الياس مرقص في حوار العمر

الياس مرقص في حوار العمر

منير الخطيب

إن تنامي الطابع العدواني ـ التدميري لليبرالية الاقتصادية الأمريكية، وازدياد توحش النظام الرأسمالي العالمي بعد إعادة صياغته أمريكياً، وتعمق انقسام العالم الحاد بين الشمال والجنوب، وتزايد خراب الطبيعة وتدمير البيئة وتهديد النوع البشري مع تقدم القوة التدميرية الملازمة لتقدم هذا النظام، وضع البشرية على مفترق خطر وأعاد طرح المسألة المركزية في الماركسية إلا وهي مسالة “الاغتراب” أو “الاستلاب” وفرض علينا إعادة تجديد السؤال الأهم في تاريخنا “كيف يمكن للبشرية أن تسيطر على نتائج أعمالها وتقلص من هذا الاستلاب الرهيب؟.

كما أن مفاعيل الهيمنة الإمبريالية هذه على مجتمعاتنا أعادت إنتاج التأخر فتراجعت دولة الحق والقانون ومفاهيم الأمن والأخلاق والضمير وتراجع الدين كجوهر روحي ووجداني وصعد كوثنيات وعصبيات مذهبية وعشائرية، وتحجَّر الفكر ودخلت مجتمعاتنا حالة من العطالة الفكرية انتفت معها قضية الإبداع والتجديد، وساد منطق التكفير والاستئصال وإقصاء الآخر، كل هذا فاقم من مسألة شقاء الوعي واستلاب الفكر وابتعاده عن رسم صورة أكثر اقتراباً من الواقع.

هذه القضايا والمعضلات التي هي قضايا ومعضلات الفكر والواقع يحلِّلها ويقدمها لنا المفكر الراحل الياس مرقص في حوارٍ مع الباحث جاد الكريم الجباعي أجراه معه في الأسبوع الأخير من عام 1990، وصدر عن دار حوران للنشر والتوزيع في كتاب بعنوان “حوار العمر”.

يتابع المفكر الراحل في هذا الحوار نقده للستالينية عبر تفكيكه لمنطقها ومنظومتها المفاهيمية، لا سيما “مفهوم المادة” التي اختزلت الواقع بموجبه إلى مجموعة من القوانين الأثيرية المجردة، مما جر الكثير من الخراب على تاريخ الماركسية، فتصور الواقع على أنه مادة “للذات الثورية” وللقادة العظام في التاريخ ولإرادتهم “الخيرة” أدى إلى إلغاء الواقع والفكر معاً.

إن الواقع بكل تفصيلاته وتعقيداته هو عبارة عن ذوات أخرى له منطق، وهدف الديالكتيك حسب ماركس وهيغل كشف هذا المنطق، وهدف الفكر الحر الذي يضع الحقيقة المجردة، بدون مسبقات إيديولوجية، مسعى وهدفاً له، هو رسم صورة أكثر اقتراباً لهذا الواقع الحي والمعقَّد، فالحزب الثوري صاحب “الإرادة الفولاذية” لا يمكن أن يتعامل مع قضايا الواقع والبشر كما يتعامل الحذَّاء مع مادة الجلد عندما يضع جزمة أو حذاء.

إن تغليب ماركس السياسي على ماركس الفلسفي بوصفه وريثاً لهيغل ولعصر الأنوار وفلسفته وتقسيم الفلاسفة إلى مادتين مثاليين هو في نظر مرقص افتراء على الماركسية وعلى تاريخ الفكر الإنساني.

ثمة أزواج مفهومية هيمنت على تاريخ الفلسفة من قبيل: المادة / الروح، الوجود/ الوعي، الواقع/ الفكر وثمة علاقة في الاتجاهين بين هذه الثنويات بتوسيط الشغل والعمل الإنساني.

