حمدي عبد المجيد .. من البعث إلى حزب العمال الثوري

حمدي عبد المجيد

من البعث إلى حزب العمال الثوري العربي

منير درويش

أشخاص كثر يذهبون بهدوء رغم التضحيات والخدمات الكبيرة التي أسهموا فيها لصالح أوطانهم وأمتهم ومارسوها   بصمت وتواضع.  بهذا الهدوء رحل حمدي عبد المجيد 15/ 12 / 1997، ورحلت زوجته زهرة النشواتي 23 / 8 / 2011، الزوجين اللذين عرفا بأبو رياض وأم رياض رغم أنهما لم ينجبا أولاداً تحفظ ذكراهم، لكن الشرف والعدل يفرضان علينا حفظ هذه الذكرى.

حمدي عبد المجيد أحد أبرز قادة حزب البعث في العراق، ومن ثم في سورية، تاريخه في الحزب تاريخ المناضل الذي شرَف رفاقه بصدقه وتواضعه وهدوئه ووعيه وصموده، صفات قل نظيرها إلا بين الذين   ناضلوا معه في العراق وشاركوه السجون وعذبوا، ثم تصدروا انقلاب شباط 1963 وساهموا في حكوماته قبل أن يسقطهم انقلاب عبد السلام عارف بعد أشهر معدودة ليعيشوا بعده في المنفى إما خارج الوطن أو داخله أسرى الاستبداد والديكتاتورية.

محنته الأولى النفي خارج العراق مع كثيرين بينهم على صالح السعدي وهاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي, الوحيد الذي لا زال على قيد الحياة من هؤلاء . رحلة طويلة وشاقة محفوفة بالمخاطر والآلام والحرمان.

تزوج حمدي من زهرة النشواتي ابنة العائلة الدمشقية العريقة في نشأتها ومكانتها وسلوكها، برجوازية دمشقية تسير على درب النضال الذي لم يخلو من متاعب ومرارات، أخوها راتب أحد الذين ساهموا في إعادة تنظيم حزب البعث بعد حله، تسير في خطاه، زهرة،  وقمر الأخت الصغرى التي أصبحت محط أنظار عدد من الرفاق لكنها تبدو أنها نذرت نفسها للعمل الحزبي، وتنفيذ المهمات الصعبة، يشاركهم الأخ الأصغر عبد الفتاح الذي عمل طويلاً في المجال السياسي . ومع تأسيس حزب العمال الثوري العربي ووجود حمدي على رأسه، ومشاركة راتب، أصبحت العائلة حليفاً للحزب.

شارك حمدي بفعالية، مع مجموعة من الأعضاء الذين انتموا لحزب البعث العربي الاشتراكي ( اليساري ) كما سمي أنذاك والذي وصف بأنه, ( انشق ) عن حزب البعث بعد المؤتمر القومي السادس 1963،  بتأسيس حزب العمال الثوري العربي، الذي أصدر بيانه التأسيسي في آب 1965، ضمن رؤية فكرية وسياسية محددة، يعود بعضها إلى الضرورة التاريخية لنشوء حزب قومي ماركسي عربي، بعد فشل التيار القومي التقليدي والأحزاب الشيوعية في صياغة (( مفهوم علماني ديمقراطي عربي،  للثورة العربية ))، وبعضها يعود للعمل على فك الارتباط مع مفهوم الحزب القائد (( الواحد )) وعن السيطرة العسكرية على الحزب والسلطة في سورية، وقبلها في تجربة العراق، هذه السيطرة التي كانت تبحث عن واجهات مدنية تختفي خلفها، وبذلك فقد انحاز حمدي مع رفاقه بانتقالهم من حزب البعث ( اليساري) إلى حزب العمال، للموقف الديمقراطي المدني الذي تأسس عليه الحزب، لذلك لم يكن هذا الانتقال انشقاقاً عن حزب البعث كما صوره البعض خاصة وأن عدداً غير قليل من أعضائه لم يكونوا قد انتسبوا قبلاً لحزب البعث   وهو ما أكده حمدي   باعتباره أميناً عاماً للحزب وأكدته قيادات الحزب وتجربته الطويلة،  لكنه انحيازاً نحو الفكر القومي الماركسي الديمقراطي المنفتح على العروبة بالدرجة الأولى. هذا الفكر الذي يتهمه البعض بالتفتيتي، لم يكن قوماوياً متعصباً، لأنه آمن بالانفتاح على كل المكونات واحترامها والدفاع عن حقوقها معتبراً أن المواطنة هي أساس الانتماء،  وكان أول من أدان الحرب التي أشعلتها السلطة في العراق ضد الأكراد في الشمال عام 1963 والتي لم يرى لها أي مبرر سوى تهديد النسيج القومي لهذا البلد والمخاطر التي يشكلها على البلدان الأخرى، وأول من نادى بحق تقرير المصير للأكراد في شمال العراق عندما يتحقق المجتمع الديمقراطي فيه. ومن يعود لوثائقه سيجد فيها ما يؤكد ذلك، إن مطابقة هذا الوعي وهذا البرنامج مع الوعي الذي أطلقته الثورات العربية الراهنة والربيع العربي تظهر إلى أي مدى يلتقي هذا الوعي مع ذلك البرنامج خاصة في مجال الديمقراطية حتى لو غلف وعي الثورات أحياناً ببعض الشعارات و الأفكار المخالفة.

