ملاحظات أولية للخروج من أزمة الأحزاب السياسية

ملاحظات أولية للخروج من أزمة الأحزاب السياسية

د . حازم نهار

لعل البحث و التمحيص في أزمة العمل السياسي في بلادنا العربية من أكثر المسائل صعوبة ، من حيث كونها أزمة ذات أبعاد و مستويات عديدة . تدخل فيها و تتكثف و تتمظهر معظم أزمات المجتمع العربي . فالعوامل الموضوعية المتكونة حديثا و الآخذة في التكون،على صعيد العالم وعلى صعيد عربي محلي ، قد فعلت فعلها في الواقع العربي ، وزادت حالة الإحباط و تشرذم الحركة السياسية .

إن أياً منا لا ينكر دور هذه العوامل الواقعية الجديدة التي أصابت الحالة النفسية للمواطن العربي في الصميم ، سواء أكان مثقفاً أم مسيساً أم مواطناً عاديا خارج دائرة العمل الفكري السياسي، والمسألة ليست محصورة في جزء من الحركة السياسية العربية ، بل أكبر من ذلك , فهي أزمة شاملة تطاول جميع الأحزاب السياسية على اختلاف انتماءاتها الإيديولوجية وأحجامها و تاريخها السياسي . ومن ناحية ثانية هي أزمة تتصف بالعمق , إذ تطاول الأبعاد كافة للحزب السياسي أو المؤسسة السياسية الواحدة : البعد الفكري و السياسي و التنظمي .

إن أزمة بمثل هذا الاتساع و العمق ،لا يمكن معالجتها من دون فتح حوار جدي، شامل وواسع، لمقاربتها من أقلام عديدة و بزوايا نظر مختلفة . من هنا تنبع ضرورة قيام الأحزاب العربية ، بمراجعة نقدية واعية لمناهجها و أساليب عملها المختلفة ، وليس هناك من بديل للوعي النقدي، لتحرير المؤسسات السياسية من عنق الزجاجة الذي مازال يضيق عليها الخناق . هذا الوعي يبقي مدخل الأحزاب السياسية العربية إلى العصر , و إلى قيامها بدور فاعل في واقعها، خصوصا إذا كنا مقتنعين بأهمية دور الأحزاب السياسية كمؤسسات تعمل على تنشيط الحركة السياسية و الثقافية في المجتمع .

 ما يحصل اليوم في واقعنا ليس حتمياً ، ومن الممكن خلق ظروف و أوضاع أكثر توازنا ، بحيث تستطيع الحركة السياسية العربية تمرير هذه المرحلة بأقل خسائر ممكنة ، وهذا يقتضي قيام الأحزاب السياسية بمراجعة نقدية سليمة و متأنية .

هذه المراجعة تفرض علينا كمنطلق احترام التجارب النضالية السابقة ، وتثمين ما هو إيجابي فيها ، إذ لا يمكن اليوم أن نبدأ من جديد ، لأننا بداهة لسنا في نقطة الصفر .

كي نجدد بشكل معقول وصحي ، علينا أن نعيد قراءة تجربتنا الماضية بعين واسعة تلتقط الإيجابيات و السلبيات معاً ، أي يجب على الحركة السياسية أن تبدأ عملها المقبل من حيث انتهت التجربة السابق ، لا أن تعيد التجربة نفسها ، وبالتالي عليها إعـادة البناء والتأسيس انطلاقاً من معرفة أسباب إخفاق التجارب الماضيـة.

صحيح كما يقول البعض أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً اليوم ، أو أن نؤثر في ما يجري على أرض الواقع الذي لا يقدم سوى الإحباط و المصاعب ، سواء أقمنا تغييرات أم لم نقم ، لكن الصحيح أيضاً هو ضرورة القيام بعملية تأسيس متأنية للغـد.

إن مشروع ( الحزب السياسي) الفاعل و الناضج ، سوف يبقي هدفاً ( إضافة لكونه وسيلة من وسائل النهوض بالمجتمع) , لأننا لم نرق حتى اليوم إلى فهم العملية الحزبية بشكل صحيح، كما لم نتقن أيضاً الممارسة الراقية للسياسة . هذه خطوة للوراء ، ولكن من أجل خطوات صحيحة نحو الأمام . 

إن إعادة التأسيس هذه ليست هدفاً طوباوياً ، كما يتخيل البعض ، فالطوباويون ليسوا طوباويين بسبب الهدف الذي يضعونه أمامهم ، ولكن بسبب الوسائل غير الفاعلة وغير الملائمة لحركة الواقع ، التي بأيديهم .