إن المادية الستالينية لم تميز العالم الطبيعي من عالم الإنسان المدني الذي هو إنتاج الشغل البشري، فمنذ انفصال الإنسان عن المرحلة الحيوانية وتاريخ البشر هو مُنتج إنساني، الستالينية المعممة عالمياً دمجت عالمي الإنسان الطبيعي والاجتماعي في مفهوم “الواقع المادي”، وقالت بأن الفكر هو انعكاس المادة في الدماغ لذا بخَّست من قدر أفكار البشر السابقة “للمرحلة الثورية” فلا فكر يستحق صفة العلمية إلا الفكر الثوري هذا الفكر الذي “لا يخطئ” مما أسَّسّ للاستبداد السياسي وذلك لأن الاعتراف بإمكانية وقوع الذات في الخطأ هو ضمانة الديمقراطية.

إن الاعتقاد بأن “الحزب الثوري” قد كشف قوانين تطور التاريخ وأن “الحقيقة” مودعة عند الأمين العام لا يأتيها الباطل من أي جهة كانت

هذا كله أسس للحزب اللاحق بإقامته الأساس الإيديولوجي ـ السياسي للدولة الشمولية.

الواقع ليس “مادة” كما أن المجتمع المدني المنتج بطريقة الشغل البشري لا يمكن حصره في مفهوم الواقع المادي، المادة في شكلها الأولي هي المادة المتعينة كالخشب والصوت والمادة متشاركة مع العمل الإنسان في مفهوم الشكل والتشكل، العمل الإنساني بعيد تشكيل المادة من هنا كان التاريخ هو تعاقب التشكيلات والأشكال بدءاً من شكل الملكية وصولاً إلى شكل الحكم ـ في سياق نقده “للمادية”الستالينية يولي الياس مرقص أهمية لمقولات الفلسفة المثالية، كمقولة الروح، والله، والمطلق، والإيمان ويؤكد الأصل الشعبي لهذه المفاهيم وهو غير النزعة “الشعبوية” التي تؤقنم الشعب والجماهير، هذا الأصل الشعبي للمفاهيم الفلسفية هو مفتاح اندراجها وتحققها في الواقع.

إن هيغل وماركس وإنجلز استخدموا كلمة الروح مئات المرات ستالين شطب هذا المفهوم والمترجمون العرب استخدموا بدلاً منه كلمة عقل وهذا في رأي الياس مرقص مغالطة كبيرة، مقولة الروح واسعة جداً وتشمل جميع النواحي الروحية والنظرية والأخلاقية والفكرية عند الإنسان وهي مقولة شاملة للدين والفن على السواء.

وهو يميز بين تنوعين من الإيمان: أ ـ الإيمان الدوغمائي الحسي الذي يضع الله في صف المادة، ويؤمن بوجوده، كإيمانه بوجود الطاولة والكرسي والشمس والإيمان الثاني هو الإيمان العقلي الذي يضع الله مع الضمير والروح والفكر، كون الله ليس جبلاً أو شمساً، وأن الإيمان الحسي الدوغمائي وسم مراحل الانهيار والتراجع الغربي في حين أن الإيمان العقلي وسم مراحل النهوض والتقدم.

في تاريخ الفلسفة من أفلاطون وأرسطو إلى كانط وهيغل مروراً بالقديس أوغسطين وتوما الإكويني والفلسفة العربية الإسلامية وديكارت وسبينوزا نجد أن موضوع الله هو الموضوع المركزي عند الجميع وعندما اختار الياس مرقص الله مع الفكر والضمير جعله مبدأً ومحركاً للإبداع عند الإنسان في حين أن الإيديولوجيات الدينية الظلامية تعتبر الله خاتمة الأشياء، ويتساءل كيف أن شعباً يردد على الطالع النازل وطوال الوقت الله، الله دون أن يكون الله في فكر شعبنا مؤسساً لسمو القانون في حين أسس مفهوم سمو الله عند الأوربيين لسمو القانون إن الله وحده المقدس لأنه الكلي، الكامل والمطلق واللامتناهي، واللامحدود وكل ما هو جزئي ونسبي غير مقدس، إن سمو القانون نابع من صفته المطلقة كونه تعبيراً عن الملكية الكلية الاجتماعية وتعبيراً عما هو مشترك بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية.