تمتد معرفتي بحمدي عبد المجيد إلى أواخر عام 1962، خلال زيارة له قمت بها مع بعض الأعضاء من حزب البعث في بيته مقابل السبع بحرات حيث كان يقيم بدمشق،   لكن اللقاء المباشر الأول معه كان في أواخر تشرين الثاني 1965، كان وقتها أميناً عاماً لحزب العمال الثوري العربي ، وكنت مسئولا عن منظمة جامعة دمشق التي ضمت نخبة من العناصر المناضلة، جورج طرابيشي، فؤاد حرب، زينب نطفي، عادل صيموعة، ويشرف عليها وليد عبد العال ونواف الصفدي عضوي القيادة المركزية القطرية والمنظمة المحلية في دمشق، وقد جاء يرافقه طارق أبو الحسن عضو القيادة المركزية القومية والأمين القطري لمنظمة الحزب في سورية لحضور اجتماع منظمتنا كمندوبين عن قيادة الحزب ومناقشة بعض القضايا الفكرية والسياسية التي وردت في البرنامج السياسي للحزب وكانت مثاراً للخلاف، خاصة الموقف من عبد الناصر والناصرية، والتدخل المصري في اليمن حيث أن الشباب والطلاب من اليمن وغيرهم من الطلبة العرب الذين كانت تربطهم علاقة وثيقة بالحزب أبدو تحفظات كثيرة حول هذه القضايا التي كان لياسين الحافظ دوراً في صياغتها.  ورغم معرفتنا الشخصية بهما فقد تم التعارف بيننا عن طريق الأسماء ( السرية ) كما جرت العادة في جميع الأحزاب السرية. ورغم بعض الانفعال الذي سيطر على بعض أعضاء المنظمة حول هذه القضايا إلا أن حمدي بهدوئه استطاع أن يمتص هذا الانفعال ويحوله لحوار هاديء ومثمر.

 لكن علاقتنا تعززت بعد 8 أيلول 1966 عندما شنت السلطة في سورية حملة اعتقال واسعة شملت الكوادر الأساسية للحزب وأعضاء كثيرون من مختلف المحافظات، على خلفية حركة الرائد سليم حاطوم في السويداء واتهام الحزب بالاشتراك فيها، وكان بين المعتقلين وليد عبد العال، نواف الصفدي، فؤاد حرب، جورج طرابيشي، وهشام وكاع الذي لم يكن منتمياً للحزب، ومع اختفاء أعضاء القيادة، راتب نشواتي وفيصل بدوي ومحسن الشيخ راضي، ألقيت مسؤولية إعادة ترتيب التنظيم وإدارته على من بقي من منظمة الجامعة التي أشرف عليها طارق أبو الحسن قبل أن يعتقل إلا بعد مرور شهر على  حملة الاعتقال .  لكن اعتقال طارق،  دفعنا   للإسراع بإيجاد الصلة المباشرة مع حمدي عن طريق راتب، ولأن حركة أعضاء القيادة المتبقين خارج الاعتقال أصبحت محدودة، كان لا بد من إسناد هذه المهمة لمن بقي من قيادة منظمة الجامعة وقد لعب حمدي دوراً فعالاً في دعم وتوجيه هذه المجموعة الصغيرة التي عملت في ظروف بالغة الصعوبة على إدارة عمل الحزب وحمايته ليس في الجامعة أو دمشق بل على مستوى القطر، و كان لهذا الدعم الأثر الفعال في صمود هذه المجموعة في مواجهة مرحلة السجن الذي تعرض لها عدد كبير من جهة، والمحافظة على بناء الحزب وتوجيهه من جهة أخرى.  وإذا كنا نسجل لحمدي هذا الدور فإننا نسجل للذين ذكرت أسماءهم و الذين ساهموا في تلك المرحلة كل التقدير على الشجاعة والصمود والتصميم على العمل، بل إلى كل الذين انخرطوا في هذا الحزب طوال تاريخه أو أيدوه، اتفقنا معهم أم اختلفنا،   لأنهم شكلوا على الدوام مثالاً للتضحية والتفاني والنضال، وبالتالي فقد حلت قيادة منظمة الجامعة عملياً وبتكليف من أعضاء القيادة خارج الاعتقال، محل القيادة القطرية في تنفيذ مهامها الكاملة يساندهم أيضاً أعضاء القيادة والحزب في لبنان واتصالات متقطعة مع فيصل ومحسن.

