن دورها الإسلامي بعد أن أضحت في مطلع القرن الماضي تحتِ قيادةٍ عسكريةٍ تركيةٍ عنصريةٍ معادية للعرب ومستجدية للغرب الأوروبي، فخسرت بذلك هويّتها الإسلامية ولم تكسب الهويّة الأوروبية. ثم شرذم الغرب الأوروبي العرب إلى قطع مبعثرة ومتناحرة بعد أن أفقدهم ما حولهم من مظلّة إسلامية، وأضعفهم أيضاً في قوّتهم الثقافية العربية المشتركة، فارِضاً عليهم ثقافاته الغربية المتصارعة فيما بينها، لكن المتّفقة على عداوتها للثقافة العربية، وساعياً بدأبٍ للحلول مكانها في عقول العرب وعلى ألسنتهم من المحيط إلى الخليج .

هكذا بدأ العرب القرن العشرين الماضي: دون حوْلٍ إسلامي ودون قوّةٍ عربيةٍ ذاتية.

جاء منتصف القرن العشرين ليحمل معه متغيّراتٍ كثيرة في المنطقة العربية وفي العالم ككلّ. فالخمسينات التي كانت موقعاً زمنياًَ وسطياً للقرن العشرين، كانت أيضاً بدء انطلاق حركةٍ قومية عربية وسطية “لا شرقية ولا غربية”، ترفض الانتماء إلى أحد قطبيْ الصراع في العالم آنذاك، وترفض الواقع الإقليمي المجزّئ للعرب كما ترفض الطروحات القومية الأوروبية العنصرية والفاشية، وتنطلق من أرض مصر التي هي موقع جغرافيّ وسط يربط أفريقيا العربية بآسيا العربية، وتعيش على ترابها أكبر كثافة سكّانية عربية تملك كفاءاتٍ وقدراتٍ بشرية ضخمة قياساً بسائر الأقطار العربية الأخرى.

وكانت حرب السويس عام 1956 ثمّ إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، وقبل ذلك إعلان تأسيس حركة عدم الانحياز، كلّها مصادر إشعال لتيارٍ جديد قاده جمال عبد الناصر من خلال موقع مصر وثقلها القيادي، وحقّق للمرّة الأولى صحوةً قوميةً عربية تؤكّد الانتماء إلى أمَّةٍ عربيةٍ واحدة وتدعو إلى نهضةٍ عربيةٍ شاملة في الأطر كلّها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لكن هذه الصحوة القومية العربية كانت “حالةً شعبية” أكثر منها “حالة فكرية” أو “تنظيمية”. فالشارع العربي كان مع جمال عبد الناصر “القائد”، لكن دون “وسائل سليمة” تؤمّن الاتصال مع هذه القيادة. فأجهزة المخابرات كانت هي “وسائل الاتصال” بدلاً من البناء التنظيمي المؤسساتي السليم لهذه الملايين العربية في بلدان المشرق والمغرب معاً ..

أيضاً، كانت الصحوة القومية قائمة على خطب ناصر وعلى بعض الكتابات والشعارات القومية هنا وهناك، لكن دون حسمٍ فكريّ ووضوحٍ مبدئيّ للأسس الفكرية المطلوبة لهذه الصحوة القومية. وكم كان محزناً رؤية العديد من القوى والحركات القومية وهي تتصارع حول أيّة “اشتراكية” وأيّة “قومية” وأيّة “حرّية” تتبنّى كمفاهيم فكرية، أو تنتمي إليها كحركات سياسية، وكذا صراع هذه القوى والحركات حول موقفها من الدين عموماً ومن الإسلام خصوصاً..  بل إنّنا لنجد بعض هذه الحركات  قد حمل الفكر ونقيضه في آنٍ معاً حيث ظهر “القومي الماركسي” إلى جانب “القومي الإسلامي”، و”القومي المؤمن” إلى جانب “القومي الملحد” مع “القومي الطائفي” … والكلّ معاً في “تيار قومي واحد” !!

أيضاً، كان في هذا “التيار القومي الواحد” من هم ضدَّ أيّة خصوصيةٍ وطنية (أي الاعتراف بالكيان أو القطر الوطني القائم) مع من هم يتحدّثون عن “الدوائر المتعدّدة” للانتماء- كما شرح ذلك ناصر في كتابه “فلسفة الثورة” عن التكامل في انتماءات مصر للدوائر العربية والأفريقية والإسلامية.

ولأنّ القيادة الناصرية لمصر جاءت للحكم بواسطة انقلابٍ عسكريّ دعمه الشعب فيما بعد وحوَّله إلى ثورةٍ شعبية، فإنَّ الصحوة القومية ارتبطت في ذهن البعض بأسلوب “الانقلاب العسكري” وبإعلان “البلاغ رقم 1” كمؤشّرٍ لوضعٍ داخليٍّ أفضل يساهم في النهضة القومية العربية!! وكأنًّ حكم العسكر أصبح مشروعاً !! فتحوّل العديد من القوى والأحزاب القومية من أولوية بناء الكوادر والقيادات والعمل وسط الناس إلى أولوية البحث عن ضباط، والعمل وسط العسكر للوصول إلى السلطة كهدفٍ نهائيّ.

