جورج حبش

جورج حبش

د. عبد الإله بلقزيز

النظافة، النقاوة، الطهارة، المبدئية المثالية، الإيمان الأسطوري بقضية.. مفردات لا تنتمي إلى السياسة وقلما كانت في التاريخ من معدات من يحرثون في حقل السياسة ويزدرعون.

الأنبياء والأبطال التاريخيون وحدهم من ارتفعوا بالسياسة إلى مستوى الرسالة فحرروا السياسة من المعنى الضعيف، وزودوها بالطاقة الأخلاقية التي صنعت بها المعجزات في الأرض وحررت بها البشرية من الخوف والعبودية والاعتساف والقهر. غير هؤلاء، لم يعرف للسياسة، ولم يعرف من السياسة، غير معناها المألوف والمبتذل كقرينة على المصلحة أو المنفعة وكوسيلة مجردة من أية أخلاقية عليا عدا تلك التي تؤسسها السياسة نفسها وتسوغها بحسبانها الأخلاقية الشرعية والإيجابية الوحيدة.

ولم يكن رعاة الصلة الماهوية بين السياسة والأخلاق في تاريخ الإنسانية ممن حالفهم الحظ دائماً فأفلحوا في تحصيل ثمرات نظرتهم الإنسانوية الرفيعة إلى السياسة كرسالة عليا من أجل خير البشرية، فقد يحدثنا التاريخ عن مصائر ومآلات غير طيبة لهاتيك المساعي التي سعى فيها الأعاظم والكبار.

إليكم ما تقوله صحائف السماء ومدونات التاريخ في الدنيا: كم من نبي جحده قومه فقتلوه أو حاصروا دعوته فقضى في صمت من غير أن تصل رسالته إلى شغاف النفوس، لتخرج تعاليمه من حيز السياسة والإمكان المستحيل إلى حيز الإرشاد الروحي وطقوسه من صلوات وجولات في النفس عميقة. وكم من بطل تاريخي ألقى في نفس شعبه فكرة كبيرة فخذله الزمن وانكسرت بطولته مادياً ثم انبعثت أمثولة في النفوس تستلهمها الأجيال وتتجدد بها الآمال، في المقابل، ما أكثر من أخذ السياسة بغير مأخذها الأخلاقي فكسب معركة ثم لم يلبث أن خسر حرباً بعد حين.

ما أكثر السياسيين الذين كسبوا رهانهم فأتى عليهم الدهر بالنسيان. وما أكثر الذين حفروا في ذاكراتهم أسماء الأنبياء والأولياء والأبطال التاريخيين الذين قضوا ولم يعاينوا ثمرات نبوءتهم أو نضالهم. لم يترك الأولون ما به يذكرون  على فالح فعلهم  لكن الأخيرين بذروا في النفس معنى لا يزول وارتفعت قاماتهم عن حدود البشري والواقعي، من لا يدرك حقيقة هذا الرأسمال الرمزي النادر في صناعة التاريخ لا يدرك التاريخ، نعني: لا يدرك الديناميات العميقة التي تصنع التاريخ. من لا يدرك ذلك، سيعجز دائماً عن فهم الأسباب التي تقود إلى عودة “الأموات” وأفكارهم ومثلهم إلى رحاب السياسة والحياة العامة، عما يسميه بعضهم اليوم بعودة الموروث ومعه عودة تلك الطاقة المعنوية المذهلة التي لا تقبل صرفاً أو قياساً بالقيم والمقاييس المادية.

هذا ليس نصاً في هجاء السياسيين، ولا هو نص في مديح الأبطال والأنبياء والمرسلين. إنه أقرب ما يكون إلى البوح والاعتراف: البوح بشعور إنساني تجاه فقدان معنى رفيع من معاني السياسة في تاريخنا العربي المعاصر، والاعتراف لمن أخذ معه ذلك المعنى  وهو يرحل عنا  بالجميل التاريخي الذي يليق بأي شريف على هذه الأرض أن يعترف لصاحبه به، وصاحبه جورج حبش: الرجل الذي يكفيك اسمه كي تعرف من هو، إنه الفكرة والقضية والثورة في صورة رجل اختصر المعاني كلها وارتفع عن حدود المحسوس والمألوف، كان بسيطاً إلى أقصى حدود البساطة، لكنها البساطة التي لا تنقاد لأحد سواه، أو لأحد ممن هم في جملة أضرابه (وهم قليلون لا يكادون يحسبون)، كأن البساطة ما كانت وضعت لغيره حين وضعت، كأنها على مقاسه كانت فأتت تعرض نفسها في كل شيء فيه: في صوت شديد الدفء والصدق، في ثغر لا يبخل يوماً بفيض ابتسامات يفتر عنها، في حركات اليد المسكونة بالحزم، في مفردات تهبط بالمصطلح السياسي إلى اللغة المحكية التي تخاطب أكثر الناس، معه أنت في حضرة رجل تاريخي بامتياز، رجل ندر أن وجدت له في التاريخ المعاصر مثالاً، لكنك تحار في فهم ذلك المنسوب الهائل من التواضع في شخصه والذي يتدفق بتلقائية من عينيه ومن لسانه من دون حدود.

وفي بساطته كان ملتزماً ثوابته بحزم بحيث لا يحيد عنها حتى حين تدلهم الآفاق، تحاول عبثاً أن تستدرجه إلى حديث عن أفق قريب ممكن، فيأخذك إلى البعيد، تفهم أن السياسة عنده مسكونة بالتاريخ، بل هي التاريخ يمشي خارج قلعة الماضي فيردد دروسه.

مؤمن هو لا مكان للشك عنده، الإيمان مذهبه ومشربه وطريقته المثلى في الحياة، رَ ما بدا لك، عِ ما شئت، فلا هو يرى ما تراه إن ذهلت عن النظر إلى الأفق المفتوح، ولا هو يعي ما تعي إن أخذتك مثبطات اليوم عن وعي محفزات الغد، شيئاً فشيئاً تدرك أنه لا دواء عن وعي محفزات الغد. شيئاً فشيئاً تدرك أنه لا دواء ليأسك أو حبوطك أو وهن عزمك سوى أن تصغي لـ”الحكيم” جورج حبش فتتمتع بحمام روحي يطهر النفس من أدرانها.

كثيرون اختلفوا مع جورج حبش في السياسة، وذهبوا عكس مذهبه فيها: حين كان قومياً عربياً (وكذلك ظل)، وحين أصبح ماركسياً (قومياً)، لكن أحداً من الذين اختلفوا معه لم يجادل يوماً في أن الرجل ضمير شعب وأمة لا يضارعه في المكانة ضمير أو يضاهيه، انعقد إجماع الجميع على أنه الترمومتر الأدق قياساً في النضال لقياس درجة الصحة والسواء أو درجة الخطأ والاعتلال في الموقف السياسي والوطني والقومي من هذه أو تلك من أمهات المسائل في تاريخنا المعاصر من منتصف القرن العشرين الماضي.

بدأ الحكيم حكيماً (طبيباً) في الأبدان، وانتهى حكيماً في النفوس والإرادات والعزائم : جراحاً ماهراً في استئصال اليأس.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s