كنت مع زينب نطفجي نلتقي حمدي كل يوم تقريباً في بيته بحي المهجرين الجادة العاشرة رغم صعوبة الوصول إليه وذلك لوضعه في صورة الوضع ودراسة المستجدات ووضع الحلول. وقد استطعنا خلال تلك الفترة من إصدار بيانين الأول بتاريخ 10 / 9 / 1966، بعنوان ( الوضع الراهن في القطر السوري ) والذي تضمن استنكاراً وإدانة لحملة الاعتقال ضد رفاقنا والمطالبة بإطلاق سراحهم، والانفتاح الديمقراطي على القوى التقدمية. والثاني حول الخلاف بين العراق وشركات النفط لدعم موقف العراق.

ورغم الظروف الصعبة فإن المعلومات التي كانت تردنا من السجن عن صمود رفاقنا وخاصة أعضاء القيادة شجعت كثيراً على صمود و استمرار بقية المنظمات التي أتيح لنا الإطلاع على أوضاعها وضبط أعمالها بما يتلاءم مع هذه الظروف. كذلك فإن المعلومات التي كانت تصلنا بينت أن التحقيق مع المعتقلين اقتصر على    وضع الحزب وقوته وعدد أعضائه   بعد أن أثار التوزيع الواسع لبيانه بمناسبة الأول من أيار 1966   حفيظة السلطة فبيتت له هذه الضربة، ولم يتطرق التحقيق   لحركة سليم من قريب أو بعيد،  وهذا ما جعل الاعتقالات تتوسع. لكن الحزب في هذه الفترة عانى أيضاً من إشكالات عدة، منها فصل مجموعة فيصل بدوي التي تركز وجودها في حلب وكانت قد انتسبت ككتلة للحزب، وعجز محسن الشيخ راضي الذي أشرف عليها بكل ما تمتع من قدرات تنظيمية وفكرية من دمجها في خط الحزب الفكري والسياسي. ثم التطورات السياسية التي هيأت لحرب 5 حزيران 1967 والخوف من الهزيمة التي كنا ندرك مخاطرها قبل وقوعها.  وفي كلتا الحالتين كان حمدي هادئاً وصبوراً رغم خيبة الأمل التي عاناها نتيجة الهزيمة، حيث وجد في الحالة الأولى أمراً طبيعياً لمجموعة لم تستطع أن تندمج بمشروع الحزب السياسي والفكري بسبب ثقل الواقع الاجتماعي وانعدام الوعي الفكري، وفي الحالة الثانية رأى أن الهزيمة هي هزيمة للأنظمة، أما بالنسبة للأمة فهي خسارة لمعركة يمكن أن تمر بها أية أمة من الأمم وأن تتجاوزها،  وذلك في محاولة منه لتهدئة الانفعالات التي تولدت لدينا خلال وبعد الهزيمة.

ورغم الإفراج عن جميع رفاقنا بعد الإعلان عن سقوط القنيطرة، إلا أنه باستثناء أعضاء القيادة فإن عدداً قليلاً من الأعضاء الذي خرجوا من المعتقل عادوا وانتظموا في الحزب، لكنه مع ذلك فقد استطاع أن يحظى بشرعية سياسية واسعة لدى الأوساط السياسية كافة.

