نواح الأطلال .. لذكرى الوحدة المصرية – السورية

نواح الأطلال ..

لذكرى الوحدة المصرية السورية..

جلال / عقاب يحيى

    كثيرة هي الكتابات (البكائية) السنوية في ذكرى قيام وسقوط أول (وآخر) تجربة وحدوية عربية في العصر الحديث . البكائية السنوية، وإن أراد بعض المهتمّين بها، تجاوز الذكرى للتذكير، والتقويم، أو التحفيز.. فإنها تبدو عند البعض، وفي الميدان، كنواح الأطلال، لأن بينها وبين الواقع مسافات ومساحات نظم الاستبداد القطري، القبلي، الطائفي، العائلي، الخوائي، والأنا المصلحية الحاكمة بقوة اجتثاث الآخر، والقمع والبلع واللسع، والانبطاح للخارج، والتي فقّست وفرّخت أفكارها ونتاجها وفعلها القسري، فانتشرت تفعل فعلها في الأهداف والقضايا المصيرية(وغير المصيرية)، وفي عموم الشعب والنخب، وفي نشر وفرض ثقافة، وأفكار وعلاقات لقطاء أمراء وملوك الطوائف، وعصر الاستهلاك والانحدار، والقطرية الستار، الكاذبة .. حتى صارت مباراة في كرة القدم من شأنها أن تبعث ثارات داحس والغبراء بين الأقطار، فتلفح ريح السموم والخماسين والربع الخالي الوفاض حدود الحارات، وعقول موظفي السلاطين الذين تنتفخ(دفعة واحدة) أوداج زواريبهم وأقاليمهم (مصالحهم) للقذف من مخزون كريه، و.. يا غيرة” الدين” والقطر، وتتجاوز ذلك إلى عموم الفئات المثقفة، والشعبية التي صارت، للأسف الشديد، اقرب إلى هيئة القطيع، أو دجاج المزارع المدجّنة.. فغابت الوحدة القومية رسمياً، وانتحرت في قصور الحاكمين غيظاً من فداحة الاستغلال والمتاجرة والتكرار المقرف، بل إن حدودهم القطرية التي رفعوها عقودا، وامتطوها بكل الاتجاهات والأوضاع، لم تعد تحميهم حيث باتت أهشّ من الرمال المتحركة التي تحمل في جوفها كل عوامل العواصف والزوابع الاحترابية الداخلية، متغيّرة، متعددة الألوان والأسباب، والمخاطر ..

****

    كانت الوحدة العربية حلم أجيال متعاقبة، بل تجاوزت الحلم إلى اليقظة، وسكنت فراش النوم وفرجة السماء والآمال، لأنها بدت على مرمى حجر التحقيق.. فتدفقت في سبيلها كالطوف الجارف . والطوف، أو السيل العارم يسحب ويجرّ ويجمل( في زخمه) ما يفوق طاقة التوقع : الكثير من الحجارة والصخور والحصى والنفايات المختلفة . الكثير من المترددين، وحتى المعارضين، بما فيهم المتضررين والمتآمرين، والمشقلبين، والانتهازيين.. الكثير من الفوّارين وعشّاق الكلام والخطب النارية الظرفية ، وكثير من المبالغات والاندفاع والصخب.. وكان بروز عبد الناصر(من ركام الهزائم)، ودعاوى المَصْرنة والفَرعنة، وهو يقود معركة التحرر ضد الاستعمار والأحلاف، ويتبنى خطّ القومية العربية بنصاعة متصاعدة.. التدشين العملي لتدفق ذلك الطوف المحتقن، المنهمر، خاصة وأن روافده الغزيرة(البعث، والجماهير، والعسكر، والأغلبية الساحقة من الشعوب العربية، وحركات التحرر الناهضة) تجمّعت في ساعة العدوان الثلاثي على مصر، وقررت تسليم قيادها ( لهذا البطل المارد القادم من الصعيد).. وليكن ما يريد، فكان الذي كان ..وكانت الوحدة السورية المصرية تتويجاً وتكليلاً.. و(بداية) طريق مفتوح على مصاريعه لوحدة عربية جامعة .