 النقطة الأولى في القراءة النقدية ، تقتضي القبض على شروط عمل الأحزاب السياسية ، عبر دراسة الواقع العربي دراسة متأنية ، إذ لا يمكن إقامة نظرية من دون دراسة أبعاد الواقع السياسي الاقتصادي الذي تعمل فيه هذه الأحزاب ، خصوصاً أن الأحزاب العربية على اختلاف انتماءاتها الإيديولوجية ، كانت تستجيب للمفاهيم المجردة أو المأخوذة من صياغات الآخرين، وتهمل البحث في مجتمعاتها نفسها أساساً ، واستخلاص المفاهيم من تجاربها و تاريخها ، وهذا أحد أهم أسباب انعزال هذه الأحزاب عن الحركة و التغيير في المجتمـع . 

أما النقطة الثانية فتتعلق بضرورة وعي الجدل القائم بين المنهج و الإيديولوجيا و السياسة . فالمنهج المطلوب في إطار العمل السياسي و الحزبي هو منهج التجاوز و التخطي الدائمين ، لكن من دون أن نترك احباطات الواقع المتكررة تلغي الأهداف و المبادئ .

الفكر العربي مازال إلى اليوم أسير رد الفعل ، فنراه مرتبطا بالإيقاع المباشر و الحسي للواقع ، مستجيبا للتغيرات العالمية و العربية بشكل سلبي ، داعياً ما يصل إليه من نتائج و تصورات على أنه ” تجديد ” و بالتالي يفتقد للرؤية التاريخانية في قراءته لحركة الواقع وبناء التصورات المستقبلية.

التجديد و التغيير مطلوب دائماً ، لكن لابد أن يكون هادئاً وواعياً ، فالتجديد لا يعني النسف و النقض ، التجديد يعني منهج التجاوز و الهضم ، فالجديد ينمو ويتصارع مع القديم . والجديد، أي ” جديد ” يحتوي في رحمه القديم بشكل ما . بهذا الفهم نحرص ألا يقع التجديد في فخ الانتهازية في الفكر و الممارسة ، أو في إطار المراهقة السياسية .

إن طبيعية المرحلة ، بما فيها من تراجع و انكسار ، دفعت بنا إلى تبني آراء غير متزنة حتى نتخيل أن الأهداف التي رسمناها لأنفسنا قد أثبتت عدم جديتها وصلاحيتها ، وبالتالي فهي بحاجة لتغيير وتبديل ، ناسين أو متناسين أحيانا أن المرحلة هي مرحلة تراجع ،… وأن الكثير من التجديد المعروض في الساحة الفكرية بهذه الصورة إنما يأتي في سياق التراجع لا في سياق التقدم و التطور . هنا يجب أن نلاحظ أنها ليست ” الماركسية ” أو ” الاشتراكية ” فحسب قد تعرضت للانحسار، إنما الأفكار القومية ذاتها . إن أهم المشكلات التي تعانيها الفئات التقدمية (المفترض أن تكون في ظل الأزمات أكثر وعياً ) أنها تنحط و تندرج في إطار التحليل البسيط المباشر للواقع العربي بدلا من أن تكون رافعة متينة له .

 نقول ذلك عندما نعلم أن كثيراً من العاملين في حقل السياسة و المجتمع وصلوا إلى حد التشكيك بالأهداف من دون الانتباه إلى أن العقائد و الأهداف لا تموت بالسكتة القلبية مرة واحدة، وإنما تتواصل محاولاتها ولو بالتنفس الصناعي في طلب البقاء ، أو عندما نعلم أن البعض أصبحوا يراجعون تجارب أحزابهم بشكل فردي من دون التعاون مع الآخرين ، وربما كانوا بمراكز قيادية بأحزابهم . في الجانب المقابل , و هو الأخطر , هناك القسم الأكبر الرافض لأي تجديد أو تغيير ، و الذي يشكل عقبة حقيقية أمام أي خطوة متقدمة على صعيد الفكر و الواقع .