 أضافت القيادة القومية بقرار منها أسماء كل من، زينب وفؤاد وأنا لعضوية القيادة المركزية القطرية إضافة لطارق ووليد ونواف وراتب، وبقيت علاقتنا مع حمدي مستمرة حتى عام 1968 عندما غادر للعراق بعد تحسن الأوضاع فيها ولم نعد نراه حتى شباط 1970 عندما عقد الحزب مجلسه القومي الثاني في عمان بمساعدة من الجبهة الشعبية الديمقراطية التي استضافته بإمكانيات متواضعة لكنها مهمة، فقد هيأت له المكان وبطاقات العمل الفدائي التي تحمل أسماءً وهمية، وتتيح لحاملها حرية الحركة بين سورية والأردن دون المرور على مراكز الحدود خوفاً من كشف أسماءهم. في هذا الوقت كان الحزب مشاركاً في العمل الفدائي مع الجبهة الشعبية الديمقراطية عن طريق انخراط عدد من أعضائه في معسكراتها، بناءً على دعوة وجهتها إلى أطراف اليسار العربي للعمل معها وفتح المجال للتفاعل والتواصل تمهيداً لمشتركات توحد رؤاها.

 وحسب طبيعة المجالس القومية ورغم الظروف التي كان يمر بها الأردن حيث كانت المناوشات قد بدأت بين الجيش الأردني والعمل الفدائي في جرش وعمان، فقد حضر المجلس أعضاء القيادات القطرية في سورية والعراق ولبنان مع منظمات وعناصر أخرى تقيم في الخارج،

كان انعقاد المجلس القومي في تلك الفترة ضرورياً لمناقشة تداعيات هزيمة حزيران وما صدر عن الحزب   بهذا الخصوص ( هزيمة 5 حزيران أسبابها ونتائجها وطرق تجاوزها ) تشرين ثاني 1967 ثم كراس ( الوضع السياسي العربي بعد عامين من الهزيمة ومهام المرحلة الراهنة ) حزيران 1969، الذي أثار خلافات أيضاً حول شعارات التضامن    العربي والإزالة الظافرة لآثار العدوان، التي بدت وكأنها بديلة عن (( شعار التحرير )). لكن الموضوع الذي كان له أهمية أيضاً هو أن القيادة القومية طرحت على المجلس تقريرها ( حول فصل كل من علي صالح السعدي وسعدي محمد صالح عضوي القيادة المركزية القومية وغالبية الأعضاء في العراق من الحزب )، هذا التقرير الذي أعدته لجنة قومية برئاسة ياسين الحافظ بناءً على طلب حمدي، للتحقيق في موقف هؤلاء من قضية الوحدة العربية التي قيل أنهم لم يولوها الأهمية لتي تستحقها وفق برنامج الحزب من جهة، وعدم التزامهم بالانضباط التنظيمي من جهة أخرى. ولأن النظام الداخلي يعطي القيادة حق فصل أعضاء منها ومن ثم عرض ذلك على أول مؤتمر فقد وافق المجلس على قرارات الفصل، دون الاستماع للرأي الآخر حول تلك التهم، (( أتيح لي في عام 1977 الالتقاء مع سعدي محمد صالح وعدد من هؤلاء الأعضاء في دمشق، وقد نفوا هذه التهم )).  انتخب المجلس قيادة مركزية قومية لم نعرف أعضاءها، لكن ما نعرفه أنها   انتخبت حمدي أميناً عاماً من جديد

صدر عن المجلس كراساً بعنوان (( البيان السياسي، حول الوضع العربي الراهن )) أواخر نيسان 1970 والذي تضمن التأكيد على ضرورة التضامن العربي والإزالة الظافرة لأثار العدوان، كما تضمن نقداً شديداً لتجربة   العمل الفدائي، أثار جدلاً مع هذه التجربة أدت إلى انتهاء العلاقة بينها وبين الحزب   وهنا أنهى الحزب علاقته بهذه التجربة، كما أن تواجده في عمان بعدها أصبح محدوداً.

