تفكيك وحدة الانسانية العربية بعد تعجيز الوحدة السياسية

تفكيك وحدة الانسانية العربية بعد تعجيز الوحدة السياسية

مطاع صفدي

إذا كان ثمة حراك جماهيري على مستوى عواصم الوطن العربي كله، يُوصف بالاندفاع الذاتي غير المفتعل أو المبرمج، ويتمتع بهذا القدر من وحدة الهدف المنادى عليه قوياً جذرياً صاعداً من صدور الناس، شباباً وشيوخاً ونساءً وأطفالاً، ذلك الحراك أصبح له اصطلاح واحد هو المدّ القومي العروبي، وقد بلغ ذروته العليا عبر السنة الأولى من إعلان

“الجمهورية العربية المتحدة” (1958). هذا المد العام غير المسبوق إطلاقاً، سوف يسميه جمال عبد الناصر بثورة القومية العربية. سوف ترددها خطاباته المتواصلة نهاراً وليلاً، من شرفة “قصر الضيافة في دمشق”، وهو يطل على آلاف الناس المتوافدين عبر موجات بشرية هائلة الآتية من عمق بلاد الشام وأطرافها. تجيء الحشود مهنئة ذاتها، وبطلَها الذي لا ينتهي من إطلالة وخطاب، ويغيب لدقائق عن الشرفة، حتى يعود بقامته المديدة إلى إطلالة أخرى وخطاب جديد قديم حافل كالعادة بنداءات القومية العربية، ومفردات معانيها المباشرة التي كانت تبتكرها صيحات البطل بألفاظها المقدسة.

كانت وحدة الجماهير متحققة الآن وهنا، ومن المحيط إلى الخليج. كانت كل هذه التعابير صحيحة صادقة متحدة بمعادلها الواقعي اليومي على الأرض في الوطن الأكبر. لم تكن تلك الوحدة نظرية أو مذهباً، لم يكتبها أو يحركها أي حزب أو تنظيم قائم، حتى حزب البعث نفسه الذي أبرمت قياداته المدنية والعسكرية ميثاق “الجمهورية العربية المتحدة” في القاهرة. لقد امتلأ هرم الأمة بقواعده الجماهيرية حتى حدود القمة، متخطية كل خارطة جغرافية أو دولانية أو اجتماعية مصطنعة. كان عبد الناصر نفسه يعبر بلسانه عن انبهاره بالبركان القومي الهائل الذي فجره. كان لا يعرف كيف يرد على نداءات شعوب أقطار العرب جميعها حول انضمامها الفوري إلى كيان الجمهورية العربية المتحدة. حتى شعوب الخليج نزلت مظاهراتها إلى الشوارع مطالبة حكامها بالالتحاق بالركب الوحدوي العارم.

لم تكن تلك الظاهرة الفريدة مجرد هبة انفعال شعبوي. هذا الوصف أو الاتهام هو الأبعد عن حقيقة المارد المنطلق من قمقم العبودية السياسية والحضارية كانت نواة الوحدة المتحققة آنذاك هي بركان الحرية الأولى المكتسبة لكامل الأمة بعد موات القرون المظلمة السابقة. بل ينبغي القول أن وحدة القطرين المصري والسوري كانت بمثابة الانتاج الأول، وربما سيظل اليتيم، لمولد الإرادة الحرة، المعلنة عن عودة العرب إلى مسرح التاريخ المعاصر. هذا، بصرف النظر عن مختلف تفاصيل هذا الحدث السياسي، فريد نوعه، إذ لم تخرج مجريات الحدث عن الطابع الانقلابي الفوقي المسيطر آنذاك على متغيرات السلطة المعتادة في دمشق. لكن المهم في فرادة الحدث هي تلك الاستجابة الفورية التي من خلالها، قد تلقفته فجأة أوسعُ الجماهير المجهولة، في كل الوطن الأكبر، كأنما تلاقت شعوب العرب مشرقاً ومغرباً، وانصبَّت دفعة واحدة في جماعة واحدة، في تكوين جديد متراصّ على بعضه، متباه بذلك الانجاز شبه المستحيل، الذي لا يكاد يُصدق. وقد قلنا أن القيادة المصرية، وعلى رأسها عبد الناصر، لم تكن تتوقع انفجار ذلك الحماس الشعبي، الذي بقدر ما كان معبراً عن فرحه المطلق بالنصر الوحدوي الأول، فإنه كان يرى فيه بداية الطريق. بعد أن زالت عقباته المباشرة، فصار هو صاحبه و حارسه. هكذا بايعت جماهير العرب عبد الناصر قائداً تاريخياً لها، في مختلف أصقاعها، لكنها حمّلته في الآن عينه مسؤولية إكمال الطريق الذي افتتحته الجمهورية العربية الأولى، نحو الوحدة الشاملة للكونية العربية.

