القومية العربية : انتماء وحركة

القومية العربية : انتماء وحركة

د. كلوفيس مقصود

العرب اليوم على عتبة مرحلة جديدة من تاريخهم ، والمرحلة المقبلة التي يجب أن نعد لها منذ الآن تتميز بضرورة ترسيخ القواعد الأساسية لبناء مجتمع أفضل لأبناء الوطن العربي ، وهذا يتطلب تعميق المفاهيم ودقة المقاييس التي نعالج بوساطتها مشاكلنا الفكرية والسياسية والاجتماعية ، فكل مرحلة جديدة يجب أن تحتوي ، بجانب خلاصة المراحل التي سبقتها، العناصر الجديدة التي أدخلها التطور وسير التاريخ .

إن المقاييس التي استعملناها في الماضي مهما كانت صالحة ، فان التزامنا إياها كمقاييس مطلقة- متخطين بذلك المراحل الزمنية والظروف التاريخية التي أوجبت علينا هذا الالتزام – يجمد فينا طاقة الانطلاق والتفاعل الحي ، فالأهداف مهما كانت سليمة ، والمثل مهما كانت سامية ومنسجمة مع مستلزمات الواقع ، فإنها تبقى ناقصة إذا لم يلازمها أسلوب متطور في المعالجة، يكون أداة لتحقيق هذه الأهداف وتلك المثل ، والذي يحقق تطور أسلوب المعالجة واستيعاب التغييرات الكيفية في المجتمع وفي الطبيعة ، هو الذهنية التي تعمل لربط الأهداف بالاسلوب، فالذهنية التي ترى في الأسلوب الناحية العلمية من النشاط الانساني ، وتتصوره مستقلا عن الهدف المفروض فيه تحقيقه ، هي ذهنية غريبة عن الأهداف السليمة والمثل التي تدعي العمل من أجلها، فإما أن تكون مضللة ، وإما أنها غير مستوعبة لما تدعي العمل من أجله .

يقودفني إلى هذه المقدمة الملابسات العديدة التي تحوم حول مفاهيم القومية العربية ، والتي ، على الرغم من التزامنا كلنا بها ، فاننا نجد البلبلة مع ذلك متفشية أكثرمما هي اليوم ، في الاوساط التي ينتظر منها أن تكون طليعة التوجيه في الوطن العربي .

وما أسجله ليس الا محاولة لتوضيح بعض الملابسات ، لعلها تلقي ضوءا على بعض  الأخطاء التي ارتكبتها الطليعة العربية ، ونستعين بها على تجنب أخطاء مماثلة في المستقبل، فالاخطاء المعروفة قد تكون حافزا لتعمق الصواب ، أما الاخطاء المهملة فقد تؤدي الى كوارث، ولذلك فالاعتراف بالخطأ هو تقرب الى الحقيقة ، أما تكديس الاخطاء فهو ابتعاد خطير عنها. فالخطأ في ذاته تكون فاعليته هدامة إذا استتر ، وبناءة إذا انكشف ، ويتوقف ذلك على الاطار الذهني الذي يحدد نظرتنا إليه .

فحركة القومية العربية حققت انتصارات عظمى ولكنها أيضاً ارتكبت أخطاء ، فإما أن نعترف بها فتتوضح لنا معالم الحق في قضيتنا ، وإما أن نتجاهلها فنكون بذلك قد اقترفنا تكديس الاخطاء والابتعاد عن الاهداف التي صممنا على تحقيقها .

تحديد المفاهيم

ومن هنا تتجلى أهمية تحديد المفاهيم تحديدا واضحاً ، وهذا لايحصل إلا باستعمال مسئول للكلمات المعبرة عن اختلاجات الفكر فينا ، هذا ما يحدونا بالتالي إلى تحديد موضوعي علمي للقومية العربية التي هي الاختلاجة الفكرية الرئيسة المعبئة للطاقة العربية الحديثة .

القومية في الواقع العربي لها مدلولان :

الأول انتمائي والآخر حركي .

ففي المدلول الاول يُعد كل فرد من أبناء الشعب العربي قومياً عربياً  لمجرد كونه أحد أبناء الأمة العربية ، وهذه حقيقة راسخة لا تتغير ولا تتبدل فهي ملازمة لشخصيتنا ولوجودنا كشعب وكأفراد وكأمة ، فمن الوجهة الانتمائية نقول : القومية العربية باقية مادام هناك أمة عربية وشعب عربي .

أما المدلول الآخر للقومية العربية فهو حركي ، وهذا يعني أن التسليم بكوننا قوميين عرب الانتماء ، يحتم علينا مسئوليات تجعل منا في مراحل معينة من تاريخ أمتنا قوميين عرباً أي عاملين في حركة القومية العربية ، وهذا يعني أن انتماءنا لأمة يحتم علينا واجبات ومسئوليات نحوها تتحدد بنوع المشكلات التي تواجهها الأمة في حقبة معينة من تاريخها ، فإذا كانت الأمة مجزأة إلى دويلات كما كان الحال في ألمانيا وايطاليا في القرن الماضي ، تحدد العمل القومي بتحقيق وحدة الامة ، أما إذا ابتليت الامة بدول أجنبية تسيطر على مقدراتها فيتوجه العمل القومي نحو تحرير الأمة من هذه السيطرة ، كما حدث في كثير من البلدان الاسيوية ، وكما لايزال يحدث في بلدان إفريقيا، وقد يتحدد العمل القومي بتحقيق الوحدة والتحرر معا كما هو الحال في الأمة العربية ، القومية العربية في مدلولها الحركي تتحدد بنوع المشكلة التي تواجه الأمة ، ولذلك فالقومية العربية بالمدلول الحركي تسعى لان تكون الامة دولة واحدة ذات سيادة أي إرجاع الامة الى كيانها الطبيعي والقضاء على عوامل التجزئة فيها .

