أميركا .. بدل توزيع العظات

أميركا..

بدل توزيع العِظات!

بسام الهلسه

أفضل خدمة يمكن للولايات المتحدة أن تقدمها للعرب والمسلمين, هي أن تكف عن التدخل في شؤونهم , وأن تسحب جيوشها وأساطيلها من أراضيهم ومياههم وترحل . أما خدمتها الأفضل لهم , فتكمن في توقفها عن تقديم دعمها متعدد الأشكال “لإسرائيل” .

لا نريد منها أية مساعدات من أي نوع كان . ولا نريد نصائحها و توجيهاتها لما ينبغي وما لا ينبغي عمله. كل ما نريده منها أن تتركنا نقرر ما يناسبنا , وأن لا تحشر أنفها , وأيديها, ودولاراتها , وعساكرها , ومخابراتها في ما يخصنا , فنحن أدرى بما نريد. وإذا ما كانت معنية حقاً بعمل الخير للبشر، فعليها أن تقدم الدليل والمثال على صدقها , بأن تعنى أولاً بنفسها- الأمَّارة بالسُّوء- وبأوضاعها الداخلية المأزومة . لم لا تعالج – مثلاً- ديمقراطيتها المشوهة حيث تهيمن الإحتكارات الكبرى على إرادة أغلبية المواطنين الأميركيين ؟ ولم لا تحل مشكلة ملايين المشردين “HOMELESS” في أحياء مدنها الكثيرة المترامية ؟ ولم لا تجتث جذور ومظاهر التمييز ضد الملونين والشعوب من غير الأصول الأوروبية البيضاء ، بأن تخصص لهم حصصاً عادلة في الهيئات والمؤسسات- ذات الطابع التمثيلي- على مستوى الإتحاد , وعلى مستوى الولايات كافة ؟ ولم لا تعترف بالتعدد الثقافي واللغوي رسمياً , بدل أن تفرض هيمنة اللغة الإنجليزية , ولا تعترف باللغة اللاتينية – كمثال- لغة رسمية رغم إنتشارها وكثرة الناطقين بها في الولايات المتحدة ؟ ولم لا تقوم بتقديم الإعتذار والتعويض العادل للسكان الأصليين الذين أُبيد أسلافهم وسُلبت ممتلكاتهم وديارهم ومصادر عيشهم ؟ وكذلك بالنسبة للأُمم التي غزتها أميركا وحاربتها , كما فعلت بأميركا الجنوبية وكوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان؟

ولكي تقنع العالم بصدق دعواها فيما يتعلق بأسلحة الدمار, لم لا تتخلص من أسلحتها, بدل أن تتاجر بها في مصائب العالم , وتزيد سنوياً موازنتها التسليحية على حساب حاجات وأولويات مواطنيها : الصحية والتعليمية والثقافية والبيئية وخدمات البنية التحتية ؟

هذه مجرد أمثلة فقط ..

*     *     *

خلال حملة الإنتخابات الرئاسية الماضية , عبَّرت عامة الشعب والناس الأميركيون العاديون , عن نظرتهم الحقيقية إلى نظامهم القائم , فرفعوا شعار التغيير . لكن جماعات المصالح والإحتكارات الحاكمة , زوَّرت رغبتهم وتلاعبت بها مكتفية بتغيير لون بشرة الرئيس ! وهو سلوك مماثل لما اقترحته إحدى شركات العلاقات العامة الأميركية على الحكومة “الإسرائيلية” التي استعانت بها لتجميل صورتها البشعة أيام إنتفاضة الأقصى , فاقترحت الشركة إياها, طلاء الدبابات “الإسرائيلية” بألوان زاهية ورسم صور حيوانات أليفة محببة عليها ! لكن الحكومة ” الاسرائيلية “- ورغم أنها مجبولة من التزوير- لم تأخذ بهذه النصيحة البهلوانية . ربما , بسبب إطمئنانها لثبات الدعم الأميركي لها كيفما كانت صورتها و” حقيقتها ” .

*     *     *

حاجة الأميركيين إلى التغيير- في الذهنية , والسياسات , والمؤسسات , والممارسات – ما زالت قائمة وبإلحاح . وبدل أن ينصب قادتهم من أنفسهم أوصياء على العالم يوزعون عليه العِظات , عليهم أن يستجيبوا لرغبات مواطنيهم الذين أودت المغامرات العسكرية بأرواحهم , وفاقمت الأزمة المالية من معاناتهم . ولا نعرف متى سيقرر الأميركيون وضع حدٍّ نهائي لخداع قادتهم ووسائط إعلامهم لهم . ولإستغلال الإحتكارات والمؤسسات المالية المهيمنة ولامبالاتها بهم وبشعوب العالم . فكما فعلوا أيام النضال الميداني الباسل ضد التمييز العنصري ومن أجل الحقوق المدنية , قد يقررون الخروج من لعبة تغيير الرئيس الدورية الفارغة , والعمل على إنجاز تغيير حقيقي . وعندها , ربما , يجدون في الإنتفاضات العربية ما يلهمهم .

*     *     *

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s