الاستبداد ليس وسيطا بين الشعب ومستقبله

الاستبداد ليس وسيطا بين الشعب ومستقبله..

مطاع صفدي

هل يمكن لسلطة القهر أن تقود سلطة حوار. ذلك تساؤل لا يعرفه المستبدون وهم في أوج قوتهم. وقد لا يخطر ببال بعضهم، إلا وهم على وشك الانحدار عن عروشهم .. الديكتاتور العربي ليس له خيار حرّ، إلا أن يكون هو ذاته ، أو لن يكون . فما هي الأفكار والمهمات التي قد يقبل الديكتاتور أن يقدمها، سوى ما تمتلكه قوة القهر وحدها، هل يتنازل عنها. ماذا يتبقى له من التفوق غير العادي على كل مجتمعه. ذلك الآخر الذي أصبح هو عدوه الحقيقي .

أخشى ما يخشاه الطاغية، هو انكشاف أسباب طغيانه. ذلك أن هذه الأسباب لا ترجع إلى ما يدّعيه من تمتّعه بطاقات القوة وإرادتها المتصدّعة تحت ضربات المعارضة، بل هي في محاولته التعويض عنها بالنقلة من إرادة القوة (المنهارة) إلى إرادة القهر وحدها. ذلك أن ممارسة الطاغية للقهر تمنحه شعوراً بإمكانية حماية استباقية مما ينتظره من قبل الآخر، بعد انكشاف خوائه حتى من أقنعة السلطة المغتصبة أصلاً. فالعنف المطلق هو المصير المطلق الذي ينجرّ إليه الحاكم المستبد. سقوط مشروعيته الإنسانية في عين شعبه قد يسبق سقوطه (الدستوري)؛ وفي هذه الحالة، لا يتبقَّى للطاغية ثمة طريقٌ للتراجع مع الاحتفاظ بمنصبه. إذ يصبح المنصب مأهولاً بمن لا يستحقه ، ولم يكن يستحقه منذ البداية . إلا أن استمرارية التسلّط وحدها قد تؤجَّل إلى حين مسألة المشروعية / اللامشروعية لكل حاكم مغتصب لِقِمّة الدولة . هذا الاغتصاب المتمادي زمنياً وإجرائياً يمنح الطاغية شعور المالك للدولة كلياً، والسَيّد المطلق على شعبها.

ما يعنيه الطغيان، لغوياً، هو تخطي الحدود، التنكّر أنَّ لكل شيء حدوداً؛ فما يفعله الطاغي هو أن وجوده يقوم على أساس إلغاء وجود الآخر، بمنعه من التمتّع بحقوقه الطبيعية، التي هي المعادل الإنساني لوجوده. في حين أن الطاغي لا يقبل بغير الطاعة من قبل المحكومين. يغدو مفهوم السلطة هو التسلّط، ومفهومُ الحكم هو التحكّم.. إنه الطغيانُ يلغي كلاً من الأخلاق والسياسة معاً. فينحدر المجتمع من كائنات بشرية إلى مجرد ناس محكومين. هذه الصفة تعود إلى أصلها اللغوي الخام. تفقد حمولتها من دلالات القيَم والقوانين والمفاهيم الثقافية. يصير من العبث مطالبة الطاغية بأية إصلاحات، ما يعنيه هذا المصطلح في لغته: هو أن يولد من الطاغية الحاكمُ العادل. فكيف يمكن أن يصبح طائعاً لقوانين لا يعترف بها، لكنه يفرضها على كل الآخرين، ليبقى وحده خارج كل مسؤولية، وما فوق الجميع دائماً.

حينما يمارس الطاغيةُ وطغْمَتُه أفانينَ الفساد علناً وجهاراً، هذا يعني بكل بساطة أنه وطغْمَته، ليسوا خارج المساءلة فحسب، بل لأنهم، واقعياً خارجَ المشروعية، فلهم (الحق) في اقتراف كل ما ليس مشروعاً، وبالتالي ما ليس أخلاقياً.. ابن علي، مبارك، القذافي، ثلاثة طغاة صغار من نوع مختلف عن نماذج الديكتاتوريات الفاشية المطلقة للقرن العشرين. لكن هؤلاء العربان الثلاثة كانوا أشبه ببعض سلاطين آل عثمان في مرحلة أفول الإمبراطورية. لم تكن لدى أحدهم أية أيديولوجيا فكروية، ولا حتى أية ميزة شخصية. فالعمالقة: ستالين، هتلر، موسوليني كانوا قادة تاريخيين. كتبوا أخطر أحداث القرن العشرين، تزعموا حرباً عالمية هائلة أودت بعشرات الملايين من شعوبهم: ولو انتصرت تلك الحرب، وكان ذلك احتمالاً وارداً، لكان عالم اليوم الذي نعيشه هو غيره مطلقاً.