ويتلخص هذا التوضيح النظري لمدلول القومية العربية فيما يلي : أنا عربي أي أنا أنتمي إلى أمة عربية واحدة وأمتي مجزأة الى كيانات لاتمت إلى ما يجب أن يكون عليه الواقع العربي ، وان أقطارا عربية عديدة ما تزال خاضعة لهيمنة الاجنبي وأن هذه التجزئة وهذه السيطرة ، في حال رضوخنا لهما ، يكون الرضوخ تشويها للأصالة ، إذ أنه تشويه لواقع الامة ، لذلك فأنا قومي عربي أي أنني في صميم حركة تعمل لوحدة أمتي وتحررها الكامل ، وعندما تتحرر أمتي وتتوحد أجزاؤها ، عندئذ يصبح إعلاني ” أنا عربي “، ليس انتماء إلى قومية فحسب ، بل انتماء إلى دولة ، ويصبح الانتماء واقعاً قانونياً شاملاً بكل معنى الكلمة ، وعندما يتم هذا الواقع لا أعود بالمدلول الحركي للقومية عربياً ، لكنني أستمر في المدلول الانتمائي قومياً وعربياً .

فالقول بأنني عربي يدل على قوميتي العربية ، وفي حال تكامل الواقع القانوني للأمة في دولة يصبح القول بأنني عربي يعني جنسيتي العربية ، فالقومية العربية بالمدلول الانتمائي واقع كياني وبالمدلول الحركي واقع مرحلي تتحول فيه الدولة إلى أمة .

إن الطاقة التي جعلت منا ملتزمين بحركة القومية العربية تتحول كيفياً عند صيرورة الدولة العربية إلى وطنية ، إذ أن مسؤوليتنا تجاه الدولة تختلف عما كانت عليه إبان نضالنا القومي، والوطنية تعني الاستعداد للدفاع عن الدولة العربية التي تنتمي اليها ، نحن قوميون عرب مادمنا أسيادا في أنفسنا ، ونحن وطنيون عرب باستعدادنا للدفاع عن كيان دولتنا العربية الموحدة ،  فالقومية العربية الحركية تصبح وطنية عندما تتكامل المرحلة القومية .

الوحدة العربية

وعلى ضوء هذا التعريف الاساسي للقومية العربية تتفرع مفاهيم يجب توضيحها حتى تتبدد نواحي الغموض فيها ، وحتى يتوارى استعمالها الخاطيء ، فكلمة ” وحدة عربية ” تعني أن الامة العربية ، لكونها مجزأة الى كيانات معترف بها دولياً ، ليست تعبيراً عن الواقع القومي الذي ننتمي اليه ، فالعمل للوحدة هو اذن العمل لجعل الامة ذات سيادة واحدة وكيان واحد .

أما الخطأ الذي يحصل من قبل بعض العاملين للوحدة ، فهو أنهم يضيفون الى هذا المعنى اجتهاداً معيناً في تنظيم الدولة العربية الموحدة ، فتصبح المركزية ملازمة للوحدة ، والاتحاد الفدرالي يظهر وكأنه عمل خارج نطاق العمل الوحدوي ، هذا خطأ أساسي ، لان حقيقة الفيدرالية أو المركزية أنهما صيغتان متعلقتان بنواحي التنظيم ، وبأشكال الادارة العامة للدولة الموحدة، ولذلك فالوحدة هي من صميم العمل القومي ، بينما المركزية أو الفيدرالية من متفرعاته .

والقومية العربية تفهم في بعض الاوساط وكأنها قومية عنصرية ، وهذا المفهوم للقومية خاطيء وخطير، فالانتماء للقومية العربية يتحدد بكون الفرد في الوطن العربي قد ربط مصيره بمصير الامة ، قد لا يعتقد البعض بهذا إذ يحسبون لأسباب وملابسات ومخاوف  تاريخية أن مصيرهم مرتبط بالمصير القطري ، ولكن بمجرد أن القطر سيصبح جزءاً من الدولة العربية، يصبحون هم مواطنين في هذه الدولة متساوين في الحقوق ، فبوساطة هذا التحديد يصبح الكردي في العراق ، والأرمني في لبنان وسوريا والقبائل الزنجية في جنوب السودان ، والبربر في المغرب العربي ، عربا بانتمائهم للدولة العربية دون أن يعني ذلك تذويب حقوقهم الذاتية ، فالذي يحدد كون انسان ما عربيا هو انتماؤه الى الدولة العربية ، وقد يكون بين هؤلاء من يدعو لخلود الكيانات القائمة ، أو يدعى انتماء إلى القومية المحددة عنصرياً بالنسبة له ، عندئذ يكون الموقف القومي العربي السليم هو أن يعتبرهم مضللين ، وتكون مسئوليتنا توجيههم الى فهم حقيقة القومية العربية وحقيقة الاهداف التي تسعى الحركة الى تحقيقها ، وهذا يفترض حتماً أن رجوع هؤلاء عن ضلالهم يؤدي بهم الى العمل القومي العربي والسعي لتحقيق الوحدة للأمة وتحررها .

وهذا يؤدي بنا إلى تقرير أن استغلال العنصرية الانفصالية ، والتركيز على بقاء الاوضاع الكيانية في الوطن العربي هما أثران لموقف الرجعية العربية ، ولذلك فهي مناوئة لثورية القومية ولتقدميتها وبالتالي لتطبيقها ، فالنضال ضد العمل الانفصالي والمحافظ ، هو نضال ضد تيار الجمود والتحجر والتضليل .

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s