المثقف المنهك وثقافة التعتيم

المثقف المنهك وثقافة التعتيم

محمد سعيد طالب

المثقف المُنْهًك،هو ذاك الذي يعمل في حقل الإنتاج الثقافي، وينتج مواد وسلعاً ثقافية يبيعها كي يكسب رزقه. تستأجره إمبراطوريات الإعلام الرأسمالية المعولمة وتوظفه لإنتاج الثقافة التي تخدم مصالحها وهيمنتها على الرأي العام وتعتم على الحقيقة وتموه الرأي الحر كي تحافظ على امتيازاتها وثرواتها. فهي تملك وسائل الاتصالات الحديثة والقنوات الفضائية والصحف والمجلات والإذاعات وشبكات الإنترنت وأدوات النشر والتوزيع والطباعة والتكنولوجيات المتطورة التي تمكنها من احتكار سوق هذه السلع. وهو في العالم المتأخر يعمل لدى الدولة التي تملك جميع وسائل الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، أو تخضعها لسلطاتها الرقابية العادية أو الاستثنائية إن كانت في ملكية القطاع الخاص وتفرض عليها قوانين صارمة تحد من حريات المثقفين العاملين فيها ونوعية الموضوعات التي يحق لهم الكتابة فيها، وتسهر على تنفيذها أجهزة الرقابة بفروعها المتنوعة فتنهكهم .

(ورد في معجم لسان العرب معنى النَهْك :التنقص، ونَهَكَ وأُنْهِك :أُُُجْهِدَ ورُؤيَ أثر الهزال عليه، وأَنْهَكَ البقرة الحلوب :حلبها حتى لم يُبقِ في ضرعها حليباً، والمرض أنهكه حتى أضناه، والثوب لبسه حتى خَلَقَ، ونَهَِِكتْهُ الحُمَّى جَهِدَتْهُ وأضنته فهو منهوك، ودَِنف، بانت عليه علائم المرض. والناهك والنهيك المبالغ في جميع الأشياء، وأنهكه السلطان عاقبه وانتهك حقوقه، وأضناه حتى أذهب حرمته.) هذه المعاني تستوعب المفهوم الذي أود الحديث عنه. المثقف المنهك هو الذي تحدث عنه إدوار سعيد، ليس المثقف العضوي الذي تحدث عنه غرامشي أي منتج الثقافة بكل موضوعاتها الفكرية، العلمية والفلسفية والأدبية والفنية والقانونية، الجانب الروحي والأيديولوجي من الحضارة الرأسمالية الحديثة، الذي استولت الدولة والإمبراطوريات الإعلامية على إبداعاته وحولت قلمه وكتاباته إلى سلع وجعلت منه عاملاً كادحاً لديها خاضعاً لقوانين العرض والطلب، وفرضت عليه شروط الإنتاج السوقية مثله مثل أي عامل بدون مؤهلات. فهو المثقف المأجور صاحب المؤهلات والدرجات العلمية، الذي يحمل عيوب وشرور عالم منحرف، إذ لا يغويه إلا الجبروت الذي يطحنه ويحيله إلى رماد فهو مستعد لأن يقذف بنفسه وعيناه مغمضتان في بحر أية خرافة أو ميثيولوجيا فيكون مستعداً للاندفاع مطمئناً  لحماية نيره في رقبته، وسلامه الشخصي في قيوده. عازفاً عن شرف يبنيه بأشكال القلق التي تساوره وتجعل منه مثقفاً. وهو مستعد للانخراط في مشاريع يتوهم أنها ستوفر له أشكالاً من الإثارة لا يستطيع أن يستمدها من ذاته، ليصب ألوان كسله وتراخيه في طاحونة ترسيخ وتثبيت النظم الاستبدادية التي تستغله، تدجنه وتؤطر سلوكه وتجعله من جنودها الأوفياء فتصبح كل كتابة على هذه الصورة تمرين على الترويض أو على الرفض. تستخدمه ويخدمها وكأنها قضيته ويقوم بتبرير ممارساتها وكأنها من ابتكاره، ويجاهد لاختراع الإشكاليات والمسوغات الفكرية والمعنوية ليكون ثمن عبوديته أكثر.  إنه مثقف مأجور باع   ويبيع نفسه للشيطان في سبيل الشهرة ليكون نجماً على الشاشات التلفزيونية الفضائية والأرضية وفي الندوات المتنوعة ليدلي برأيه في أحداث العالم السياسية والاجتماعية والعسكرية والاستراتيجية لصالح من يدفع له…