بعد الحركة التي قادها الفريق حافظ الأسد عام 1970، عرضت القيادة القطرية المؤقتة التي شكلتها الحركة، موضوع التعاون على قيادة الحزب فردت عليها بحزمة من المطالب تتعلق بضرورة حل القضايا التي تواجهها سورية بما يحقق لها نظاماً ديمقراطياً تعددياً يلغي حالة الاستبداد ويؤدي لإطلاق الحريات العامة وتطبيق مبدأ الديمقراطية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتحديد موعد قريب لإجراء الانتخابات في جو ديمقراطي كامل واعتبرت قيادة الحزب قبول هذه المطالب والالتزام بها شرطاً للتعاون. وقد أصدرت القيادة المركزية القومية بياناً في كانون الثاني 1971 بعنوان ( الوضع العربي الراهن والتغيير الأخير في سورية ) تضمنت هذه المطالب وأضافت إليها شروطاً تتعلق بالعمل العربي.

كان حمدي في هذه الفترة موجوداً في لبنان ، فاقترحت عليه قيادة الحزب مقابلة الرئيس حافظ الأسد ووضعه في صورة  مطالب الحزب ، نظراً للعلاقة القديمة التي ربطت بينهما . ً ولإيمان حمدي بالحوار الذي يعتبره الوسيلة لحل القضايا والوصول للتفاهم. فقد حضر لدمشق وقابل الرئيس الأسد، كان اللقاء ودياً كما وصفه حمدي الذي أكد خلاله على القضايا التي تناولتها مطالب قيادة الحزب وبيان القيادة المركزية القومية. لكنها لم تلقى الاستجابة.

نقل حمدي ما جرى في هذا اللقاء لقيادة الحزب بالتفصيل، وقد ذكر السيد وفيق عرنوس أن الرئيس الأسد عرض على حمدي منصب الأمين العام المساعد لحزب البعث، لكنه اعتذر عن قبول هذا العرض.

لم يحضر أبو رياض وأي من العراقيين المجلس القومي الثالث الذي دعي لانعقاده في بيروت في شباط 1973، بعد أن هيأ له المكتب التنظيمي القومي، وكنت عضواً فيه مع وليد عبد ألعال وهشام عبدو، كان جو المجلس متوتراً جداً لسببين، الخلاف في دار الحقيقة للنشر بين رياض رعد عضو القيادة المركزية القومية وياسين الحافظ المقيم في لبنان منذ عام 1969، من جهة، ودعوة قيادة الحزب في لبنان للعمل داخل الحزب التقدمي الاشتراكي بدفع من كمال جنبلاط ( بعد أن عجزت هذه القيادة كما بررت ذلك عن التأثير في الأوساط الشعبية اللبنانية )، ورفض ياسين بشدة لهذا التوجه سانده في ذلك الحزب في سورية وبعض الأعضاء من لبنان لذلك فإن المجلس لم ينعقد لأكثر من ساعة حيث تقرر تأجيله لموعد لاحق لا يقل عن عام. وهذا ما تطلب مني السفر إلى بغداد في آذار 1974 لإطلاع حمدي على ظروف الحزب وأوضاعه وتحديد الموعد النهائي لعقد المجلس مجدداً بصفته الأمين العام. والإطلاع منه على أوضاع الحزب في العراق. كانت المرة الأولى التي أسافر فيها لبغداد، كان حمدي يعمل مدرساً في كلية الزراعة لذلك كان الوصول إليه سهلاً، و إذا كان قد تأثر كثيراً لأوضاع الحزب في لبنان، ورفضه لمشروع الاندماج مع التقدمي الاشتراكي، فإن وضع الحزب في العراق لم يكن بأفضل حال حيث لم يبقى في عضويته سوى عدد قليل من الأعضاء في غياب هاني الفكيكي الذي سافر إلى لندن، ومحسن الشيخ راضي الذي حصل على منحة لدراسة الدكتوراه في أمريكا لصالح كلية الزراعة وسافر دون رغبة أو موافقة من حمدي، كما أن علاقته بمجموعة سعدي محمد صالح كانت مقطوعة تماماً، ومع ذلك فقد بدا حمدي شديد التفاؤل بوضع الحزب في سورية في ظل القيادة التي يقودها طارق وفيها تلك النخبة المناضلة من الشباب الذين عرفهم جيداً خاصة وأن توسعه شمل   جميع المحافظات تقريباً. وقد أبدى استعداده لحضور المجلس القومي المؤجل.

