الوحدة العربية والمشروع القومي

الوحدة العربية والمشروع القومي

منير درويش

يوم 22 شباط 1958 قامت الوحدة بين مصر وسورية . ومنذ اكثر من عشر سنوات انقطع الحديث عن اهمية الوحدة ، أو اقتصر هذا الحديث على الجوانب التي تؤدي للتفرقة والتشتت ، بعد أن صادرت الدولة القطرية وعي المواطنين ومشاعرهم القومية والوحدوية وافتعلت الأنظمة الأحداث التي تبث التفرقة ليس على صعيد الأمة ، بل في الدولة القطرية نفسها .

لقد أصبحت الوحدة منسية بعد أن تراكمت فوقها المصالح القطرية ، وتكرست التجزئة ، وفقدت السلطة والأحزاب والمعارضة إدراكها لأهمية الوحدة . ليس لأن الأمة العربية موجودة بشعبها وأرضها وتاريخها ولغتها ، بل لأن ظروف العولمة تفرض على الذين ليس لديهم أمم كبيرة أن يسعوا نحوها ، بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة وأصبحت الدولة الوطنية مهددة بسيادتها ، و استقلالها آخذ بالانحسار ، فتحولت إلى دولة قامعة في الداخل وتابعة للخارج ، ولا ينفع تأكيد الحكام وحديثهم عن استقلالية القرار في القفز على الواقع طالما أن هذه الدولة غير قادرة على تشكيل القوة التي يمكن للعالم أن يحسب حسابها أو يتعامل معها معاملة الند للند .

قبل اكثر من نصف قرن قامت وحدة مصر وسورية مدعومة بشعور وحدوي عارم قلما شهد التاريخ العربي مثيلاً له ، أو زخماً يوازيه . وهي من المرات النادرة التي خرج فيها الشعب كل الشعب ليعبر عن مواقفه بمحض إرادته، مدفوعاً بمشاعره لا بوعيه ، لكن المشاعر قد تسبق الوعي احياناً في تحقيق انتصارات غير متوقعة تتعلق بالوطن والوطنية ، ولم يتخلف عن هذا التاييد إلا القلة القليلة التي إما غابت عنها أهمية الوحدة او انها وضعت مصالحها الضيقة فوق مصلحتها .

وهذا الحدث هو الوحيد أيضاً الذي لم تختلف عليه السياسات والمذاهب والأثنيات لأن كل منها أعتبرت انه يحقق طموحاتها ومصالحها . كما أنه الحدث الوحيد الذي دفع بالحماهير العربية في الأقطار الأخرى إلى اختراق الموانع والانطلاق لتأييد الوحدة .

صحيح ان مظاهرات ضخمة خرجت في سورية عام 1955 ضد حلف بغداد لكن هذه المظاهرات سرعان ما تحولت إلى مصادمات بين القوى القومية التي هتفت للوحدة والحرية والاشتراكية ، والشيوعيين الذي هتفوا للسلم والخبز والحرية ، او مع الحزب القومي السوري الذي هتف لوحدة سورية الكبرى .

لقد أتت أهمية وحدة مصر وسورية في أنها جاءت على خلفية العلاقة بين الوحدة والمشروع القومي العربي الذي يشكل الحاضنة السياسية لأهداف الأمة العربية في تحرير الأرض ، والتحرر من الاستغلال والهيمنة وتحقيق النهضة والتقدم وبناء المجتمع الديمقراطي العربي على أساس من العدالة والمساواة . لكن هذا الحدث مثل كل الأحداث الأخرى ، كان لا بد أن يلقى معارضة ، لكن هذه المعارضة لم تستطع أن تعلن عن نفسها بوضوح خوفاً من رد الفعل الشعبي .

لا بد أن البعض سيضحك وهو يسمعنا نتحدث عن الوحدة في الظرف الصعب ، وسيقول . انظروا لهؤلاء الواهمين الحالمين بالسراب في الوقت الذي تتعرض فيه أخر المشاريع الوحدوية في اليمن إلى الانهيار ، وهما ليسا بلدين بل جناحين في بلد واحد ، كما أن العلاقة بين مصر والجزائر اللتين ارتبطتا بعلاقات سياسية متينة انهارت في ملاعب كرة القدم . هذا صحيح بالطبع لكننا لو نظرنا للقضية من جانبها الاخر لكان الحديث عن الوحدة رغم كل النكبات التي تعرضت لها هو دليل على حيوية الوعي القومي الذي يجسد الوجود العربي . كما يجسد الوعي القومي ويجعله يلجأ دوماً إلى عملية المراجعة و التحديث خاصة وأن جميع الوسائل الإعلامية والفكرية والسياسية لا بد أن تنطلق في تحليلها للقضايا القطرية من واقع المجتمعات العربية كما أن مختلف الأحاديث والتحليلات التي يتناولها المثقفون والسياسيون العرب في أي قطر يتجاوزون بها الواقع القطري وينتقلون للواقع العربي العام حتى الذين لا يؤيدون الوحدة وهذا يدل على سيادة الشعور العفوي القومي على الشعور الوطني القطري .