إن الإيمان اليقيني الدوغمائي الحسي الذي يضع الله في صف الطاولة والجبل والشمس يهدم التفكير ويكفّر كل شيء عداه ويحلل قتل من خالفه الرأي وهذا ما يميز المؤسسات والجماعات الدينية المتطرفة في مجتمعنا التي تعتبر المبدعين والمجددين مرتدين وزنادقة وكفرة تحت شعار مخالفة الجماعة والتآمر على وحدتها.

إن مادية ستالين برأي مرقص مخفضة قياساً بالمادية التي جادلت الفلسفة المثالية تاريخياً وعبر هذا الجدال تم بناء صرح الفلسفة الذي هو صرح فكري حقيقي. إن الفلسفة “الماديانية” التي تمتد من ديمقريط وأبيقور مروراً بالاسمانيين في العصر الوسيط ثم الماديين الفرنسيين والإنكليز في القرن الثامن عشر وصولاً إلى فيورباخ هي الفلسفة التي كانت نداً حقيقياً للمثالية، الفلسفة المثالية في نظر مرقص أكبر شقيقه للعقل إذ لا يمكن الحديث عن العقلانية بدون أفلاطون.

ومن أهم مآثر الفلسفة المثالية جنوحها نحو التجريد والعموميات نحو الرؤى الكبيرة ونحو استخدام المطلق، الفكر الأوربي منذ أفلاطون وأرسطو إلى اليوم لم يتخل عن فكرة المطلق، وظف المطلق والأزلي بالمطلق أسس للنسبي وبالأزلي أسس للزمني والتاريخي أخذ جميع المقولات الدينية وجعلها مع كونها دينية مقولات دنيوية وتاريخية وسياسية وعلمية.

ومن مآثر الفلسفة الماديانية، حين كان المثاليون يرفعون لواء العام كان الماديون يرفعون لواء الأفراد وحين كان المثاليون يرفعون شعار الهوية العامة والوحدة كان الماديون يرفعون لواء التعدد والاختلاف.

الستالينية ألغت الصفة الأفرادوية للواقع وألغت فردانية الفرد وألغت الاختلاف وهذا أدى إلى إلغاء الهوية لأن إلغاء الخاص يعني بالضرورة إلغاء العام.

إن تذويب فردانية الأفراد في “الطبقة” أو “الجماهير” يلغي الإبداع ويشل عقل الأمة وينسف الأساس الموضوعي للديمقراطية وبإلغائه حق الاختلاف والتفرد يؤسس للاستبداد والشمولية.

إن الاعتراف بقدرة الفرد وبحقه في الاختلاف وعدم تذويب شخصيته في الجماعة وبأن الإنسان العاقل هو صانع تاريخه وأن المجتمع البشري هو ابن هذا التاريخ للإنسان العاقل، هذا الاعتراف يختلف في آن معاً مع الرؤي الدينية الحلولية والرؤية الستالينية: الرؤية الحلولية ذات الأساس الديني البيزنطي التي تمجد الخالق في المخلوقات وتحل الله في الطبيعة وتزيح الإنسان وإبداعه وإنتاجه ولا تعترف بأن هناك عالماً مدنياً هو من اختراعه، كذلك تفعل الستالينية بتبخيسها لقدرة الإنسان الفرد وللفكر البشري الذي أنتج الحياة المدنية من خلال تقديسها للفكر “الثوري” و”الحزب” و”الطبقة” هذه الطبقة وهذا الحزب سيقيمان “فردوساً” على الأرض ينتفي فيه الشر ولا يحتوي إلا على الإنسان الملاك، وأن الشر في هذا “الفردوس” الأرضي سيتم استئصاله عن طريق الثورة ودكتاتورية البروليتاريا.

الياس مرقص يدافع عن وجود الشر في تاريخ البشر وواقعهم لأن وجوده دليل على معقولية الواقع، والموقف الأوربي العقلاني من هذه القضية يقول بضرورة تقليص الشر عن طريق تحسين شروط حياة البشر بشكل متدرج، والفكر لا يمكن أن يقيم فردوساً على الأرض، العالم الحقيقي الواقعي القائم هو عالم الإنسان بكل تناقضاته وإشكالاته وميوله.