كان شيئاً خارقا ذلك الحماس الرافض لأي تأجيل، أو تمهيل، أو عقلنة، وعندما حسم ضباط (المجلس العسكري السوري) مباحثات البحث في الصيغ، وتردد عبد الناصر، والبعث بالوحدة الفورية الاندماجية ، عبروا، رغم (تمردهم) على لوائح الانضباط والتراتبية الرسمية، عن مشاعر الأغلبية الساحقة من الشعب العربي، بما في ذلك أعضاء الأحزاب، وعديد قياداتها.. فتمّت الوحدة.. كأهم، وأبرز إنجاز صنعته حركة التحرر العربية، بل والعرب.. منذ قرون، وبدا أن الحلم آخذ بالتحقق ..

****

كنا صغاراً يومها، ولا نفقه في علم السياسة، والأفكار والأديولوجيا، والمؤامرات المكشوفة والخفية، ولا بدواليب الأجهزة وما يقوم به السراج وغيره، أو ذلك الصراع الخفي بينه وبين المشير عامر( المفوّض والمتعهد)، وكان (أحمد سعيد) يملأ رؤوسنا فخراً بما نحن فيه، وحقداً على المتآمرين : الرجعية، والحكام الخونة، والصهاينة والأمريكان والغرب.. كله، فامتلأنا بالاندفاع والحماس لهذا الأسطوري الذي صار بين أيدينا(ولم يغيّر كثيراً من واقعنا ويومياتنا، ولا من شحّ السماء، وقنوط الفلاحين ووجوههم المكفهرة من قحط يتكدّس)..

كأن الدنيا لن تحمل فرحنا، كأننا نسينا الفقر والتعتير والتخلف، والمرض، ومشاكلنا الصغيرة، وحتى دراستنا.. وصار الحلم ـ الأمل : متى يزورنا القائد، المارد الذي لوّنته مخيلتنا بكل ما فيها من مخزون حكايا الأبطال والفرسان الخوارق، وهو يحمل شمس العرب ليرفع علماً واحداً موحّداً عليها.. فتنطلق حناجر الشعراء زخماً من الأوصاف البليغة، ويئنّ قاموسنا الوصفي لكثرة الاستعمال، والجهد بحثاً عن الجديد، والأكثر.. والقائد يكبر في العقول والأماني(فنكبر معه).. ويأتي اليوم الموعود.. وينفجر الحماس المجنون ..

المحافظة يقضّها وقضيضها، بأقضيتها وقراها.. بجوارها وما هو أبعد تحتشد للقاء ورؤية الزعيم، فيعقد الفرح حلقاته مقيماً.. رغم جفاف السماء، واكفهرار الوجوه الكادحة التي أمضّها الفقر، والعوز، وانتظار المطر.. وتزحف كتلاً بشرية : شيباً ونساء وفتياناً.. حتى كأنّ المحافظة خلت من السكان.. إلا هناك.. حيث انتظار لحظة الوصول.. وذلك التدافع الحاشد الذي لم تعرفه محافظتنا لا من قبل ولا من بعد.. وحين يهلّ ينهمر الطوف البشري آلافاً ترصّ آلافاً، وكل واحد يبحث عن ثقب حتى لو كان بحجم ثقب إبرة علّه يحظى برؤية القائد فيمتلئ القلب دفقاً وينتشي كيان الذكريات بصورة محفورة ترددها الأعوام ومجالس الحكايا..

تحمل الآلاف سيارة الرئيس مسافة..طالما أنها لم تقدر على مصافحته.. ثم تراه، ولو من بعيد.. وتعود مساء والدنيا لا تسعها، وكأنها تحمل بين أضلعها كنزاً ثميناً أغلى من كل الأحلام الصغيرة لهؤلاء البسطاء، وأهم من نكد الحياة عليهم، ومن شقائهم، ومعاناتهم، ومحدودية دخلهم، وحياتهم..