إن أي فكر حيادي مراقب لتلك المرحلة لم يكن بوسعه سوى الإقرار بأصالة الوحدة الإنسانية السابقة على كل توحيد سياسي أو إجرائي حقوقي، تلك التي سوف تلم ذاتياً كل شتات دولاني سلطاني، أو جغرافي؛ وأن هذه الوحدة الإنسانية المؤسِّسة أصلاً للشخصية التماثلية، الجامعة، والمميزة لمشهديات الحياة اليومية للأفراد والجماعات في مختلف أمكنة الوطن الأكبر، فإنها تصنع تماثلية توحيدية وليست تأحيدية، وإنها تشكل ذخيرة غنية لإمكانيات التكامل، المحجوزة دون القدرة على التحقيق التلقائي من ذاتها. من هنا يجيء التعريف الاصطلاحي لدلالة (النهضة). وبالتالي يتهافت كل اتهامٍ لجماهير الوحدة بالانفعالية الآلية، وتحديد ظروفها بالمرحلية العابرة.

الغرب وإسرائيل أدركا سريعاً مغزى الحدث الوحدوي. وكان حقاً حدثاً مداهماً لاستراتيجيتهما المشتركة. فالأجندة المرسومة غربياً للتطور العربي ما بعد الحرب العالمية الثانية، نصبت له الفخ الإسرائيلي كأقوى فاعل إقليمي، وحارس استيطاني داخلي على ديمومة الخارطة الجيوسياسية، كما بيّنت أصولَها وخطوطَها منذ معاهدة سايكس بيكو، لما بعد الحرب العالمية الأولى. وحتى عندما تملي الظروف الدولية ضرورة إنهاء الاستعمار الإمبراطوري الأوروبي، وجلاء جيوشه عن تلك الخارطة، فلن تفوز أقطار العرب باستقلالها الوطني إلا ضمن هذه الخارطة التجزيئية القائمة. فالمهمة المركزية لزراعة الكيان الاسرائيلي، ستحددها وظيفتها الجيوسياسية كحاجز أجنبي دائم محبِط ومعيق لكل تطور قادم، لا بد أن يحققه ديالكتيك الحرية العربية النسبية المكتسبة عبر القفزة المنتظرة من مستوى الاستقلال الوطني إلى ذروته، الاستقلال القومي، فيما لو تُركت هذه الحركة لاندفاعتها الذاتية.

قالت إسرائيل في اليوم التالي على إعلان جمهورية الوحدة، أنها وقعت بين فكي الكماشة، ما بين سورية شمالاً التي صار اسمها الإقليم الشمالي، وما بين مصر، تحت اسمها الجديد: الإقليم الجنوبي. هذا التأويل الصهيوني للحدث الوحدوي مطابق للأمر الواقع. جمهورية العرب الأولى هذه شكلت حقاً أخطر تهديد فعلي غير متوقع، لكنه متمتع بالخاصيتين الضروريتين، الجيوسياسية والحضارية معاً، لكل من الاستعمارين، أحدهما الأمريكي الدولي الموروث عن الأوروبي، والآخر المستحدث الاسرائيلي الاستيطاني الإقليمي.