إن الإيمان بقدرة الإنسان الصانع والعارف على تغيير شروط حياته منذ إعلان القطيعة مع المرحلة البدائية وانتقاله من حالة القطف والصيد إلى مرحلة الزراعة يجعلنا نؤمن بمفهوم التقدم الذي يختلف عن مفهوم التطور الذي هو الانتقال من طور إلى طور ويختلف أيضاً عن مفهوم التحول الذي هو الانتقال من حالة إلى حالة، ويختلف أيضاً عن مفهوم “الثورة” ، الفكر التقدمي الغربي ضحى بمفهوم التقدم لحساب مفهوم الثورة، التقدم هو نمو في إنتاجية البشر عن طريق العمل الإنساني ويفترض ذهاباً إلى الأمام، وتقدم البشرية كان كذلك نمو في قدتها الإنتاجية منذ الأزل وإلى جانب هذا النمو في القدرة الإنتاجية هناك نمو لقدرتها التدميرية وهذا يستوجب نقد التقدم مما يقودنا إلى الموضوع الأهم في الماركسية ألا وهو مفهوم “الاستلاب” أو “الاغتراب”.

إن ماركسية ما بعد ماركس تجاوزت هذا المفهوم الذي كان صلب الإيديولوجيا الألمانية ومؤلفات الشباب، إن موضوع الاغتراب والاستلاب ينجم عن المسافة بين الهدف والواقع، الهدف يقبع في رأس الفرد أو الجماعة أو الحزب، الواقع يعاكس الهدف عند وقعنة الهدف وتحقيقه قد تكون النتائج عكسية وليس كما كانت تتصور الذات التي تحمله، هنا تصبح مسألة الانخلاع أو التغرب مسألة العمل الإنساني وفاعلية البشر، ممثلاً سبب خراب الأرض في كوبا هو النهب جراء زراعة قصب السكر التي درت أرباحاً هائلة على مدى عدد طويل من السنوات.

مع ظهور الشغل البشري ظهرت فاعلية إيديولوجية، غائية، أصبح للإنسان هدف يعمل من أجله، لو نظرنا اليوم إلى نتائج أفعال البشر في المستوى الاجتماعي والتاريخي لوجدناها مغايرة لأهدافهم، أي إن البشرية لم تتقدم جدياً في السيطرة على نتائج أعمالها.

إن التقدم البشري ينتج نقيضه، فمع هذا التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي أحرزته البشرية، يتقدم التصحر وينمو الفقر ومرض الأيدز ويتسع ثقب الأوزون وتقل الثروة المائية ومصادر الطاقة..إلخ من هنا تنبع راهنية المشروع الماركسي لأن جوهره بالضبط الإجابة على سؤال كيف يمكن للبشر أن يسيطروا على هذه النتائج؟.

إن مفهوم “الاستلاب” يتسم بأهمية خاصة في مجتمعاتنا العربية التي تعيش استلابات متعددة، فهي متأخرة وتعاني هيمنة خارجية واستبدادا سياسياً وتجزئة قومية ونقصا في اندماجها القومي.

في القسم الثاني من الحوار ينتقل مرقص إلى مناقشة مرحلة عبد الناصر ومرحلة عصر النهضة فيحقّب تاريخ العرب الحديث الذي بدأ مع غزو نابليون إلى ثلاث مراحل: أ ـ مرحلة الاستعمار الكولونيالي أو العصر الليبرالي، ب ـ مرحلة المد الثوري وحركة القومية العربية ج ـ مرحلة التراجع والانهيار التي أعقبت وفاة عبد الناصر.

في المرحلة الأول وبعد انتصار الاستعمار على المجتمعات التقليدية العربية مع انتهاء الانتفاضات المسلحة في الأرياف والجبال سيطر الاستعمار الكولونيالي وانقسمت المجتمعات العربية إلى قسمين : أ ـ أهل المدن من بورجوازيين ومثقفين وتجار وبورجوازية صغيرة وعمال وموظفين ب ـ أهل الأرياف والفلاحين وفقراء المدن المهمشين والبدو.