****

وكما يقول المثل : ” تذهب السَكرة وتأتي الفَكرة”.. الحلم ينزل من العلالي ليصبح واقعاً، والواقع واقع . الواقع عنيد، والمسافة بينه وبين الأماني كبيرة، ونحن عجول ننتظر القطوف، وما بعد رعد الوعود السخيّة. الواقع حكم وأجهزة وبشر ليسوا من صنف الخوارق الذين رسمتهم التهيؤات الاندفاعية، وعديدهم(عبر وجبات المصريين القادمين للتعليم والعمل، وشغالات في البيوت) أناس بسطاء ليسوا بمثل تلك القامة التخيّلية، وأكثر : هم عاديون وأقلّ فتتلمظ الشفاء ببدايات النقد، وربما خيبات الأمل، ويجد دعاة التمحّص والتأجيل الكثير من الصيد لنشره على حبال الحكايا.. رغم موجة الخوف التي أخذت تنتشر وتغطي سماء الأحلام.. وكأنها البديل .

للمرة الأولى يستخدم المواطنون العاديون تعبيراً ظهر جديداً على مسامعنا الفتية(( للحيطان آذان))، وهذا يعني : التزام الحيطة والحذر، وإدخال اللسان إلى داخل الفم أبداً، ولمَ لا إغلاقه نهائيا. فالحيطان مليئة باللواقط، والأجهزة تسمع دبيب النمل، وهمس العشّاق.. والقادم : خوف، وسلبية، وترقّب متراكب بديل ذلك الحلم الخارق . وعندما يقتحم رجال بلباس شبه موحّد مدرستنا الابتدائية، ويفضّون بكارة وحصانة صفّنا، ثم يقتادون من داخله أستاذ التاريخ والجغرافيا وهو يعطينا درساً في التاريخ.. نقف مبهوتين، مذعورين.. لكننا نتحوّل خلال لحظات إلى كتلة انتحارية نهجم فيها على (الغزاة) لفكّ أسر أستاذنا العزيز الذي كان يصرخ فينا أن ننقذه وهو يتلقى الصفعات والركلات ونتف الشعر، والعبارات القذرة، وهو يقاومهم.. فندخل معركة (على قدّ عمرنا)، نخسرها، لأننا لم ننجح في (تحرير) أستاذنا، لكنّ شيئاً جديداً نما داخلنا : مزيجا من الغضب والسخط والحقد، وقد حفرت الحادثة مكانها العميق في الذاكرة والوعي، ووضعت كثيرنا في مفارقة غريبة : عشقنا للزعيم الذي تشدّنا كلماته، ونبرة صوته، وخطاباته، وجرأته في مقاومة أعدائنا، وبالوقت نفسه ضيقنا من هذا (البعبع) المتمدمد .. كأنه وحشّ أسطوري كشّر عن أنيابه، كأنه نبت من فراغ، أو أخاديد الانفصام، وربما تعاريج التاريخ الرابض في قاع العقول والذاكرة، وكأنّ لا علاقة له بالقائد، الزعيم المحبوب..وربما من وراء ظهره، وخارج علمه !!!، فدخل وعينا الجانب الآخر(الأسود، المخيف، الكابوسي)، خاصة ونحن نتابع أخبار(اعتقال الشيوعيين)، وملاحقتهم بطريقة شرسة(أولئك الذين كانوا حتى الأمس يسهمون في ” المقاومة الشعبية دفاعاً عن مصر وهي تتعرّض للعدوان، وكثيرهم فقراء، بسطاء، وبعدهم البعثيين، ثم : كل من يتجرأ على النقد، ولو همساً، فدخلت أحلامنا كوابيس جديدة، عنوانها : الخوف من ” الشعبة الثانية”، وكل ما يسمى مخابرات حتى ولو كانوا بلباس مدني يختلف عن لباس الشرطة والدرك، وبالتالي : خوف من الوحدة التي باتت مرادفة لكمّ الأفواه، والترعيب، وقصص التعذيب والقتل متعدد الأشكال، والتذويب بالأسيد، وشلع الأظافر، وخلع الأسنان، والزنازين والسراديب، فيطول الليل، وتختلط الأماني بغيوم سوداء لا مطر فيها ولا غيث …

****

نعم الوحدة غاية المنى، وهي الطريق الوحيد لتقدّم واستقلالية وقوة وازدهار وعطاء العرب(أمة موحّدة زاخرة بكل الإمكانات العملاقة، والموقع المتميّز، وبما يضعها في مكانها الطبيعي كقوة عظمى في عالم يركل الضعفاء ويؤرشف قضاياهم، ويركب أقدارهم)، وهي إنجاز عملاق كان يجب الحفاظ عليه وتطويره بكل السبل.. لكنها سقطت، ومن داخلها أساساً، وهذا ما يجب الوقوف عنده أولاً.. وإلا سنبقى ندور في ساقية التكرار، وحفر المشاجب، والتبرير .