وأمام المعلومات الغنية عن تجربته السياسية التي رواها لي في تلك الليلة سألته إن كان يستطيع كتابة مذكراته أو سيرته الذاتية لتوثيق هذه المعلومات لكنه لم يتحمس للمشروع بحجة أنه لا يريد أن يجرح أحد. في هذه الليلة تعرفت عن كثب على أم رياض التي تشاركه في كل شيء حتى في نشاطه أو تساعده في عمله، وقد غمرتني بكرمها سواء خلال إقامتي أو أثناء سفري للعودة التي تستغرق وقتاً طويلاً وتحتاج لزوادة من الطعام قامت بتحضيرها بنفسها.

لم يحسم انعقاد المجلس القومي المؤجل الذي عقد في تموز 1974 ببيروت، الخلاف حول قضية اندماج اللبنانيين في الحزب التقدمي رغم الجهود التي بذلها القطر السوري إضافة لحمدي في هذا المجال، بل على العكس كان الجو شديد التوتر مما دفع بالأعضاء من لبنان الذين انتخبوا في القيادة القومية، رياض رعد، عزمي عبدو، الفضل شلق إلى الاعتذار عن عضوية القيادة القومية بعد انتخابهم فيها كذلك استقال كل من هشام عبدو ومحمود الميس الذين اعتبرا دوماً من العناصر البارزة في الحزب، والتحق هؤلاء جميعهم بعدها للعمل داخل الحزب التقدمي الاشتراكي وتسلموا فيه مسؤوليات كبيرة تحركهم في ذلك نوايا صادقة للتأثير داخل هذا الحزب، لكنهم عادوا وتركوا بعد أن عجزوا عن التأثير فيه. قام   رياض رعد الذي كان قد هيأ بيته الصيفي بصوفر أولاً ثم في الشياح لاستضافة المجلس، بتقديم استقالته مع عزمي عبدو شفهياً من الحزب، وإذا كان عزمي قد قتل على يد عصابة إجرامية مسلحة في طرابلس بلبنان فإن رياض رعد بقي متواصلاً مع الحزب. وكذلك الفضل شلق وهشام عبدو وغيرهم .

ورغم هذا الجو فقد ناقش المجلس قضية هامة طرحها ياسين الحافظ  تتعلق  بمفهوم الثورة القومية الديمقراطية ،   ولأن الموضوع كان جديداً كلياً على أعضاء المجلس فقد جرى نقاش مستفيض حولها تضمن في جوانب منه اعتراضات كبيرة نظراً لعدم استيعاب هذا المفهوم واختلافها عن البرنامج الفكري والسياسي المعتمد . لم يكن حمدي وهو العضو الوحيد من العراق  راضياً عن تبني الحزب لهذا المفهوم  ، وأبدى موقفه هذا في مجالسه الخاصة . وهنا نسجل الملاحظتين التاليتين .

الأولى أنه من المؤسف ، غياب محاضر جلسات هذه المجالس كما غابت  محاضر عن كل  نشاطات الحزب الأخرى ، حيث لم تجري العادة لتوثيق تلك النشاطات بمحاضر موثقة .  وإذا استثنينا الوثائق التي أصدرها الحزب فإن الذاكرة هي المصدر الوحيد لما جرى فيها .

والثانية : فقد الحزب باستقالة أعضاء القيادة في لبنان عدداً من الكوادر الواعية والفاعلة  على الصعيد الفكري والسياسي ، وأيضاً  كمصدر  يمد  الحزب  بعناصر الطباعة والنشر وجميع احتياجاته الفنية والتي ألقي العبء فيها على ياسين وعدد قليل من الأعضاء المتبقين وهم عناصر مهمة   ، لكنها  أقل خبرة في هذا المجال رغم الدور الذي لعبوه .  وإن كان  هناك عناصر أخرى لها دور بارز لكنها لم تساهم في مثل تلك الأعمال .

وإذا كان مفهوم  الثورة القومية الديمقراطية التي تعيد التسلسل التاريخي للمراحل  الذي جاء في مواجهة شعار الثورة الاشتراكية التي تبناها الحزب قد اعتبر أن حرق المراحل وهم ، فقد اعتبر هذا المفهوم شكلاً للتوسط بين التأخر التاريخي الذي يعانيه الشعب العربي عموماً وبين الاشتراكية ، لكن ياسين بوعيه استطاع لاحقاً  أن يجعل أغلبية أعضاء الحزب يقبلون بها حتى لو لم يدركوا المعنى الحقيقي لها . وبالتالي فقد وضعت مع تغيير اسم الحزب على جدول أعمال المجالس القادمة .