كان خوف الاستعمارين معاً الأعظم ليس من جمهورية الدولتين العربيتين فقط، ولكن من جمهورية العشرين دولة فأكثر الآتية. فالوحدة (الطفلة) ولدت لتنمو وتكبر. بقاؤها مرتهن سلفاً بإمكانيات نموها، بفتوحاتها الوحدوية المرتقبة. ذلك كان هو الدور التقليدي لبلاد الشام. قبل التحول الفجائي نحو المحور المصري، كان انتظار الأجيال، منذ فجر النهضة الثقافية أواخر القرن التاسع عشر، متمحوراً حول استعادة الحضارة العربية الإسلامية ما بين بلاد الشام والرافدين. كان العراق هو المرشح الأول لاستكمال محور هذه الحضارة ما بين المتوسط وإلى (سواد) العراق ومن ثم إلى العمق الآسيوي. لكن الجسر الإعجازي الذي ابتنته محورية دمشق / القاهرة لم يقطع انتظار الأجيال التقليدي. فكانت ثورة تموز العراقية، في الصيف الأول، من سنة الوحدة الأولى، (1958)، أي بعد أقل من ستة أشهر على إطلالة عبد الناصر الافتتاحية لعصر الوحدة، من شرفة دمشق على أمة العرب، والعالم، لقد سقطت ملكية بغداد، كأنما سوف ينهدم حاجز المنع من التحام عاصمتيْ التاريخ العربي، في مختلف انتصاراته وانكساراته، ممتداً الى مصر أكبر أقطار العرب.

رفض المجتمع الدولي الممثل بقطبيْه المتعادين الاشتراكي والرأسمالي، قيام أول دولة للوحدة العربية، من دون إذن منهما، بل قسراً عنهما. فخلال أشهر قليلة ما بين عامي الوحدة 1959 58، تدخل الاتحاد السوفييتي عاجلاً في البنية القيادية لثورة بغداد، أوقع الانفصام بين جناحيها القومي والشيوعي. توالت سلسلة الانقلابات الفئوية على (انقلاب) الثورة الوحدوية الأولى. نزل الصراع القومي الشيوعي إلى جماهير الشوارع، أغرقها بمجازر الشنق والسحل. صار ذلك هو الطابع الدموي المميز لمختلف المتغيرات السياسوية أو الانقلابية القادمة على مستقبل العراق المعاصر.

وخلال هذه الأشهر القليلة رجع (أبو حنيك) لقب القائد البريطاني للاستعمار العسكري، إلى الأردن، حيثما كان دائماً، وهو المؤسس لجيش الملك عبد الله (الأول) والحاكم الفعلي لإدارته الحكومية. وكذلك نزلت البحرية الأمريكية إلى شواطئ بيروت. هكذا تحولت الأقطار الثلاثة، العراق ولبنان والأردن، إلى جدران عازلة ليس للمدّ الوحدوي المتصاعد من دمشق فحسب، بل لمنع سيول جماهيرها عينها، من التدفق نحو مركز الضخ والجذب معاً الذي مثلته تاريخياً الشام، فتكاد تعيد أدواره حية واقعية، باعتبارها الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة. هذا الحلم الذي ينتصر لأول مرة على خطاباته الاعجازية والطوبائية، أمسى متجسداً أخيراً في دولة حقيقية عصرية.

لكن سرعان ما تمت محاصرة هذه الدولة الوليدة. لم يقع الحظر والمنع على تمددها حولها لتستوعب المشرق كله، بل وقع المنع على هذا المشرق عينه من الانصباب في تيارها. اتفق المجتمع الدولي بمعسكريه المتضادين على ثبات، وتثبيت استبداد الخارطة الجيوسياسية ضداً على مختلف محاولات التمرد الراهنة والمتوقعة، على سجونها الحديدية الشفافة. أصبح الانفصال هو السيد القابض على حركية التاريخ العربي المعاصر. لم يعد له الشكل السياسي الدولاني فقط، الذي، لضرورة الحفاظ عليه، لا بد أن يترجم ما أمكن إلى سلالة الانفصامات البنيوية لأية كينونة مجتمعية قائمة. فالقطرية لن تبقى طويلاً كمرحلة متوسطة على طريق تحجيم المارد العربي كوهم أو حقيقة، فلا بد من إعادة قمعه في قمقمه القديم. لكن عودته تلك لن تقزّمه، كحجم صغير، متراصّ على ذاته كالذرة، متكثف القوى والكيان بانتظار انفجار أكبر، بل تحشره هذه المرة في قمقم النهاية كشظايا وفتات وبقايا.