الطغاة العرب الثلاثة، وأمثالهم الباقون إلى حين، هم مجرد سُرّاقٌ عاديون، وصلوا في غفلة من الدهر إلى قمم السلطة بالأسلوب الانقلابي (البلدي) ومشتقاته. كان أخطرهم ولا شك فرعون مصر. فقد أتيح له أن يحطم كل الخطوط الحُمْر لما تبقّى من محرّمات الوطنية الاستقلالية والقومية لشعب مصر ولقارة العرب ومعظم الإسلام. فالاستيلاء على القرار المصري، لثلاثة عقود، كان بمثابة القبض على (المارد) العربي، وتحْجيمه في أصغر قمقم، والقذْفِ به إلى مستنقعات التيه الأبدي. ثلاثون عاماً قضاها الحكم الفرعوني في تصفيةٍ مُمَنْهجة لمختلف مكتسبات نهضة مصر، ودورها الريادي في حماية الاستقلال القومي لها ولعالمها العربي من حولها. فلم تكن اتفاقية ‘كمب ديفيد’ مع إسرائيل لتتحوَّل إلى حلف شبْه عضوي بين النظام المصري (المطبّع) وسلطة ‘تل أبيب’، لو لم يتم تدمير أهم مكتسبات تلك النهضة الفريدة، في تاريخ مصر، كانت متمثلة في تفعيل مركزية دورها في كل قضية عربية مصيرية شاملة.

لائحة التصفية لهذه المكتسبات طويلة ومتشعّبة، لكنها محكومة كلها بتحقيق (عزلة مصر)، ذلك الهدف المحوري لعلاقة الأمركة المتصهينة بكل ما له اسم عربي أو إسلامي في قضايا العصر الإنساني الراهن؛ ما تعنيه العزلة هنا ليس انزياحاً جغرافياً لمصر عن محيطها، وهو أمر مستحيل.. بل هو تعطيلُ ديناميتها الذاتية عن التفاعل الطبيعي مع بقية الجسد العربي وقواه الناهضة؛ فالعزل هو فصل عضو رئيسي عن ذلك الجسد. قد لا يكون هو الرأس او هو القلب، لكنه شيء حميمي من لحم ذلك الجسد وروحه. ما يعني أن عزل مصر لن يتحقق انعزالاً ذاتياً أبداً، إلاّ أن يكون فرضاً أجنبياً. يفعل قوة قاهرة تستولي على أعلى مراكز القرار. فقد جاءت ديكتاتورية مبارك تعبيراً محلّياً عن هذه القوة القاهرة، التي ، بفضل هذه الديكتاتورية التي تنتجها، يمكنها أن تغطي احتلالاً أجنبياً بكل معنى الكلمة، تحت ستار (وطني) زائف.

خلال الثلاثين عاماً المنقضية ثبت في العقل الصهيوني أن إسرائيل تستطيع أن تحكم الوطن العربي من خلال عاصمته الكبرى: القاهرة، فكانت وقائع التحولات المشبوهة، والانحرافات الخبيثة التي عمّت سياسات الأنظمة العربية، جميعها، ومن دون تمييز بالنوع وليس بالدرجة فقط، لا يمكن تفسيرُها أو فهمُها إلا بمرجعية مبدأ العزلة هذه؛ فقد أصبحت هي نظام الأنظمة العربية الحاكمة جميعها. أدخلتها كلها في خانة الحكم المطلق، مخْتَصَراً في وظيفة احادية تفرض غياباً مطلقاً للمجتمعات المحكومة.

نادي الحكّام الطغاة بزعامة الفرعون المصري كان له سند جغرافي واحد هو الكيان الإسرائيلي. لم يعد مجرد سياج لشعوبه ما وراء حدود هذا الكيان الدخيل. صار مبدأ العزلة متبادلاً بينهما، متسانداً من قبل أقطابه فيما بينهم. فقد فضّل نظامُ الطواغيت الانضمامَ إلى عزلة إسرائيل، على الالتحام مع مصالح مجتمعاته؛ إذ كيف تشابهت أنظمة الطواغيت في كل شيء تقريباً، في تطبيقات ‘الفحش’ في مختلف ميادين السلطة والاقتصاد والثقافة؛ فكانت أنظمةً فاحشةً في اقتراف الفساد والعنف، وإهانة الأخلاق والمبادئ والأعراف، مطبّقةً على تفاصيل الحياة اليومية لرموزها، واعوانها، وحتى العميق من بعض الطبقات والشرائح الاجتماعية.

