هل تحيي الثورة ذاكرة الكليات المنسية عربيا عالميا؟

هل تحيي ‘ الثورة ‘ ذاكرة الكليات المنسية عربيا عالميا ؟

مطاع صفدي

‘ الاستعمار بالوكالة ‘ ليست عبارة مشتقة من الأدب السياسي ، لكنها تصوير لاستراتيجية متكاملة ، تقود العلاقات المعقدة ما بين الغرب وما يعتبره مجاله الحيوي المتاخم له ، حول معظم شواطئ البحيرة المتوسطية.

هذا المجال الحيوي لا يكاد يعترف الغربيون أنه ليس مجرد مساحة ما من جغرافية اقتصادية ، من ثروات طبيعية هائلة وأسواق ومشاريع تنموية مدنية وإستثنائية عملاقة ، أن له جغرافيته البشرية كذلك . وهذه الخاصية ليست ثانوية ، لكن فلسفة ‘ الاستعمار بالوكالة ‘ قد دلتها تجاربها الخصبة الماضية ، أنه يمكن التعامل مع أحوال هذه الجغرافية البشرية ، بصور مختلفة كثيرة، تجعلها فاعلة من درجة تابعة غالباً ، وليست فاعلة أولية ، حتى في أخصّ شؤونها اليومية والحياتية .

يمكن تعداد هذه التجارب الرئيسية من خلال نظرة إجمالية سريعة ، كان الغرب خلالها يتخلص تدريجياً من أعباء استعماره القديم ، الموصوف بالاحتلال العسكري لأوطان الآخرين . كانت بداية هذا المنهج مع تحريك حقبة الانقلابات العسكرية في الدول العربية السابقة لغيرها في الفوز بالجلاء الأجنبي عن ربوعها ؛ وقد لعبت الجيوش الوطنية أدوارَ الاستحواذ الوراثي لآلية نوع السلطة الفوقية المنقولة عن نموذج السيطرة الأجنبية السابقة . غير أن ‘ الجيش الوطني’ في تلك الحقبة ، لم يكن قادراً على الحكم لوحده باسمه المؤسسي . كان مضطراً مع كل انقلاب ساقط وآخر صاعد ، ألا يأتي إلى كراسي السلطة إلا مصحوباً بأعلام أشمل الأهداف والمطامح الشعبية المرفوعة حينها . فوق هامات الحركات الشعبية السياسية ، المؤطرة آنذاك في أحزاب اليسار القومي والاشتراكي .

لم يكن للحقبة (الانقلابية) أن تستمر من دون أن تنتج سريعاً حقبة موازية ومساعدة تحت عنوان الحروب الإقليمية مع العدو الإسرائيلي الدخيل . ولكن عندما استنفدت هذه الحروب أغراضها من دون طائل بالنسبة للعرب والفلسطينيين منهم بخاصة ، فقد تمَّ تحويل نتائجها العسكرية السلبية إلى وثيقة استسلام مصري عربي (معاهدة كمب ديفيد) ، سوف تُنهي واقعياً ثقافةَ الصراع العربي الاسرائيلي من قاموس السياسة الإقليمية الرسمية ، ويكون مآلها الاستراتيجي إلى انطلاق الحقبة الثالثة ، تحت طائلة الحروب الأهلية التي تقلب منطق الصراع الحدودي الإقليمي مع الغزو الصهيوني الاستيطاني ، إلى صراع ذاتي لكل قطر قيادي على حدة ما بين مكوناته العنصرية والمجتمعية . فلا ننسى أن تفجير طائفية لبنان الدموية مدةَ خمسة عشر عاماً متواصلة ، قد أطاح بأهم قضيتين كانتا أشبه بمنكِبيـْن رافعين لكيان النهضة العربية المعاصرة هما فلسطين والوحدة ، إذ كان ثَبُتَ في وجدان جيل الاستقلال أن استعادة فلسطين تشكل مدخلاً وحيداً إلى استئناف تكاملية التراب الوطني ، حاملاً لتماثلية شعوب الأمة الواحدة. لكن حرب لبنان دشنت انقلاب مسيرة النهضة نحو جملة أضدادها دفعة واحدة .