وإذا كان النظام الداخلي للحزب ينص على عقد المؤتمر القومي كل سنتين إلا أن المجالس القومية التي تعقد بشكل استثنائي عقدت كل ثلاث سنوات تقريباً رغم كل الظروف الصعبة مما وفر للحزب مرجعية تنظيمية قادرة على متابعة تطورات الحزب ونشاطه .  خاصة أنها مارست    مهام وصلاحيات المؤتمرات القومية بما فيها انتخاب  قيادة قومية جديدة .

شكل المجلس القومي الرابع الذي عقد في حزيران عام 1977 محطة هامة في تاريخ الحزب فقد حضره إلى جانب أعضاء قيادة الحزب في سورية عدداً من أعضاء القيادات المحلية في المحافظات تم انتخابهم لأول مرة ، بالإضافة إلى لبنان الذي رمم أوضاعه التنظيمية وأضاف أليه أعضاء جدد ، ومرة أخرى كان حمدي الوحيد القادم من العراق ، وربما سبب له ذلك بعض الإحراج وهو الأمين العام ، وكانت المواضيع التي قدمت للمجلس قد أعدت بشكل جيد شارك في إعدادها إلى جانب ياسين أعضاء القيادتين في سورية ولبنان ، كما تميز بالانسجام التام بين أعضائه ، مما أدى إلى انجاز أعماله بيسر وأقر ما طرح حول الثورة القومية الديمقراطية ، كما طرح ياسين اقتراحاً بتغيير اسم الحزب لينسجم مع هذا المفهوم إلا أن هذا الاقتراح أجل لفترة لاحقة .

انتخب المجلس قيادة مركزية قومية جديدة بعد أن اعتبر جميع الحاضرين مرشحين لها, وقد ضمت إلى جانب حمدي وطارق وياسين، كلاً من فؤاد حرب وتوفيق ضيا،  وأنا. لكن اللافت أن حمدي جاء ترتيبه الخامس بين الفائزين من حيث الأصوات. وأعتقد أن ذلك كان سبباً في عدم قبوله منصب الأمين العام رغم إلحاحنا الشديد عليه مما جعل القيادة تنتخب طارق أميناً عاماً، بينما سمي ياسين مسؤولاً عن المكتب السياسي. ومع ذلك بقي اسم حمدي حتى وفاته عام 1997 يتردد كأمين عام للحزب وهذه من الأخطاء التي ارتكبت في الحزب على ما اعتقد. أصدرت القيادة المركزية القومية نتائج المجلس في كراس تحت اسم ( القضايا الراهنة للثورة العربية تضمن المواضيع الفكرية والسياسية التي ناقشها المجلس. كما أصدرت عدة أعداد من جريدة الثورة العربية.

لم يمضي وقت طويل حتى عانت القيادة القومية إشكالات عدة حيث سافر العضو اللبناني فيها وتوفي ياسين بعد أكثر من عام بقليل فأصبح التواصل مع لبنان صعباً، وغاب عنها حمدي بعد سفره لبغداد     وانحسر تواصله مع الحزب بسبب الظروف السياسية في العراق والعلاقة بينه وبين سورية، لكن الأعضاء المتبقون  في القيادة استطاعوا أن يقودوا عمل الحزب بأمان، وقد أضيف إليهم أسد غندور من لبنان كصلة وصل معه.