 لم يتخلص الفكر العربي من الحالة الدوغمائية حتى في سياق مراجعته اليوم لتجربته السابقة ، وهو يقع بنفس الحفر و المطبات ، لا يزال يسير بعقلية ( إما / أو ) ، فكثيرون ممن كانوا أشد حماسة للفكر الماركسي أصبحوا اليوم على النقيض تماماً . الماركسية لم تكن دوغما، هكذا أراد لها مؤسسوها ، وهكذا فهمها و “عربها ” مفكرون عرب كالياس مرقص ، و عبد الله العروي و ياسين الحافظ و سمير أمين و غيرهم . الماركسية لم تكن نصية إلا في عقول النصيين أنفسهم . التطرف ليس مختصا بجماعة دون غيرها ، فقد يكون التطرف إسلامياً أو ماركسياً . التطرف هو ذهنية المتأخر الذي ينشد أمانيه في النصوص و الكلمات .

كل منهج يؤسس لإيديولوجيا بالضرورة . وليست مهمة الأحزاب الرئيسية أن تنشر إيديولوجيا ( لكن لا يوجد حزب أو جماعة تعيش من دون إيديولوجيا ) ، وإنما تحقيق برنامج سياسي ينبثق من وقائع الأمور لا من سلطة الإيديولوجيا على العقل .

هذا الفهم يتيح للأحزاب ألا تكون جماعات عقائدية مغلقة ، لتتحاور في ما بينها حول (السياسي) و (الواقعي) و (الراهن) من مشكلات الأمة التي هي اليوم أكبر من الأحزاب جميعاً.

إن الخلافات الإيديولوجية ليست بالضرورة تعني خلافات سياسية حول مصلحة الوطن و الأمة ، لذلك ينبغي على الأحزاب خلق حالة راقية من العمل ” الجبهوي ” على صعيد وطني أو قومي ، خصوصاً أن أعداء الأمة يقفون في شكل تحالف عريض على الصف الآخر .

بذلك فقط نرتفع إلى فهم أعلى للسياسة بوصفها تعكس تعدد الارادات في عملية صنع القرار السياسي .  سياسياً : أيضا يجب أن تبني الأحزاب العربية علاقاتها بالخارج و الداخل بناء واعياً ، فقد ربطت بعض الأحزاب العربية استراتيجيتها السياسية بالاستراتيجية السياسية للاتحاد السوفياتي السابق ، أما على صعيد الداخل فإن انشغال هذه الأحزاب بقضايا الحكم و السلطة اليومية حرمها من التقاط البنى السياسية و الاقتصادية للمجتمع العربي ، وبالتالي صوغ برامجها السياسية على هذه الأساس ، لا أن تتمحور توجهاتها حول أمور السلطة اليومية .

 عدم وعي هذه النقطة في السابق قاد الأحزاب إلى مواجهات مستمرة و مباشرة مع الأنظمة ، وزاد في انغلاقها على ذاتها ، وبالتالي تحولها إلى جماعات باطنية معزولة عن الشارع السياسي .

النقطة الثالثة في أزمة الأحزاب السياسية تتضح في ممارساتها السابقة ، وطبيعة علاقتها بالمجتمع . فكثيرا ما ظهر أن هناك هوة واسعة تفصل بين وعي هذه الأحزاب وفكرها و بين الممارسة الفعلية لها.

علينا أن نلاحظ أن تعاظم حالة البرود وعدم الاستجابة لدى فئات البشر تجاه الأحزاب السياسية هو في جزء منه اليوم بسبب نشوء حالة من عدم الثقة في كل هذه القوى السياسية .

لاشك أنه في ظل عالم عربي مشكل من الأزمات و الصراعات التي تتلاطم وتدور من غير أن تجد لها حلا و مخرجاً تتوجه فئات واسعة باتجاه التطرف ، لذلك سوف تواجه الأحزاب اليوم مهمة شاقة في إرساء ثقة الناس بها كي تقطع الطريق و تقف في وجه هذا التطرف الذي وضع ولا يزال المجتمع العربي على حافة السكين .

ولا شك أيضا أن مقومات إرساء الثقة بالناس هي الحفاظ على الصدقية وربط الأخلاق بالسياسة وقبول الآخرين ، وصوغ برامج سياسية ملائمـة .

أما النقطة الرابعة فتتعلق بالحياة الداخلية للأحزاب العربية . هنا أستطيع أن أضع الملاحظات الآتية حول الأزمة التنظيمية في الأحزاب العربية :

1- لم تطرح الأزمة التنظيمية في الأحزاب العربية ( إلا فيما ندر ) إلا بعد الانهيارات المتلاحقة في العالم ، وهذا يعود بنا إلى النقطة الأولى من هذا المقال .