ما يعني أن إعاقة كل أجندة سياسية واعدة بتغيير حقيقي قادم سوف تصبّ في استلاب النهضة لمصطلح (مجالها الحيوي) ، وتكرّس هذا الاستلاب لمنطق اللصوصية الأجنبية . هكذا سيطرت الحقبة الرابعة من مسيرة النهضة المغدورة ، على مجمل حركات التغيير تحت أُطرٍ من الحزبيات ، أو التيارات الثقافية أو الأنظمة الحاكمة ، كل تلك التصنيفات المستلهمة للفظيات الثورة ومشتقاتها . أو ‘ التنمية ‘ ونظرياتها المستعارة قد أضاعت صدقيتها ، فمن جديد يُحالُ بين النهضة ومجالها الحيوي . كأنما قضاياها الإنسانية أصبحت أعباء لا طائل تحتها ، لن تكون هي الحاكمة لمصائرها، مثلما لن تكون النهضة هي الدارية بثرواتها ، ولا المستفيدة من استثمارها، بينما ساهم المال العربي بأدوار حاسمة ، ولكن مخفية ، في إنقاذ رأسمالية الغرب ، والأمريكية منها بنوع متميز، من أزماتها الليبرالية ، والمصرفية المتلاحقة منذ سنوات ، هذا فضلاً عن احتكار شركات الشمال الكبرى لمعظم مشاريع التنمية العملاقة ، الهادرة لثروات النفط العربي. فالأرقام الفلكية الخيالية من الموارد والثروات الهائلة التي كان يمكن للوطن العربي بالأقل القليل من شوارد هذه الأرقام أن ينتج نوع المدنية المفقودة حتى اليوم في معارض أو متاحف العالم المعاصر . لكن الغرب سلب من العرب مجالهم الحيوي . صار هذا المجال نهباً مشاعاً لأكبر لصوصيات القرن العشرين وما بعده ، بمساعدة أنظمة الاستعمار الداخلي بالوكالة عن حلفائه / أسياده الأجانب .

ما كان يُسمّى بنظام الأنظمة العربية الحاكمة ، لم يكن له ثمة من دور مقبول دولياً سوى حراسة الشريك الأضعف لصفقات اللصوصيات الكبرى الأجنبية . فالسياسة المحلية تعلمت من شريكها الدولي أن تكون خادمة للاقتصاد الريعي ، وليست قائدة له في أي حال . وإذا ما انحرف عقل بعض الزعماء العرب نحو شعارات الاقتصاد الوطني المستقل ، وليس نحو ممارسة بعض إجراءاته ، فسوف يقف نظام الأنظمة هنا ضده بالمرصاد ، قبل أن يتلقى الضربة القاضية من أسياده الأجانب . فلقد عاشت النهضة تاريخها المعاصر على إيقاع هذا القانون الجبار، حتى كادت الطلائع المهتمة بالشأن العام تفقد رهانها المركزي على أولوية كل مشروع إصلاحي أو ثوري يشترط التكامل بين الاستقلالين القطري والقومي . بمعنى أن تجارب المتغيرات المحصورة أو المحاصرة داخل كل قطر على حدة ، قد أوصلت تناقضاتها العقيمة إلى محصول الدولة الفاشلة . إذ أن استمرار خارطة القطريات قد عزَّزَ بروزَ الأقلويات المجتمعية ، فالشرذمة السياسية ، فالانقضاض السهل على مراكز الحكم كوسيلة مباشرة لإخضاع كل شأن عام إلى أضيق الاستثمارات الشخصية للفئات الحاكمة وحواشيها ، المشتغلين على رَسْملة السلطة لجنْيِ الأرباح الباهظة غير المشروعة غالباً .

ذلك هو الواقع الإنساني والسياسي البائس الذي انتهى إليه عصرٌ كامل من حطام الآمال العامة للغالبية العظمى من شعوب الأمة . فالاستبداد المعمم ( قومياً ) لم يكن خياراً مسبقاً لأحد، أو لأي حزب أو فئة طامحة لارتكاب كل المعاصي وصولاً إلى مبتغاها. لم يكن كذلك حتى للبعض من المستبدين أنفسهم ، الممارسين لخطاياه وجرائمه . بل كان الاستبداد ومازال الإشارةَ السياسية عن محصّلة موضوعية ، من تراكم نفايات المشاريع السلطوية الزائفة للتغيير القومي والفئوي ، المقطوعة سلفاً عن مواردها الضرورية ، والمدمِّرة لعناصر المجال الحيوي (للأمة)، من ثرواتها البشرية أولاً ، قبل المادية والطبيعية .

إن حرمان النهضة الاستقلالية من مجالها الحيوي الذاتي داخل جغرافيتها البشرية والطبيعية ، وذلك لحساب اللصوصية الدولية ، فرض عزلة السياسة العربية في أمكنة الفراغ ما فوق مشكلات الناس والتاريخ معاً . ولذلك كان أمراً عادياً أن يملأ هذه الفراغات الفوقية كلُّ طائر هائم مقصوص الجناح مقدماً ، مانعاً تحليقَ كل مخيال جماهيري ما فوق عشه العنكبوتي . خارطة التجزئة الكيانية لا يقتصر مفعولها على تقسيم أرض الوطن وأمته ، بل سوف تغدو بمثابة الفاعلَ الأقوى غير المباشر داخل كل قطر، المساعد على التقسيم الرأسي لهرم مجتمعه ، بحيث لا يكون جمهوره القاعدي قادراً أبداً على التحكم في قمته . ما يعني أن التمزيق الأفقي الجغرافي سيظل هو الضامن لبعثرة كل كتلة جماهيرية حول محورها العمودي غير القائم .