بعد هذا المجلس لم يتم أي اتصال مع حمدي إلا بواسطة قمر النشواتي التي اعتادت أن تزور أختها زهرة في العراق وتحمل بعض الرسائل لحمدي حتى عام 1979 وبعد توقيع ميثاق العمل القومي بين سورية والعراق والذي فتح الحدود بين البلدين وسهل عملية الانتقال بين الشعبين. في هذه الفترة وفي شباط من هذا العام قمت وبتكليف من الحزب بزيارة حمدي في بغداد رافقتني فيها زوجتي وأمضينا عنده خمسة أيام، تم خلالها استعراض كامل وضع الحزب والأثر الذي خلفته وفاة ياسين، وعرضت عليه ضرورة الانتقال إلى بيروت والتفرغ للحزب لكن حمدي الذي كان قد قرر الثبات في وجه الطغيان الذي يفرضه النظام   رفض هذا العرض قائلاً ” إنه لن يترك العراق لأنه يجد أن وجوده فيه ضروري جداً رغم المخاطر التي يواجهها والعزلة التي فرضت عليه والحد من حركته “. ، لكنني أعتقد أن حماسته للعمل الحزبي كانت قد بردت إذ أنه لم يلتقي هاني الفكيكي منذ فترة طويلة رغم وجوده في تلك الفترة ببغداد،  ونتيجة للإلحاح الشديد من قبلي بضرورة مقابلة هاني الذي لا زال يعلن التزامه بالحزب قمنا بزيارته بعد أن دعانا سوية للعشاء، وعاتبه بشدة على عدم التواصل معه. لكنه في المرة الثانية طلب أن ألتقي به وحدي. كما لم يبدي رغبة في اللقاء مع بعض الأعضاء القدامى الذين كنت أعرفهم. عرضت عليه من جديد أن يكتب مذكراته لكنه لم يبدي استعداداً لذلك.

بعد تلك الفترة تردد حمدي إلى دمشق عدة مرات برفقة زوجته، كان تجاوب السلطة في سورية مع تلك الزيارات سلبياً إلى حد ما، وكانت المرة الأخيرة التي قدم فيها لدمشق عام 1981 حضر خلالها عدداً من اجتماعات القيادة القومية كان أخرها في شباط من ذلك العام.

عند توديعنا له بالمطار مغادراً إلى العراق سألته إن كنا نستطيع التحضير لمجلس قومي جديد بعد أن مرت  أربعة  سنوات على انعقاد المجلس الرابع، قال لي هامساً ” إنني أعتذر منذ الآن عن ممارسة عملي في الحزب وسأبقى أتعاون معكم لأنني أثق بكم ثقة مطلقة، وأتمنى لكم التوفيق “.

منذ ذلك الوقت لم نرى حمدي حيث لم يزر دمشق ولم نحاول الاتصال به وإذا كان الانقطاع بسبب العلاقة المتوترة بين سورية والعراق آنذاك ، فإن ذلك كان ممكناً عن طريق لبنان مثلاً.

كان لحمدي موقفاً واضحاً من الحصار الأمريكي على العراق وقد ظهر في إحدى المرات ليعلن استنكاره لهذا الحصار ودعوة الشعب العراقي بكل فئاته والذي عرف بصموده وصبره وتحمله لمواجهة هذا الحصار كما دعى النظام إلى ضرورة الانفتاح على الشعب ومنحه حقوقه وحريته إن كان يسعى لفك هذا الحصار .

توفي بصمت، لم يكتب عنه أحد سوى مقالة صغيرة كتبتها عنه ونشرت بجريدة السفير بعد أسبوعين من وفاته على شكل نعوة.

وتوفيت زهرة بصمت أكبر دون أن يعلم بها أو يذكرها أحد حتى الذين عرفوها.

كان حمدي محاوراً بارعاً هادئاً ومهذباً، شديد التواضع يعمل بصمت، وناقداً موضوعياً يقبل الآخر ويحترمه، فضلاً عن كونه مناضلاً عنيداً، لكنه للأسف لم يترك لنا أية كتابات نهتدي بها.

دمشق   كانون أول 2011   

منير درويش

ملاحظة. 1 – إن هذه المقالة هي جزء من سيرة ذاتية ستنشر لاحقاً ، اقتصرتها  على معرفتي بحمدي حصراً بمناسبة ذكرى وفاته الرابعة عشرة، وبما تفرع عنها من علاقة تصب في هذه المعرفة.  قد يكون هناك من هو أقرب مني وله علاقات معه أوسع لكن هذا شيء آخر.  إنني هنا لا أكتب تاريخ الحزب لكنه بلا شك فإن الحزب حاضر في هذا التاريخ.

2 – يؤسفني القول أن الذاكرة هي المصدر الوحيد للمعلومات الواردة وهي قد تصيب وتخطىء والخطأ غير مقصود.

أعتذر للذين وردت أسماءهم سواء من استأذنتهم بنشرها أو لم استشرهم   وإن كان هناك أخطاءً بالعرض أرجو أن يصححوها.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s