ولأنّ سمة المرحلة كانت “معارك التحرّر الوطني من الاحتلال والاستعمار”، فإن هذه المعارك لم تسمح كثيراً ب”الحديث عن الديمقراطية” خاصّةً أنَّ العالم آنذاك كان قائماً على تجربتين: التجربة الرأسمالية في الغرب، وهي التي تقوم على تعدّد الأحزاب والحريات العامَّة مع النظام الاقتصادي الحر، بينما التجربة “النموذجية” الثانية التي كانت سائدة هي التجربة الشيوعية (السوفييتية أو الصينية) والتي كانت ترفض أساساً وجود حزبٍ آخر غير الحزب الحاكم ولا تقبل بأيّ نوعٍ من الحريات العامة في المجتمع، وتقوم على الاقتصاد الاشتراكي الموجَّه والمُسيطَر عليه من قبل الدولة.

لذلك كان من الطبيعي في منطقةٍ عربية تريد التحرّر من الغرب الرأسمالي (كحال معظم دول العالم الثالث) أن تطلب المساندة من “الشرق الشيوعي” وأن تتأثّر بمفاهيمه للحكم سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وألاّ تقبل الجمع بين التحرّر الوطني من الغرب وبين تبنّي صيغه الدستورية والاقتصادية والثقافية في أنظمتها.

تلك مرحلة قد انتهت في مصر وفي العالم، لها ما لها وما عليها، لكن ما زالت سلبيات تلك المرحلة “حالة قائمة” في وسط بعض القوى القومية العربية ولم تدرك بعدُ هذه القوى أنَّ القومية العربية أو العروبة هي هويّة أو حالة انتماء وليست مضموناً فكرياً وسياسياً قائماً بذاته. أي لا يكفي القول “إنني قومي عربي” لأحسم موقعي أو موقفي الفكري من قضايا لها علاقة بالدين والديمقراطية وبالواقع العربيّ الراهن والصيغ الدستورية للحكم.

خلال حقبة الأربعين سنة الماضية، تفاعلت قضايا عديدة في المنطقة والعالم، كانت بمعظمها تحمل نتائج سلبية على التيار القومي العربي فتنقله من كبوةٍ إلى كبوة، وقد امتزجت كسلبيّات مع انجذابٍ أو اندفاعٍ في الشارع العربي إلى ظاهرة “التيَّار الإسلامي” الذي دعمته آثار نجاح الثورة الإسلامية في إيران، إضافةً إلى التأثر بالحملات الإعلامية الكبيرة عن ظاهرة “المجاهدين الأفغان” ضدَّ الشيوعية.

وكان من الطبيعي بعد سوء طروحات وممارسات عدة حركات قومية وأممية شيوعية، أن يبتعد المواطن العربي عن هذه الحركات وأن يلتجئ إلى أطرٍ سياسيةٍ وفكرية تحمل مشاريع ذات سمات دينية، وأن يراها كأساسٍ صالحٍ لمشروع نهضةٍ قادمة.

لكن المشكلة أن بدائل التيار القومي كانت وما زالت مصدر شرذمة وإنقسام على المستويين الوطني والديني، خاصة أن معظم البلاد العربية قائمة على تعددية طائفية أو مذهبية أو إثنية، أو كل ما سبق، كما هو الحال في بلاد المشرق العربي والعراق والتي هي الآن محور الصراعات المتفجرة في المنطقة ومحطة التحدي مع مشاريع الهيمنة والاحتلال والتمزيق.

أيضاً، توزَّعَ بعض هذه الحركات الدينية ما بين الطرح التقليدي السلفي وبين حركاتٍ عنفية شوَّهت في ممارساتها صورة المسلمين والدين نفسه.

لذلك سيبقى المطلوب عربياً هو بناء تيار عروبي يقوم على مفاهيم فكرية لا تجد تناقضاً مع دور الدين عموماً في الحياة العربية ولا تجد تناقضاً مع تعدّدية الأوطان بل تعمل لتكاملها، وتقوم على الديمقراطية في نظام الحكم وفي أساليب المعارضة. تيار عروبي يرفض استخدام العنف لتحقيق دعوته أو في علاقاته مع الآخرين، ويميِّز بين الحقّ المشروع لأبناء الأوطان المحتلَّة بالمقاومة ضد قوات الاحتلال، وبين باطل استخدام أسلوب العنف ضدّ غير المحتلين وخارج الأراضي المحتلة. تيار عروبي يدعو للبناء السليم للمؤسسات العربية المشتركة، وللمنظمات المدنية المبنية على أسلوب العمل الجماعي الخادم لهدف وجودها. تيار عروبي تكون أولويته الآن هي حماية الوحدة الوطنية في كل بلد عربي وليس الإنغماس في وحل الصراعات الأهلية.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s