ثلاثون عاماً من عزلة مصر كانت أمة العرب خلالها معزولةً شعوبُها عن أدنى تأثير لها في أبسط شؤون حياتها اليومية. فالطغيان السلطاني ليس مجرد سلطة سياسية حاكمة، عابرة لأقطار العرب ومعظم الإسلام؛ إنه الحكْم المُبرم بعزلة الأمم الخاضعة، عن ذواتها الإنسانية أولاً. إنها تعميق الانفصام بين واقع هذه الأمم وإرادتها، بحيث تغدو مشاريع التغيير أشبه بألاعيب الخيال منها بأفعال الرجال القادرين الأسوياء؛ فليس غريباً أن تسود ثقافة النكسات، فردياً وفئوياً، في كل شأن مدني أو حضاري. حتى يمكن القول أحياناً أن الطغيان ليس هو علّة كل علّة، وإنما هو نتيجة لأسوأ العِلل كلها. وإذ يرزح تحتها المجتمعُ الفاشل مدنياً، فيسقطها رمزياً على نموذج حاكمه الطاغي الأكبر، كأنما يجْلد نفسه بسوط جلاده عقاباً لعجزه المستديم، عن مقاومته. ليست فرعنة مصر، واستنساخ أقزامها عربياً لثلاثة عقود بائسة، إلا أشبه بعقوبة رهيبة شاملة، منقلبة على ضحاياها أولاً، وكأنها من تصميم وتنفيذ (أبطالها) الفاشلين قبل سواهم. فقد حَكَمَ هؤلاء على ذواتهم ومجتمعاتهم معاً بالإقامة الطوعية/القسرية معاً، في زنازين عصر كامل من الاستبداد (الفوقي)، كبدائل عن زنازين خيباتهم المدمِّرة؛ ألم يكن أكثر من (ثوري) خائبٍ مرشحاً ديكتاتوراً على أنداده لو سنحت له فرصة الأقدار العجائبية المعروفة في كتابة أبشع الصفحات دموية في سِيَر طواغيت الصُّدَف العمياء الصانعة لتاريخ السُلَط العربية، فريدة نوعها.

لا نقول ان شعوبنا المستكينة أنتجت طواغيتها، وإن كانت هي الحاضن (الأمومي) لنماذج الاستبداد الأهلوي كما في معظم العادات والتقاليد الأبوية المسيطرة. لكن عنف التسلط السياسوي المتبلور في قمم أشباه الدول العربية المستقلة حديثاً، شكّل أفضل وسيلة، ذاتية أهلوية، للمستعمر، لإعادة تفريغ الاستقلال السياسي من بذور النهضة المدنية القادمة؛ فحوّل هذا العنفَ البدائي إلى بنية المؤسسة الحاكمة الفعلية لتكون هي المنتجة وحدَها لمتغيرات الدولة الفوقية؛ بحيث يسير تطور كل من المجتمع والدولة في اتجاهين متعاكسين دائماً. المجتمع ينخرط في جدلية التقدم بالرغم من كل عثراته. والدولة المتسلّطة منشغلة بعزل بنيتها وسياستها عن هذه الحركية التلقائية للمجتمع، وأكثر من هذا فإنها تعرقل التقدّم أو تحتكر بعض ثماره لصالح مراكز القوة في قمتها.

خلاصة القول، فإنَّ نُضْج الثورة العربية الملازمة لثقافة النهضة الاستقلالية والمقموعة تارة والمنحرفة تارة أخرى، هذا النضج العسير وغير المثمر بعد، من المفترض أن يعي إشكاليتَه المعقدَة هذا الجيلُ الشبابي القائد والممارس لبوادر الثورة الجديدة. فالمعركة مع الطواغيت هي البداية، على أن يتبعها البحثُ العقلاني المعمق عن المؤسسة المجتمعية والأجنبية معاً الأشد خفاءً وتأثيراً، وهي المفرّخة والحاضنة لسلالة الطواغيت.

ما إن سقط آخر فرعون مصري حتى رجعت السلطة هماً شعبياً حياً في بيوت الناس وأمكنتهم العامة؛ تمَّ تحطيمُ عزلة مصر، بكسر عزلة السلطة عن شعبها؛ لم يعد يمكن فصْلُ السياسة عن شرعيتها الحقيقية المستمدة أصلاً من الأخلاق العمومية. إذ تعود الجماهير العربية إلى ساحات مدنها وقُراها بعد انحباس قديم مديد وراء حيطان بيوتها الصامتة. تتكوّن هكذا قواعدُ الديمقراطية العفوية، بدءاً من تكوّن هذه ‘الجمعيات العمومية’ التي ستسقط عزلة السياسة، وتعيد تواصلها العضوي مع هذه الكلمة البسيطة : الأخلاق .

ذلك هو (حوار) الشعب مع ذاته، بعد عصر الطواغيت الراحلة، وليس قبله أبداً!

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s