كتب إدوار سعيد حول هذا الانزياح والتحول لدور المثقف يقول(فقد بلغت عملية تحويل الحياة الفكرية إلى حرفة حداً من الانتشار ابتلع معه تقريباً ما أشار إليه جوليان بندا-مشيراً إلى المثقفين-حس الاصطفاء والمهنة ذات الرسالة. فقد أدخل المثقفون ذوو النزعة -لصناعة السياسات- معايير الدولة التي حين تدعوهم إلى العاصمة قد تكون في حقيقة الأمر قد أصبحت راعيهم وولي أمرهم، وكثيراً ما يتم قذف الحس النقدي بعيداً ونبذه نبذاً مريحاً). إن الاستعانة المتزايدة بالأيديولوجيا من جانب السلطة السياسية والمكانة الغالية للثقافة الأكثر نفعية قد حولت شطراً كبيراً من التربة التي تنمو فيها الحياة الفكرية إلى أراض عسكرية ومساحات تجارية. يتذرع المنهك بالقول: من يدفع أجر العازف يطلب اللحن الذي يريد، فلا بد من حمل النير. فهو واجب عليه لأنه لا يستطيع الوقوف على الحياد. يريد أن يأكل ويطعم أولاده، فلا أوهام حول الإبداع بالشكل والمضمون. هو يعلم أن من يدفع له أجره يشتري قلمه، ويشتري قلقه وحريته في التعبير والتفكير. لا مجال للشكوى التي هي فاتورة العاجزين، ومهما جأر بالاضطهاد والرقابة، فإنه لن يذوق طعم الأمن الذي غادر حلمه منذ أن باع واشترى. إنه غريب عن ذاك الذي جعله بائع سلعة لا توزن ولا تقاس ولا تقدر بقيمة إلا إذا كان لها معنى، وهذا المعنى هو بيت القصيد الذي يريدون شراءه منه حتى يظل ذليلاً تابعاً طالما ظل طعم المال يرتعش في عروقه، كلما فكر في المعنى، وهذا هو الضنك والاهتراء. لعنة المعرفة التي جعلت آدم يُطرد من جنته ومعه زوجه التي زينت له ذلك بسبب شهواتها، كي يظل أسير خطيئته المميتة. هي تهمة الخروج عن النص وما أدراك ما هي!!! خيانة الأعراف والتقاليد والدخول في الوعي الذي يجر إلى الخطيئة، فيصبح منهوكاً ومنتهكاً وتصادر أوراقه وأقلامه. يحاول التوفيق فيقع في التنقص، ويعمد إلى التلفيق فيرفض نصه ويصبح عملة غير صالحة للاستعمال لا تباع ولا تشترى.

هم يقولون الرقابة لا تمنع مبدعاً عبقرياً من الإبداع ولا ألمعياً من الذكاء، ها هي النجوم اللامعة التي تحظى بالسلطة الثقافية وبحرارة اليسر والوجاهة والنجومية تملأ الفضاء الثقافي توهجاً وتألقاً وإبداعاً.  وهو رد فيه من السخرية والامتعاض من المُنْهَك، ما فيه من الانتهاك الذي يعتبرونه تبريراً للعجز وامتطاء أحصنة الشكوى للدعاية المضادة والمبالغة في توصيف حالة الاضطهاد والكبت التي يزعم أنها تحيط به وتمنع عنه حرية التعبير والكتابة والنشر. المثقف المنتهكة حقوقه يسترسل في خلواته مع نفسه في استذكار هذه الدعابات وقد حفظها منذ أن خط يراعه أول كلمة، فلماذا إذن يكثر الإحباط عنده فلا يستطيع التفكير فيما هو عبقري كما يقترح هؤلاء كي يشطأ وينمو ويستعيد المعنى فيما يكتب .