إن مشروع عبد الناصر السياسي كان يهدف إلى دمج وتوحيد هذين القسمين أو المجتمعين، وأن عصر عبد الناصر كان عصر القومية والثورة الاشتراكية الجامحة القادمة من الاستقلال الوطني وكان متأثراً بالسياق العالمي السائد آنذاك الذي كان يرفع يافطة سمة العصر التي هي سمة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وكان عصر الجماهير والنزعات الشعبية والكدحائية وتحت هذه الشعارات تم طي مسائل وقضايا عصر النهضة: كقضية الحرية والاستبداد، والأمة، الشعب، الديمقراطية، وحقوق الإنسان…إلخ.

يختلف مرقص مع تسعة أعشار الذين نقدوا عبد الناصر من ماركسيين وقوميين عرب ومنظمات ثورية…إلخ، هؤلاء الذين نقدوه باسم الاشتراكية أو باسم تحرير فلسطين أو بأية أسماء أخرى، وبرأي الياس مرقص كان عبد النار متقدماً بالمعنى التاريخي على هؤلاء جميعاً، لقد كان زمن عبد الناصر هو زمن تحرك الكتل الشعبية الهامدة ودخولها معترك الأحداث السياسية الكبرى: عام 1956 أثناء العدوان الثلاثي على مصر وعام1957 في معارك حلف بغداد وعام 1961 ضد الانفصال، وعام 1967 عندما رفضت الهزيمة وأعادت عبد الناصر إلى رأس السلطة. عبد الناصر كان تحت تأثير هذا المناخ الشعبي وتحت تأثير مناخ الثوراوية العالمية وكان تأخر نظامه السياسي البيروقراطي، وتأخر النخب السياسية السائدة عامة عوامل لم تساعده على التقاط أهمية الثقافة والفلسفة، رغم أنه في أواخر حياته أدرك أهمية ذلك عندما تحدث أنه بنى السد العالي ولم يستطع الحفاظ على النظافة في مشفى القصر العيني.

كل هذه العوامل مجتمعة منعت عبد الناصر من مواصلة قضايا عصر النهضة، التي لا تزال هي قضايا ومسائل واقعنا الراهن: فمسألة الحرية مثلاً جرى تهميشها وإدغامها بقضية التحرر الاجتماعي والسياسي وقضية تحرر الكادحين من الاستغلال الاقتصادي، في حين أن لها جذراً فلسفياً عميقاً في التاريخ الأوربي، هي وعي الضرورة المفهومة فهماً صحيحاً وقائمة على حرية الاختبار للأفراد والمجتمعات وعلى مبدأ الاحتمالات وعلى إبراز فردانية الفرد. وتميزه تجاه الموضوع والحرص على عدم تذويبه في سديميات الشعب والجماهير، ولا يمكن للإنسان أن يكون حراً إلا إذا كان مالكاً فنزع الملكية هو قمة الاستلاب، إن تاريخ البشرية في رأي هيغل هو تاريخ السير باتجاه الحرية وفي رأي مرقص هو تاريخ تقليص عبودية الإنسان وتقليص تاريخها العبدي، وبرأيه أيضاً أن مقولة الحرية اُستوعبت بمقولة الإرادة عند الروس ونحن العرب تأثرنا بهذا الجانب، فاختلطت علينا المفاهيم وخاصة مفهومي العدالة والحرية في حين أن العدالة تضم مفهومي الحرية والمساواة وضمانتهما الديمقراطية.

ومن قضايا الواقع والفكر التي لم يتم إنضاجها في زمن عبد الناصر مفهوم “الدولة” ففي سياق النزعات الماركسية المعادية للدولة والتي قالت باضمحلالها وبأنها أداة قمع طبقي وسيطرة طبقة على طبقة لم يتم التمييز بين السلطة والدولة السلطة التي هي أداة قمع واستبداد والدولة التي هي ميدان العام وميدان ممارسة السياسة والقانون بصفته تعبيراً عن الكلية الاجتماعية، لكل دولة سلطة ولكن ليس بالضرورة أن يكون لكل سلطة دولة، لا يمكن التقدم بدون دولة الحق والقانون، دولة المؤسسات، حقبة ما بعد عبد الناصر كانت حقبة انحدار الدولة وتراجعها إلى ما دون الدولة إلى الدولة ـ الطغمة، والدولة العشيرة.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s