2- التجربة الحزبية هي تجربة منسوخة عن تجارب أمم أخرى ، وليس هناك إسهامات عربية لإرساء نظرية تنظيمية ، إذ تقمص ( لينين) في الفكر اليساري العربي شخصية ( الإمام البخاري ) وكتبه في مجال التنظيم دور (صحيح البخاري ) على حد تعبير أحدهم .

3- التجربة الحزبية العربية هي تجربة حديثة ، إذ لم يصبح للأحزاب تقاليد سياسية وازنة ، هذا يفسر عدم الحضور الجدي و الوازن للقانون في الحياة الداخلية للأحزاب العربية ، ليحل بدلا عنه العلاقات الشخصية و الولاءات المختلفة التي انتقلت من المجتمع التقليدي إلى الأحزاب السياسية.

4- الأزمة التنظيمية تتجلى في جزء غير هين منها في الجهل التنظيمي ، جهل النظرية، وجهل الممارسة التنظيمية الصحيحة ( هذا إذا أخذنا في الاعتبار حسن النوايا ) . هنا نذكر شهادة أحدهم عندما اكتشف أنه كان من الأيسر حشد آلاف الناس في الشارع لتواجه بصدرها الانفصال في العام /1961/ مع عدم القدرة على جمع خلية حزبية واحدة تتدارس أبعاد الواقع و مهمات المستقبل في ذلك الوقت . من جهة ثانية يجب الانتباه إلى أن التوجه نحو الداخل الحزبي لتجديده أو تغييره هو توجه صحيح في جزء منه ، لكنه ليس صحيحا دائماً وفي كل الأوقات ، إذ قد يكون هذا التوجه ردا على احباطات متكررة في الواقع و على عدم القدرة على الفعل السياسي . هذا أدى بالبعض ( نتيجة العجز و القصور في الشارع ) إلى أن يطرحوا أسئلة خاطئة منذ البداية .

وهذه هي الأزمة الحقيقية ، أي في طرح الأسئلة الخاطئة وليس الإجابة عليها ، والأسئلة المغلوطة تؤدي إلى أجوبة مغلوطة بالضرورة أو إلى لا إجابة على الاطلاق .

نستطيع الآن بشكل مكثف و سريع أن نقدم بعض الملاحظات حول الأسئلة و المشكلات التنظيمية التي تعيشها الأحزاب العربيـة :

أ- لم تعط الأحزاب دوراً وازناً لمفهوم النقد و النقد الذاتي ، لذلك لا بد من توسيع مفهوم النقد أولا، و إيجاد آليات حقيقية وأدوات حديثة كي يأخذ النقد دوره في رسم صورة الحزب وتغيير أساليب عمله ، فالهفوات الصغيرة تكبر مع الأيام ، وتأخذ طابع التورم السرطاني إن لم تجد العلاج في الوقت المناسب. من المسلم به أننا قد نخطئ في الرؤيا ونخطئ في التقدير، وتلك مسائل ممكنة وواقعية لكنه من غير المسلم به ترك هذه الأخطاء للزمـن .

ب- التجربة اللينينية في التنظيم تجربة غنية ولا شك ، لكن أيضاً يجب وضعها على مائدة البحث لتطويرها عبر دراسة الواقع العربي كما أسلفنا . من جهة ثانية فقد تلمسنا جميعا على صفحات الجرائد و داخل الأحزاب السياسية هجوما عنيفاً على المفاهيم ( كمفهوم المركزية الديمقراطية) ، وكأن المشكلة هي في الكلمات المجردة ، من دون مناقشة علاقة هذه المفاهيم بحركة الواقع . فهذه المفاهيم و المقولات كسائر مفردات اللغة ، هي كلمات تنتمي إلى الفكر و إلى الكلي ، ليست مقدسة ولا شيطانية ، ولكنها تصبح كذلك بآلياتها و دلالاتها .

بالتالي المطلوب هو دراسة الآليات و الدلالات ، وليس رجم المفاهيم و الكلمات بحجارة تبرئة الذات و نصب شياطين وهمية .

هذا الهجوم الذي لا يتناول التفصيلات و الدلالات ، مترافق بفهم ساذج للديمقراطية الحزبية ، يرى أنها الآلية التي لا تلزم بشيء ولا تقيد بشيء . إن نقدنا لهذه التصورات لا يعفينا من ضرورة البحث عن آليات عمل وضوابط عملية كي لا تتحول المركزية الديمقراطية إلى حالة استبدادية .