فهو كالطائر الحر في عذابه وتشظيه وهزاله المعنوي والبدني في القفص، يموت رويداً رويدا لفقده حريته وطيرانه وتحليقه في الأجواء، غناؤه في القفص لو أصغيت إليه لعلمت كيف يكون بكاء الطائر وبوحه الحزين وهو يزقزق مرفرفاً بجناحيه كي لا ينسى حريته باحثاً عن منفذ عن فتحة في جدار قفصه ليخرج منها، عله يجد حريته التي سلبت منه. وهنا الضنى والضنك والإنهاك والضياع، وهذا ما يجعل توقيعه بالرأي حالة عسر في الفكر واعتلال في العبقرية وتماوت في الروح الفردية والجماعية. الكتابة كلام مغلق بدفع ممن لا ينطقون به كأنها توقيع يوضع في أسفل تصريح جماعي لم يشارك مُوَقِّعُهُ في صياغته وهكذا تكون معاناة كتابة.

الوعي الإشكالي عند المثقف المنهك ليس إشكالياً معرفياً، بل هو إشكاليات التوفيق والتلفيق والتقنية الإعلامية لإخراج ما هو مضطر للكتابة عنه، وهي إشكاليات الرقابة الأيديولوجية والأمنية ، التي تعتبر مرجعية مفسرة ومؤولة لكل ما يكتبه، إذ لا بد من استحضار الاشتراطات والأوامر والتعاويذ التي عليه أن يقاربها حتى يعلم ما هو ممنوع وما هو مسموح. كي يتجاوز عتبة الخطر والحظر والعقاب، ليؤسس لنفسه رقابة ذاتية تؤرقه وترهقه وتضعه على حافة الهاوية بعد كل نص يقدمه للنشر. هو في الخارج لا يمكنه الدخول بسهولة فالرقباء كثر والحواجز عديدة والمرور من الباب الضيق مضنٍ ومرهقُُ. ومن موقع المهزوم والوعي الشقي الذي يفرضه التراث، ويحدده الآخر، يتحول الإنتاج الثقافي إلى سلعة يفرض المشتري الذي هو الدولة أو الاحتكار الدولي أو الشركة الرأسمالية سعرها وشروط تسويقها وقيمتها التجارية التي يحددها مالك المشروع، ولم يعد للمعنى والإبداع والجمال والفن معايير غير مادية، القيمة السوقية هي التي تقرر الجودة والجمال والفن. لقد اخترعت منظومة الإنتاج الثقافي العولمي والدولي المثقف النجم الذي يستطيع إرضاء أذواق القراء والمشاهدين والمستمعين الذين هم اليوم من الطبقات الطفيلية التي حصلت على ثرواتها بأساليب الشطارة عن طريق البورصة أو ممن استولوا على المال العام أو ممن تاجروا بالمخدرات والممنوعات أو بالأسلحة، أو المضاربة العقارية أو العمالة …النجم يكتب ليسلي محدثي النعمة هؤلاء إما عن النساء الجميلات بائعات المتعة والجسد، أو عن رؤساء عصابات المافيا وتهريب وإنتاج المخدرات، عن التجسس والجواسيس وأخلاق العصابات، لإعلاء شأن هذه القيم على حساب القيم الإنسانية التي تمجد العمل كفعالية ذهنية وعضلية لتطوير عقل الإنسان وحياته ومجتمعه، وتعلي شأن الأخلاق المجتمعية الإنسانية: الصدق والوفاء والإخلاص والاستقامة وتعزز الثقة بين الناس. هذا النجم الذي تخلقه بين ليلة وضحاها مؤسسات لها طبيعة رأسمالية طفيلية تخصص بعضاً من ثرواتها لتوزيع المكافآت والجوائز على هؤلاء النجوم من الجنسين لتبيض ثرواتها. هي مؤسسات متفرعة عن المؤسسة الأم التي تخطط وتدبر وتضع الاستراتيجيات التي تريد الترويج لها والدعاية لأشخاصها، فتخلق النجوم والكواكب في الأدب والسياسة والفن والشعر والغناء والموسيقى والسينما والمسلسلات التلفزيونية، وهي قادرة على تجنيد الناس ليصوتوا لهذا أو ذاك من الذين ترشحهم للنجومية، ومن ثم تجندهم لخدمة أهدافها وغاياتها. فيهرع المثقف المنهك والذي يعاني الضنك والاغتراب والفاقة إلى هذه المنابر وهو مستعد لتوقيع أي عقد، ومهما كانت شروطه مجحفة ليصل إلى الشهرة والثروة التي صارت هي الأمل، فيبيع روحه مثل ميفستوفليس غوته ليدمر حريته ويدمر نفسه، ويدمر الناس الذين توهموا أنه مثلهم الأعلى فإذا هو ضحية من ضحايا هذا الزيف الذي يسيطر ويوجه ويدير ثقافات العالم ويسخرها لخدمة مصالحه. يقول نعوم تشومسكي في كتابه إعاقة الديموقراطية( إن السيطرة على الفكر أمر جوهري في المجتمعات ذاتها التي هي أكثر حرية وديموقراطية، حتى حين تقوم المؤسسات بتقييد الخيارات المتاحة عملياً تقييداً بالغاً) وهذا يهدف إلى تقويض غريزة الحرية، بالاستيلاء على المنابع الرئيسة في شخصية الإنسان التي ترويها وتجعلها مخضبة بالدماء تساوي بالضبط الحياة نفسها.