     نعم المؤامرة كبيرة، وأطرافها كُثر، وأعداء الوحدة أقوياء، وقد اعتبروا الذي قام بين مصر وسورية اختراقاً خطيراً لقراراتهم واستراتيجياتهم وخطوطهم الحمراء، فعملوا بكل الوسائل لخنقها وإسقاطها، وجنّدوا قواهم وعملاءهم وقدراتهم لإنهائها.. ذلك صحيح، ويمكن المضي طويلاً في الحديث عن التفاصيل، والأدوار، والجهات، والوسائل، وحتى الأشخاص، والنظم(العربية والصهيونية والغربية..)..والأموال والإغراءات، وشراء الذمم والنفوس .. وهذا أمر معروف مسبقاً، ويفترض بالقادة السياسيين وعيه، والتصدي له.. صوناً للوحدة .. وتقوية لها .

    إن مواجهة المؤامرات، والتصدي لها، وصيانة الوحدة لا يتأتى إلا عبر قوة الجبهة الداخلية : انطلاقاً ومآلاً.. وقد عانت الوحدة خللاً بنيوياً، نشأوياً ركبت عليه كل آثام الممارسات اللاحقة.. فحدث الاختراق الداخلي، وتسربت القوى المعادية عبر كل الثقوب، والنوافذ، والمجالات المفتوحة، وانقضّت بتلك الطريقة الهزيلة، البائسة.. وقبرت الحلم والإنجاز .

الأحادية الأقرب للدكتاتورية، وقرار حلّ الأحزاب (شرطا مسبقاً)، والاستعاضة عن ذلك بتنظيم سياسي مصنّع من الحكم : خليطة عجائبية تلقّفت جيوش النفعيين والانتهازيين والوصوليين(بما فيهم أعداء الوحدة، وأبعدت صنّاعها وحماتها)، والإدارة البيرقراطية المطمَئنة الاستناد إلى أجهزة أمنية واسعة تراقب المواطن وتزرع الرعب والخشية و(الهيبة) فيه.. إلى جانب كل ما يقال عن تفاوت الأوضاع والظروف، واختلاف بنى التطور، والتركيبة المجتمعية(بسماتها التاريخية والواقعية)،وصراعات المراكز على النفوذ والاستئثار، خاصة بين المشير والسراج، وتهميش البعثيين فالخلاف معهم، فإبعادهم، وتقليص دور الجماهير إلى مستوى الفُرجة والتصفيق ..جميعها عوامل متراكبة قادت إلى تعرية الوحدة من حماتها الطبيعيين، وإلى توفير مناخات مناسبة لتعبئات مركّزة عن سيطرة وهيمنة المصريين على جميع المقدرات، خاصة في الجيش الذي شهد سلسلة من المناقلات والترحيل والإبعاد، فاستغل ذلك بعض الضباط الانفصاليين وانقضّوا بانقلاب هزيل.. بينما المشير ينام على وسائد التعوّد والسلوى، والتقارير الكاذبة للمقربين منه(ومنهم رئيس مكتبه)، لينجح الكزبري ببعض المصفّحات من قوات الهجّانة باختراق السائد، ويعلن انقلابه المطبوخ …وينجح الانفصال(في النتيجة) في إسقاط أهم عمل عربي استراتيجي.. وكأنه يدشّن عصر التراجع والانكماش، فالبيات والغياب، ثم ما يشبه الموت السريري لكل أحلام المشروع النهضوي، الوحدوي العربي ..

****

يمكن الوقوف طويلاً عند عوامل سقوط أول وأهم تجربة وحدوية، إن كان ذلك في ميدان العامل الذاتي، أو ذلك الخارجي.. لكن الأكيد أن غياب الديمقراطية، وتغييب القوى السياسية(الوحدوية)، واللجوء إلى الصيغ الفوقية المصنّعة، وتهميش دور الجماهير والاستعاضة عنها بالأجهزة والإدارة البيرقراطية.. إنما شكّلت، متضافرة، المناخ المناسب لنجاح مؤامرة الانفصال بتلك السهولة .