هذه القراءة الأولية لتراجيديا النهضة العربية الثانية، على ضوء جدلية الوحدة والانفصال، تريد ألا تعترف بالعامل السياسي إلا باعتباره دليلاً حركياً فحسب، يبدو ظاهرياً كقمة الحدث الحقيقي الغارق في عمق المحيط المجتمعي. فلو تصورنا، بعد نصف قرن من تجربة الوحدة الفريدة التي أُريد لها أن تكون الحدث الاستثنائي الذي لن يتكرر، هو الأول وهو الأخير، كأنما هو الشاذ الدخيل على القاعدة التي يستحوذ الانفصال على آليتها، لو تخيلنا انجراف الحدود بين أقطار المشرق تحت ضغط الجماهير المندفعة للقاء ذاتها في كينونة الجمهورية العربية المتحدة. لو أن محور دمشق / بغداد لم يصبه الانكسار في عام الوحدة ذاته 1958، ولم تتابع انكساراته فيما بعد، إثر كل مناسبة لقاء سياسي أو ثوري بين قطبيه، لو أن الاستقلال الوطني القطري قد أُتيح له أن يؤدي وظيفته التاريخية المنتظرة في الانفتاح على الاستقلال القومي، لو أن ستين عاماً من عمر الحرية العربية المنقوصة والمغدورة في كل وقائعها، استطاعت رغماً عن نكباتها تلك، المصنوعة غالباً بأيدي بعض أصحابها وأعدائها معاً، استطاعت أن تمد شبكية، مهما كانت أولية، من التواصل الأهلي على الأقل، ما فوق سجون الخارطة الجيوسياسية المفروضة، هل كان يمكن لأرض العرب أن تتحول إلى ملاعب لحثالات الاستعمار، لتجديد أشكاله وتنويع خططه وأدواته، واستعادة بربريته بأحدث تحديات الوجدان الإنساني ومدنيته البائسة، كما تعرضه وقائع الحاضر المشؤوم بعد تجربة الوحدة وانهيار كيانها الدولاني الأول أصبح تطور الوطن العربي، ومن مشرقه خاصة، خاضعاً لحاكمية الانفصال ومشتقاته، وتداعياته. فكل المتغيرات الكبرى، من مستوى الثورات والانقلابات، وموجات الحروب الإقليمية، ثم الأهلية، ثم الغازية الأمريكية والاسرائيلية، كانت تصب نتائجها المباشرة وغير المباشرة في تعزيز الخارطة الجيوسياسية، وتوليد ترجماتها السلبية على مختلف الصعد، مفجرةً تفريعاتِ المشكلات المحلية لكل قطر على حدة. فالقانون الاجتماعي واضح: كلما تضاءل حجم البلد، كلما احتلت تناقضاته الثانوية المختلفة مكان تطلعاته الحضارية الشاملة، مبددة قواها وإمكانياتها في ابتعاث الصراعات الفئوية. إنها التجربة المرة لسيطرة الأقلويات على الدولة والمجتمع، وقد كشفت أن حكومات التكوينات اللاعقلانية سوف تنتج أسوأ الشرور المتبادلة ما بين جماعاتها في الداخل، وعلى المستوى الإقليمي والقومي للأمة كلها.

إذا كانت شبكات الانفصاليات على أنواعها هي المانعة حتى اليوم لأبسط أشكال التضامن القومي، فإن خطرها الأعظم أصبح متجاوزاً لمحاولات الوحدة السياسية، نحو استهداف الوحدة الأهلية الصامدة حتى اليوم، لكنها المنخرطة في أشرس معركة مع أضدادها الأخبث، المتنافسة في السيطرة على الشأن العام، بتكويناتها اللاعقلانية.

فالنهضة لا تزال في المسافة الأبعد ما يكون عن ولوج عتبة التنوير. والأنكى من هذا أن تنسى أو تتناسى لُقياه في مكان ما، في عصر ما…

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s