إن جزأً من ازمة السلطة القطرية ومأزقها هو تجاهلها للمشاعر القومية للشعب وإغفالها الفكر القومي الذي يرسم لها اهداف الأمة ولو انها عملت وفق هذه الأهداف لاستغنت عن الأشكال المستحدثة للاستبداد

كما أن الأقليات القومية مهما كان عددها كانت ستجد في دولة الوحدة حماية لها ذلك لأن الأكثرية في أي مجتمع كلما زاد عددها تعددت فيها التيارات الفكرية والسياسية ، وتحررت من القلق والتوتر والخوف وهذا بحد ذاته يشكل ضمانة لحماية مصالح الأقليات . وحدها الدولة القطرية في الأمة المجزأة تجعل الأقليات تشعر بالقلق والخوف .وقد اكد المشروع النظري للتيار القومي الذي أصدرته محموعة من المهتمين بهذا الشأن عام 2006 على هذه النقطة بالقول . ” يشكل العرب القومية الأكبر بين القوميات الأثنية التي تعيش في الوطن العربي ، ولو أن العرب قد وصلوا إلى مرحلة الأمة الدولة لما شكلت الأقليات نسبة تذكر بالنسبة للأكثرية العربية ” ( ص 52 ) وفي هذا السياق فإن المشروع القومي العربي هو وحده الذي يعترف بوجود الأقليات ويتناول أوضاعها ويكشف عن الأسباب التي أنتجت هذه الأوضاع ، ويسعى دوماً لإيجاد الحلول العقلانية لها . على عكس المشاريع القومية الأخرى التي لا تعترف حتى بالمشروع القومي العربي ، أو الأنظمة التي تفتعل المشاكل ، أو تخفيها وتفتح الطريق أمام القوى الخارجية للتدخل وتفاقم المشكلة . ( ص 55 )

إن المشروع القومي يعتبر أن المدخل الوطني الديمقراطي يبقى الحل الأمثل والمنشود لحل مشاكل الأمة . لذلك تشكل الوحدة العربية ودولتها الحديثة هدفاً سياسياً لكل الحركات القومية العربية ، كما تشكل نزوعاً مشروعاً للمواطنين في الوطن العربي ، خاصة وأن هذا النزوع يزداد بازدياد وسائل الاتصال والانتقال ، كما يشير إلى ذلك كراس المشروع النظري للتيار القومي العربي آنف الذكر ( ص 37 ) . ويؤكد على أن الضرورة الحتمية تعطي للتجمعات الكبيرة مكانة عالمية أكثر بكثير مما تحققه دولة أو دولاً صغيرة .

لقد اكد هذا المشروع أن أبناء القطر الواحد هم بالأصل يشعرون بالانتماء إلى الأمة ، ومصالح الدولة الوطنية الديمقراطية لا يمكن أن تكون إلا مترابطة مع مصالح العرب العامة ، وهذا ما يحعل أبناء أي قطر ينتقلون في معالجة مشاكلهم إلى معالجة مشاكل الأمة أولاً وهو شعور عفوي بحت لكن له أهميته .

إن سلطة الوحدة هي تجاوز للسلطة الانفصالية وسلطة التجزئة التي تحاول الدولة القطرية أن تحافظ على مصالحها ومصالح الطبقات المناوئة للأمة على حساب مصالح الأكثرية المؤيدة للوحدة كما تنتفي فيها نظرية الابتلاع التي تروج لها السلطة القطرية ، وأن وجود الأكثرية في دولة الوحدة سيتيح الوصول إلى ديمقراطية وثيقة من خلال ظهور التيارات الفكرية والسياسية لو استطاعت أن تستغل هذا الوجود ليس من الناحية العددية بل من الناحية السياسية والثقافية .