كما ويمكن التوقّف عند فشل” ميثاق الوحدة الثلاثية”(ميثاق 17 نيسان 1963) بين مصر والعراق وسورية .. حين أخفق قادة البلدان الثلاث(خاصة عبد الناصر والبعث) في تجاوز تركة الماضي وما خلّفته من سلبيات، أو خلافات وجهات النظر الطبيعية في شكل ومضمون الوحدة المنشودة، أو وعي المشترك بينهما بديلاً للاحتراب ونصب الكمائن، فالفشل، والانقسام، والتشتت، فضياع الأهداف التي كانت بين الأيدي.. إلى أجل غير منظور .

نذكر ذلك لأن مسار الوحدة قد انقطع فعلاً منذ ذلك العام، واستعيض عنه، لزمن قصير، بمشاريع ظرفية يغلب عليها التكتيك، والامتصاص، وفكّ الحرج.. إلى حين تدشين مرحلة الارتداد التي كانت الوحدة، كما بقية أهداف ومضامين المشروع النهضوي، أهم ضحاياها.. وقد أخذت بالانتحار العلني عبر تلك الواجهات (الوحدوية) المعلولة، والمجرْثمة(اتحاد رباعي، أو خماسي، أو ثلاثي.. وشلالات من مشاريع التوحّد المنتحرة على مصالح وتكتيكات أنظمة العوائل والقبائل)، ثم الموت السريري، والإهمال المقصود، والاستعاضة عنها (بالمتع) القطرية.. المتوجّعة بدورها من نهش الأنظمة لأوتارها الحساسة، والمرشحة(أيضاً) لأن تصبح بعض الذكريات في عديد الأقطار(والحبل على الجرار) .

****

الوحدة هدف أسمى، غاية الغايات، ووسيلة الوسائل إلى دولة عربية واحدة تؤمّن التكامل وشروط التقدّم، والاستقلال متعدد الوجوه . وستبقى الحل والمخرج . الأمل والطريق . الإطار والحاضن . الكاشف والامتحان.. لكنها، وبعد كل الذي جرى، وبعد تكشّف العديد من الثغرات والفجوات في وعيها، ومفردات مكوناتها، ومضمونها، وطبيعة القوى الشعبية وخط تطورها، وتفرعات المرحلية في تحقيقها، ومقدمات ذلك من عمل مشترك، وممهدات استباقية من صيغ التعاون مختلف الأوجه، وتطلع الشعوب المخْتَلف بين قطر وأخر، بما في ذلك سويات الأقطار المتفاوتة في مستوى النمو، المتباينة في السيرورة والتشكل وحتى في منسوب الثقافة وتلاوينها المختلفة، وأمور كثيرة  أفرزتها عقود التباعد وتداخلاته ومركباته الكثيرة في عموم الميادين .

المراجعة واجبة في فحص مدى واقعية تطبيق الشعارات الكبيرة(على حيوتها)، واستيعاب الوقائع السابقة واللاحقة للمترسة القطرية كأمر واقع كثير التشعبات والأبعاد، خاصة بعد كومة التحولات، وعقود نظم القطرية وما أفرزته، وبعد استيعاب مواطن الخلل لدى أغلبية القوميين العرب.. فإن (إحياء) الوحدة : فكرة ووعياً( في البداية على الأقل) لا يمكن أن يكون مقطوعاً عن فكرة إحياء وتجديد الخط القومي، الوحدوي( في إطار مشروع نهضوي شامل) على أسس ومقومات جديدة تستند إلى التجارب والوقائع والدروس، ومعطيات العصر أساساً ، وفي القلب منها : دور الشعب ومصالحه الفعلية، ومواطنية المواطن وحقوقه المصانة في دولة القانون، والعدل، والمساواة بين الجميع، بغض النظر عن الدين، أو الجنس، أو العرق، أو الطائفة، أو المعتقد ..ضمن دولة ديمقراطية تعددية : اتحادية ، تنوّعيّة لا تستبعد أو تهمّش أي مكوّن أو مفردة مهما كانت إلا وفق قوانين تسنها هيئات شرعية وتراقب تنفيذها مجالس منتخبة .

