الاسلاميون في الربيع العربي وإعادة بناء خيارات التغيير

الاسلاميون في الربيع العربي واعادة بناء خيارات التغيير

د. طيب تيزيني

جاءت الحركات الشبابية , التي انطلقت في عدد من البلدان العربية , فاحدثت تحولات عميقة في معظم الحقول والمستويات , وذلك على نحو يتضمن الكثير من الاحتمالات المفتوحة , وخصوصا وفي المقام الاول ما حدث وما يزال يحدث في حقل الخيارات التغييرية , فلعلنا نلاحظ نشوء آفاق جديدة لاسئلة جديدة ربما تكون انفتاحات على خيار او خيارات جديدة , فلقد كانت لوحة التغييرات التاريخية ممثلة في مجموعة من الانماط الاقتصادية الاجتماعية تجسدت في اللوحة الخماسية الشهيرة : النمط المشاعي , والثاني العبودي والثالث الاقطاعي والرابع الرأسمالي والخامس الاشتراكي , وجاء البعض ( مثل تفوجل الالماني ) واضاف ما اعتبره نمطا خاصا بالشرق يتسم بهيمنة الاستبداد وعنفه فيه , واضطربت هذه اللوحة الخماسية مع سقوط الاتحاد السوفييتي الاشتراكي , وبروز سؤال جديد : اليس من قبيل الترهل الفكري والمنهجي ان نحصر التاريخ العالمي في اللوحة المذكورة اياها , نظرا الى ان التاريخ لا يجد نهاية مطلقة , على حد قول فوكوياما , الذي اعتبر الليبرالية الرأسمالية الممثلة بالنظام العولمي الامريكي تجسيدا لها ?

واضافة الى ذلك قد نقول ان ما يحدث في العالم العربي على ايدي الفئات الشبابية ربما كان من قبيل اعادة بناء الخيارات التغييرية ضمن هذا العالم , يقال ذلك بعد حدوث ما قد يعتبر تحولات كبرى محتملة على هذا الصعيد . وحينذاك يتعيّن علينا ان ننظر الى فئات الشباب بمثابتها واحدة من قاطرات التغيير والتقدم التاريخي , ذلك بعد ان يكون الباحث قد وضع يده على العلاقات المتشابكة والمعقدة القائمة بين الفئات والوحدات والطبقات الاجتماعية بحيث تكون للفئات الشبابية ادوار تغييرية اكثر عمقا وتأثيرا في المجتمع ( العربي ) مما كان سائدا قبل الربيع العربي المذكور بعد الابقاء على الدور الكبير للعلاقات الانتاجية الاقتصادية في التغيير المجتمعي .

ها هنا, تبرز مسألة تتصل بالبنية الايديولوجية لحوامل ذلك التغيير في الاطار السياسي. والسؤال يغدو ضروريا : هل يستلزم ذلك حدوث تغييرات جديدة في قلب تلك الحوامل المجتمعية , من الفلاحين والعمال والرأسماليين الليبراليين وغيرهم , ويهمنا هنا من ذلك , الدور او الادوار التي يمكن ان تمارسها مجموعات دينية , اسلامية خصوصا في استراتيجيات التغييرات الاقتصادية والسياسية والايديولوجية والتكنولوجية وغيرها . فهذا كله ومعه ما يجد وما سيجد من تحولات عظمى فيها الكثير من الجدة , لن تسمح باطلاق مقولات وشعارات على عواهنها وتختزل ما يجب ان ينجزه العلماء والباحثون على صعيد الاسئلة الجديدة , وحالئذ لا يصح القول بان هذه الايديولوجيا او تلك مهيأة لاجابة قطعية عن ذلك كله , بعيدا عن احتمالات اخرى لاكتشاف ذلك الحضور الهائل من المشكلات والمعضلات والاشكاليات في اطار اسئلة جديدة ربما هي في طور الولادة , ونود التخصيص اذ نقول ان الشعار الذي طرحه اسلاميون والقائل بان ” الاسلام هو الحل ” يمثل عائقا امام التفكير العلمي الابداعي , الذي على ” الجميع ” ان يشتركوا في ” استكشافه ” وتحويله الى آليات فاعلة في عملية مواجهة الحطام العربي والاسلامي .

ويترتب على ذلك ان تصبح مهمات التغيير العربي التي تحملها الفئات الشبابية والوحدات والطبقات الاجتماعية وغيرها , مهمات الجميع . اما هذا الجميع فيندرج في اطار كل اطياف المجتمع المدني السياسي , من اقصى اليمين الوطني الديمقراطي الى اقصى اليسار الوطني الديمقراطي , من دون استثناء الا ممن يرفضه , وهذا بدوره يحذر من الانطلاق من طروحات نظرية جاهزة قد تكون مارست دورا علميا تحفيزيا من قبل . اذ في مثل هذه الحال التي تمر بنا راهنا في نطاق الربيع الشبابي العربي , يكون من الفضيلة العلمية والانسانية ان نفحص ما ورثناه وما نملكه راهنا من الطروحات النظرية في ضوء منهجية علمية نقدية ربما تتمثل في كثير او قليل مما دلل على مصداقيته على هذا الصعيد وبصيغة جدلية تاريخية .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s