هذه الآليات و الضوابط يجب أن تتحول إلى نصوص واضحة ، عوضا عن النصوص المبهمة التي تعج بها الأنظمة الداخلية للأحزاب , التي لا تتضمن آليات واضحة وضمانات عملية يمكنها تحويل الحياة الحزبية الداخلية إلى حياة ديمقراطية .  يجب توافر ضمانات تصبح معها ( المركزيـة ) مركزية القانون الداخلي للحزب ، ومركزية البرنامج السياسي للحزب ، و التفتيش في آليات عملية لأساليب حجب الثقة ، وآلية عقد المؤتمرات الاستثنائية ، وآلية تعبير الأقلية عن نفسها بنصوص واضحة في الأنظمة الداخلية ( قد يكون ذلك عبر تنشيط الإعلام الداخلي في الحزب) لا أن تتحول المركزية إلى سلطة من فوق إلى تحت وتصبح الحياة الحزبية خاضعة لمعايير أخلاقية في أيدي قيادات الأحزاب . 

ج- هناك عدد غير هين من المفاهيم اللينينية تتوافق مع طبيعة التجربة الروسية وزمانها، لكنها لا تتوافق مع حزب عربي حديث و ديمقراطي في هذا العصر.

هنا تكثر الأسئلة ، ومنها : ألا يتطلب مفهوم ( وحدة الحزب الصخرية ) منا مراجعة دقيقة ؟ هل هناك إمكانية لظاهرة التكتل و التعدد ضمن الحزب الواحد ، أم إنها تحدث رغم معارضتها ؟ أليس من عناصر الديمقراطية تعدد الإرادات في عملية صنع القرار السياسي في الحـزب ؟

د- إن اعتماد الديمقراطية كأسلوب يفرض الاعتراف بالتغاير و التباين بين أعضاء الحزب الواحد من حيث مستوى الوعي و النشاط و الحركة الاجتماعية لهم ، و هذا التباين يتم التعبير عنه في المؤتمرات الحزبية عادة ، و التي لا تجسد الحقائق القائمة فعلا بشكل دائم . هنا إذا يصبح الحديث عن استبدال البنية التنظيمية الهرمية للأحزاب بأخرى دائرية أو غيرها غير مبرر . لا يوجد حزب من دون هيئات وسيطة و قيادات ، لكن كما أسلفنا فان آلية العلاقة بين هذه الهيئات  بحاجة لمحددات واضحة في الأنظمة الداخلية ، وآليات عمل تضمن سهولة الحركة في جميع الاتجاهات من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق إضافة للحركة الأفقية النشيطة عبر اعتماد أساليب الإدارة الحديثة . 

من ناحية ثانية لا بد من توضيح صلاحيات كل هيئة حزبية عبر نصوص محددة في الأنظمة الداخلية ، بحيث لا تخرج هيئة ما عن حدود صلاحياتها أيا تكن هذه الهيئة، وهذا يوفر الجو الملائم للتخلص من العقلية الاتكالية التي تسم كل هيئة حزبية في اعتمادها على الهيئة الأعلى منها ، والحرص على تساوي أعضاء الحزب ، وان اختلفت درجاتهم التنظيمية ( عبر الإعلام و آليات أخرى) لمدى المعطيات السياسية و الفكرية و الاقتصادية المتوافرة حول الحزب و المجتمع و… وغير ذلـك .

لقد كانت الملاحظات السابقة محاولة منا لفتح حوار جدي وعميق يطرح أسئلة في الذهن ينبغي مناقشتها من دون مواقف انفعالية ، إذ لا بد لنا اليوم الانطلاق من فكرة العداء في الرأي إلى فكرة التراكم في الرأي ، من أجل وضع تصور ما لحزب عربي حديث ومتطور وديمقراطي ومنفتح على العالم و الآخرين ، يدرك أهمية النقد و المراجعة في التطور، مستفيدا من التجارب الماضية التي أوصلته للفوضى و الاستبداد و الانغلاق على الذات ، وعدم احترام الآخر والإفادة منه. ما من أحد له الحق في مصادرة الحق في مراجعة الماضي و إخفاقاته ، وكل محاولة تتعرض لتجربة الماضي من دون عقل نقدي لا تعني سوى أن الحاضر ميت وراكد . إن اللحظة التي تطرح فيها الأحزاب العربية ماضيها كموضوع للنقد و التغيير و التطوير الموضوعي هي اللحظة التي تجعلنا نعتقد أنها بدأت تفكر بالمستقبـل .             

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s