إن الاعتراف بالدولة القطرية ومواصفاتها، وتعدديتها، وبالتفاوت في النمو، وحتى التكونات المختلفة، وسويات الثقافة، والتوجهات الشعبية، والميول وغيرها من تركيبات متباينة بين هذا القطر أو ذاك، بما فيها مستوى التجانس والتعدد القومي والديني والمذهبي والقبلي، وغيره… هو مدخل ضروري لصياغة الفكر والمهام البرنامجية، وأساس الانطلاق في بلورة الخط القومي الوحدوي .

ومما لاشكّ فيه أن ممهدات كثيرة لا بدّ أن تسبق الوحدة الاندماجية(اتحادية كانت أم فيدرالية،أم سواهما) كالعمل المشترك في الاقتصاد وميادينه الواسعة، المتعددة، وفي التعليم والثقافة على العموم، والصحة، والفنون، والإعلام، وتنشيط وتفعيل هيئات المجتمع المدني لتكون بديلاً عن العمل الرسمي الموسمي، والمحكوم بمصالح وأزمات وتكتيكات النظم الحاكمة، وتعزيز التضامن العربي، وفخر الانتماء إلى أمة كبيرة(تعددية، متناغمة المفردات) لوطن كبير يحقق المساواة بين الجميع، ويحترم كرامة ومواطنية وحقوق البشر من أي منشأ، أو اتجاه كانوا .

إن إبقاء ذكرى الوحدة حيّاً في الذاكرة، خاصة الأجيال الجديدة المتعاقبة التي لم تعرف غير الشرذمة والمتاريس البديلة : القطرية والإثنية والدينية والمذهبية وغيرها، وغير الخواء العربي لعصر الهزائم والركوع . عصر التفتتات والشرذمات والحروب الأهلية متعددة الأشكال … هو واجب جميع القوميين والوطنيين.. لأن الوحدة : أولاً، وأخيراً، ودائماً.. هي البديل، والمخرج، وهي الجامع، الضامن لاستقلالية حقيقية، وتنمية شاملة، وازدهار المنطقة، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية : التحريرية، التحررية، الديمقراطية، العقلانية، الحداثية التي تضع الأمة في موقعها الصحيح .

لكن، وبالوقت نفسه، فإن استمرار إدمان العقل البوليسي، التبريري، الهروبي.. على النهج ذاته في تحميل(الآخر) مسؤولية السقوط والخراب، وتجميل صورة الوحدة من كل جوانبها، وكأنها كانت لوحة رائعة.. لولا..إنما يُسهم في استمرار أزمة الخط القومي المختنق بنهجه السابق، ويعطي المجال لقوى التشقيف والبعثرة المضي في عملها المعادي للاتجاه الوحدوي، وإنزال المزيد من الهزائم بالخط القومي ودعاته وتعبيراته .

إن البحث والتقويم، وإعادة النظر عوامل قوة، بل واجبة كمدخل، وكمهمة أساس لإعادة المصداقية للخط القومي، وتمكينه من استيعاب المتغيّرات والوقائع عبر رؤية نقدية، واقعية لا تسبح في سماءات الأحلام والتصورات الذاتية.. وهذا ممكن، خصوصاً وأن الكثير من البناء البررة لذلك الخط يسهمون، منذ سنوات، بجهدهم المشكور : بحثاً، ونقداً، وتوليفاً، وتركيباً..ضمن منظور أعمّ : إنهاض المشروع القومي، الحداثي، التقدمي، الوحدوي بجوهر شعبي، ديمقراطي، وافق واقعي ينطلق من حال الأقطار ومفرداتها، وعبر المَرْحلة، والتنهيج في الخطوات التجميعية بين العرب، في جميع ميادين الحياة .. وصولاً إلى الصيغة الاتحادية الأرقى التي توازن بين التعددية والتوحد. بين واقع الأقطار والمركزية .. والتي تكون مفتوحة على جميع المواطنين المقيمين : عرباً كانوا، أم من إثنيات أخرى، مسلمين ومسيحيين ويهود ومعتقدات مختلفة ..

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s