سيقول البعض أن دولة الوحدة بين مصر وسورية لم تكن دولة ديمقراطية وساد فيها كثير من الاستبداد ، رغم التأييد الشعبي الواسع لها . هذا القول صحيح دون شك ولا احد منا يبرر الاستبداد أين كان مصدره ومبرراته ، فعبد الناصر لم يكن قد تخلص من العقلية العسكرية التي قاد بها دولة الوحدة ، كما ان الوعي السياسي في القطرين المصري والسوري لم يستطع ان يتجاوز القطرية التي سادت فيهما ، خاصة مع شعور النخب المصرية بنوع من التفوق ، قابله شعور لدى النخبة السياسية السورية بالغبن . لكننا لا ننكر أن عبد الناصر حاول أن يضع الأمة العربية في طريق النهضة وبناء دولة تختلف عن النماذج السائدة في الوطن العربي كما سعى وهو محاط بأنظمة عربية وقوى عالمية معادية للوحدة والنهضة وتعمل على إجهاضها منذ الأيام الأولى ، إلى التحرر من الاستعمار والاستغلال ، كما أنه استطاع وبجهود مضنية وضع القطر المصري على سكة المشروع القومي وتعزيز مكانة الأمة . ومن الجدير ذكره أيضاً ، أنه الزعيم العربي الوحيد في التاريخ العربي الذي تخلى عن السلطة بعد هزيمة حزيران عام 1967 ، وأول زعيم يرفض الشعب تخليه ويصر على إعادته للسلطة رغم الهزيمة المرة . في المقابل يجب أن ننظر للمسألة من جانبها الآخر . كيف انكفأت مصر بعد الانفصال نحو الداخل وحاول عبد الناصر تغطية هذا الانكفاء باللجوء للقرارات الاشتراكية بدل أن يتجه نحو تحقيق انفتاح ديمقراطي يعيد للشعب المصري ثقته بامته وعروبته ودوره فيها ؟ وكيف لعبت سياسة للانفصال في سورية دوراً في توجيه العداء ليس لعبد الناصر فقط بل لمصر كلها في تكريس واضح للقطرية التي تخيلت أنها فقدتها في سنوات الوحدة . وهذا ما تؤكده الأحداث التي جرت فيما بعد خاصة بعد حركتي شباط وأذار في العراق وسورية اللتين دخلتا مع مصر في مفاوضات عسيرة من اجل الوحدة شابها تبادل اتهام كل طرف للآخر بإعاقتها . وإذا وضعنا مصر جانباً فإن القطرين العراق وسورية الذين يتمتعان بخصائص مشتركة جغرافية واجتماعية هي أقوى من الخصائص التي تتمتع بها الأقطار الأخرى والمحكومين بالحزب الواحد وهو حزب البعث الذي يستند في مبادئه الأساسية على الوحدة ، هذان القطران فشلا في تحقيق الوحدة بينهما لأن المصالح القطرية التي حكمت السلطة في البلدين كانت أقوى من مباديء الحزب . مما اضاع على العرب فرصة ثمينة كانت نتيجتها أحداث جسيمة وهزائم متكررة ، وقد عادت الفرصة وضاعت من جديد بعد توقيع ميثاق العمل القومي بينهما عام 1979 والذي كان من نتيجته إعدام القيادات في العراق التي أيدته وعملت لأجله ليعود ويجهض من جديد ، كما أجهضت جميع التجارب الوحدوية والتجمعات الاقليمية الأخرى . أو دعوات وحدة سورية الكبرى أو وحدة وادي النيل التي سبقتها تحت حجج ومبررات لم تعد الآن مقنعة .

لا شك ان قضية الوحدة الآن هي غاية في التعقيد والحديث عنها أكثر تعقيداً ، فليس هناك ما هو مهيأ لقبول هذه الفكرة ، والتجارب التي بين أيدينا على وشك الانهيار ، ولا نملك في الوقت الراهن سوى المشاعر التي تنتهكها سياسات القمع والتجويع ، ودفع المواطن للبحث عن لقمة العيش والخلاص الفردي ، بدل السياسات التي توفر الديمقراطية وتجعل المواطن يتحسس مصالحه السياسية بالتوازي مع مصالحه الفردية والخاصة .

لقد فشلت الأنطمة القطرية سياسياً في تحقيق الأهداف الأساسية للأقطار التي تحكمها كالتحرر من الاستغلال والهيمنة وتحقيق النهضة ، وفشلت اقتصادياً في تحقيق التنمية ورفع مستوى المعيشة للمواطنين ، وجعلتهم ينهجون نهجها وتوجهاتها ، وأصبحت الأمة تعيش حالة التجزئة ليس في الجغرافيا فقط بل في الوعي أيضاً وانتقلت الخلافات بين الحكام إلى الشارع الشعبي ، وإلا لما كانت لعبة كرة القدم كافية لبث الفرقة بين الشعبين في مصر والجزائر الذين ارتبطا منذ الاستقلال بأوثق الروابط الشعبية مما يدل أيضاً أن انتماءنا هو للتكوينات ما قبل الدولة ووعينا أدنى منها .

والآن وفي ظل دعوات متجددة لتجديد الفكر القومي العربي لم تعد القومية العربية مشروعاً لهيمنة قومية على أخرى بل وضع المشروع القومي في خدمة القضايا العربية التي تهم المواطنين في الوطن العربي خاصة في ظل العولمة المتوحشة التي تأكل الضعفاء والدولة القطرية هي أضعف الحلقات في هذه العولمة

إن الخطر الأكبر الذي يهدد مشروع الوحدة راهناً هو انهيار وحدة اليمن وعلى جميع الوحدويين أن يعملوا بكل ما يملكون للمحافظة عليها ، كما أن استكمال مشروع تجديد الفكر القومي وتفعيله على هذا الأساس سيدفع بمشروع الوحدة للصدارة ، فهي ضرورة حتمية وبدونها ليس للعرب إن ارادوا البقاء في التاريخ من خيار آخر .

دمشق

منير درويش

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s