من هنا، يمكن القول أن الثورة العربية العائدة راهنياً تتوالد قطرياً ، لكن مغزاها البنيوي والتاريخي هو شمولي قومياً وإنسانياً . أي أنها لن تستكمل انتصارها في قطر من دون أن تنتصر نماذجها في الأقطار الأخرى . إنها ثورة الإنسان العربي من أجل استعادة حقوقه الطبيعة على كامل أرضه ، وأولها استرداد الحق في تحرير مجاله الحيوي من كل مستلب لحريات شعوبه وثرواتها المادية والمعنوية . فليس إعصار الإطاحة بحكام الاستبداد سوى التمهيد الضروري لانكشاف الواقع الحقيقي للوجود العربي الذي يناقض تماماً معطيات كل خارطة سياسية أو إجتماعية واقتصادية متداولة تُلصق به ، وتحاول اختزاله في مظاهره الزائفة الدخيلة والمفروضة..

الثورة الربيعية تضع حداً لأسطورة الانحطاط المستديم ، لمفرداته من الفقر والجهل وقابلية النهب والاستعباد . تلك الخصائص التي سوف تتحول إلى وصفات نمطية ، تسوِّغ نسخة أخرى لصيغة الاستعمار بالوكالة ، إذ لا يتبقَّى حكّامُ الاستبداد هم رموزه الوقحة وحدها ، بل قد يستنسخ المجتمع المستعبد صورةً أخرى عن الاستعمار بالوكالة يُلصقها بذاته . يصير هو الآسر والأسير معاً. وفي هذه الحالة قد يغدو المجتمع نفسه استبدادياً وليس حكَّامُه فقط .

الثورة المضادة تعي انقلابَ هذه الأُولية ، فتحاول أن تنقل أفاعيلها إلى صميم بعض الممارسة الثورية عينها . ولعل أخطر تحريف للثورة هو انقطاعها عن مواردها الحيوية في جماهيرها ، حين تنجرُّ إلى المجزّأ والأقلوي والفئوي . فالثورة أصلاً هي إشارة الكوني الإنساني المنفتح ضداً على كل أقلوي مصلحي منغلق . الثورة هي إعادة الحاكمية للكلي . وهذا ما تعرفه ثقافة الغرب ، وإن أساءت بل منعت تطبيقَ هذا المبدأ خارج محيطها . سوف تخشى الربيع العربي الذي يبدو لها أنه مؤهّل لممارسة مبدئية الكلي ، بما يجعل العقل الاستراتيجي الغربي يعتقد أنه إذا ما تركت عواصف الربيع العربي لذاتها ، تهبّ في كل مكان يسيطر عليه سلطان العناكب الصفراء والغربان السود ، فلن تبقى ثمة استراتيجية لتملُّكٍ أجنبي من مجال حيوي لوطن مغلوب على أمره .

لذلك ترفع الهجمة الغربية الجديدة على مواسم الربيع العربي في أوطانه الرائدة ، عنوانَ التصدي لكل ما هو كلي بإثارة أضعف جزئياته ، ولكن بأخبثها ، بما تنطوي عليه من سمومها أو عفوناتها الدفينة .

مقابل هذه الهجمة التي يتابعها ، هنا في الغرب نفسه ، بعضُ دعاة الوعي التنويري المعارض والناقد ، قد تحتاج حقاً إلى ثورة فلسفية مختلفة ، تتلامح بعض آفاقها في نظرات مفكرين أحرار؛ إنهم يجددون دعواتٍ أصيلةً تذكّر بسيادة ثقافة الكليات الحقيقية على الجزئيات العارضة ، يرى الجريء منهم أن العالم مقدِم على ثورة عارمة ترفع مبدئية عدالة التوزيع، إنطلاقاً من لحظةِ أن تفوز الحضارات بمجالاتها الحيوية ، دون تنازل للقوي منها ، أو الشروع في العدوان على بعضها من بعض آخر . كأنما أصبح هؤلاء الأحرار حريصين على سلامة المسيرة لإنجازات هذا الربيع في ساحاته الوطنية ، كيما يتطور إلى عقيدة كل الناس ، حينما يكتشفون مرة بعد مرة أنهمُ ولدوا أحراراً جميعاً ، ويمكنهم أن يظلوا هكذا دائماً .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s