المنهوك بالهموم وقضايا الوطن الكبيرة والصغيرة، وهو يعاني من الحصار والاغتراب وقلمه بين فكي كماشة الرقيب الأيديولوجي والمقدس التراثي، وتوهجات رقابته الذاتية حول المحرم والمقبول والمطلوب، يحاول أن يعبر أن يمرق أفكاره بكل ما أوتي من فطنة وخبث بأنه لم يزح عن الصراط ولم يزغ أبداً، يجد نفسه في كل مرة يقطع نهرالروبيكون ، لا يحصل على مجد يوليوس قيصر. بل أمام نفس الإشكالية كيف سيكتب في المرة القادمة فيزيد اعتلاله الروحي. فهو إن تقدم نحو الحداثة قد يدان، وإن حافظ على الأصل التراثي لن ينجو من اللوم والعقاب. يا لها من معضلة يريدون إنتاجك الثقافي بلا قلق ولا معاناة ولا فكر حديث ولا وجع تراثي هنيئاً لك. التحديث كما كتب ديكارت هو الثورة في المنهج نحو العقلانية الشكية والنقدية وهي بوابة الدخول إلى العلم الحديث. ) في كتابه (الكتابة عند نقطة الصفر) دعا الكاتب الفرنسي رولان بارت إلى كتابة متحررة من القيود الأيديولوجية إلى إبداع أنماط وأساليب تعبير جديدة تتخطى أشكال الكتابة الرائجة التي عممتها الإمبريالية، والأيديولوجيات الشمولية التي صادرت الحق بالكتابة باسم الالتزام، وجعلت السياسة تقرر الإشكاليات الثقافية. والأسئلة هنا تطرح نفسها، وهي من يستطيع أن يكتب من نقطة الصفر من جديد وقد أصبحت الكتابة وظيفة وحرفة ولم تعد إبداعاً روحياً ومعانٍ جميلة وأشكالاً عبقرية لوعي الإنسان لذاته وتمييزه عن بقية المخترعات التكنولوجية التي تسابقه في أداء الكثير من مهاراته.

ألا يحق لنا أن نرثي لحال هذا المثقف المنهوك الذي صغر حجمه ودوره حتى كاد الحاسوب أن يحل محله وشبكة الإنترنت والإنسان الآلي أو الإنسان المنسوخ أو ما سيخترعه العلم والتكنولوجيا في الأيام القادمة أن يتفوق عليه، ونطالب له بفسحة من الحرية ليعبر فيها بشفافية عن قلقه، عن رأيه، وعن أفكاره، عن المعنى الذي يكابده وينهكه!!!!

 محمد سعيد طالب

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s