الغاز السياسي يشتري الربيع العربي

الغاز السياسي يشتري «الربيع العربي»!

د . عبد الاله بلقزيز

ليس صحيحاً ان النفط أعلى كعباً من الغاز في حساب الاقتصاد والسياسة، وإن اقترن به معنى الثروة في الواقع الموضوعي والمتخيل الجماعي على السواء. يكفي أن النفط ما كان يسعه، في أفضل أحواله، أن يصنع أكثر من الثروة وبعض متعلقاتها كالجاه والنفوذ. أما الغاز، وليُّ عهد النفط ووريث عرشه وصولته وصولجانه، فبات يملك ان يصنع الثروة و«الثورة» معاً! مع متعلقات أخرى به كالصلف والتقمص الكاريكاتوري لأدوار لا تسمح بها النواميس!

لا بأس من ان يكون الغاز أقل نظافة وجودة من النفط، وأدعى إلى الاعتداء على البيئة الطبيعية، إذا كان أجزل عطاء لدى من فاض فائضه على قليل سكانه. وعطاؤه الجزيل لا يُحسب بعدد الوافد من المال فحسب، وإنما بما يتخلّق عن فائضه من موارد قابلة للاستخدام السياسي، وقابلة لتظهير دور (سياسي) لا تسمح به الطبيعة والديموغرافيا والموقع والمستوى العقلي للنخبة الحاكمة! أما ان يتهمه من يتهمه بتلويث السياسة والثقافة وتدمير البيئات الاجتماعية والسياسية، مثلما يتهمه مناهضوه، فلا شيء في ذلك يضيره إذا كان أجرى تمريناً على ذلك ابتدائياً في البيئة الطبيعية، فالحياة الثقافية والسياسية، في النهاية، ليست أشرف من الحياة الفيزيقية التي يسكت الساكتون عن تدميرها بالغاز، ربما لأن مَن يسيطرون على سلعتها ينفحون المحتجين المفترضين ببعض ما تيسر مما يُشترى به الصمت وتُؤجّر به الألسنة! ثم إن إفساده البيئة السياسية والثقافية والدينية العربية ما كان ليكون في مُكنه إلا لأنه وقع على بيئة فاسدة مهيأة سلفاً للمزيد من الافساد! وآيُ ذلك ان الذين امتنع على الغاز السياسي شراء ذممهم وضمائرهم، وألسنتهم، وأقلامهم من المثقفين والسياسيين والإعلاميين، ورجال الدين ليسوا قليلين عدداً، رغم نجاحاته الباهرة في اختراق بيئاتهم منذ مطالع هذا القرن، وهم يجذفون عكس تيار إغراءاته مثلما جذفوا أمس عكس تيار إغراءات أخرى سابقة.

تكِلُ السياسة الأميركية، اليوم، دوراً للغاز السياسي في المجال العربي، في سياق التطبيع السياسي الأميركي مع الحركات الإسلامية بفروعها الإخوانية والسلفية، و«الجهادية» المراهقة. والدور هذا دور رعاية مالية وإعلامية تقترن بتأهيل سياسي أُوكل أمره إلى تركيا الأردوغانية. ولم يكن هذا الدور قد بدأ أداؤه مع انطلاقة ما يسمى، في الخطاب الأميركي، بـ«الربيع العربي»، وإنما تعود أولى مراسيم تنفيذه إلى النصف الأول من العقد الماضي، في سياق عملية تطويع وترويض للمشروع الاسلامي ـ في البلاد العربية ـ ليتأهل لأدوار سياسية إقليمية قادمة أرهصت بها المباركة الاميركية لحكم «العدالة والتنمية» في تركيا، وما حظي به من تعميد وتطويب، ومن حماية في مواجهة المؤسسة العسكرية العلمانية فيها. لكن لحظة انعطافه، وانكشافه، إنما بدأت مع انطلاق الحركات الاحتجاجية، التي توفر لها الحامل الاعلامي والدعوي المناسب، ومع إمساك أمر إدارة المرحلة من قِبل الوكيل العربي الصغير والوكيل الاقليمي (التركي) الكبير، وتنزلهما فجأة منزلة الناطق باسم «الثورة»، والراعي لقواها وتحالفاتها ومؤتمراتها، والمكلف بإعداد مسودات القرارات الدولية والعربية ذات الصلة!

على أنه في الكثير من القرارات العربية والدولية، التي تزكم الأنوف رائحة الغاز السياسي فيها، لا يكون معلوماً لقارئها، على التحقيق، ان كانت تتغيَّا إسقاط نظام أم إسقاط دولة! فإلى أنها تضع مؤسسات سيادية كالجيش موضع اتهام، لا تتحرّج في التشجيع على العنف الأهلي المسلح والحرب الأهلية بِتِعِلَّة ان «الثورة» المدنية والسلمية مجبرة على الدفاع الذاتي أمام قمع النظام، ومباركة شرعية سلاحها! ولا تتحرّج في إعادة قسمة الشعب الواحد إلى تكويناته الانثروبولوجية العصبوية، من طريق إحياء المفردات البغيضة للطائفة، والمذهب، والقبيلة والعشيرة والإسهال في الحديث عن احتكارية هذه ومظلومية تلك، وتحريض الاهل على الأهل! مثلما لا تخجل من طلب التدخل الدولي وشرعنته في مكان، ثم الإيحاء بالسعي في طلب ذلك في مكان آخر. ومع ان قوى الغاز السياسي لا تملك ذرة واحدة من المشروعية السياسية ـ فكيف بالمشروعية الديموقراطية ـ فإنها تجادل غيرها في المشروعية السياسية مجندة لذلك مليشيات سياسية وثقافية رثة تنوب عنها في القول عبر منابرها المرئية والمكتوبة. وقد نفهم كيف يستطيع الغاز السياسي ان يشتري ضمير كُتّاب يدورون دورة المئة وثمانين درجة كاملة!

وكيف يستطيع ان يطوّع قرار حزب او جماعة سياسية، او جمع من الفقهاء ورجال الدين، فتشتغل أفكارهم ومواقفهم السياسية وفتاواهم بطاقة الغاز المحركة، لكنه يتعسر على وعينا ـ تماماً ـ ان نفهم كيف يسع الغاز السياسي ان يتحكم في مجمل النظام العربي، ويملي عليه قراره، ويشتري ذمة موظفيه الكبار! والحال ان الغاز هذا لا تقف وراءه دولة بالمعنى العصري للدولة: ليس المعنى الفلسفي والقانوني والسياسي، وإنما بالمقياس الكمي البدائي فقط… وفقط وفقط! وقد يظل على المرء منا ان يتولاه استغرابٌ من هذه النازلة وبُهرٌ بها ان لم يدرك ان هذا الغاز السياسي ما ملك دورا سياسيا من تلقاء نفسه وقوته، وإنما أوتي الدور من غيره ليقوم به نيابة عن غيره، فاستخدم وقدّم السخرة لآمره على مثال ما طلب من مأموره (الثقافي، والحزبي، والديني) ان يقدّم له السخرة عينها!

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s