جدلية الوطن والدين في مصر

لمن يهـمه الأمر ..

جـدلية الوطـن والديـن فى مصـر !!  

محمد يوســـف                                                                    

لعل أبرز القسمات المميزة لأزمان التيه والتراجع وافتقاد المشروع الجمعى الوطنى والقومى ، هى المتاجرة بالعرق وبالمذهب وبالدين وبالوطن .. ومن ثم ، فاننى أؤكد رفضى واعتراضى وبغضى وكراهيتى لأى تعصب ينطلق من المذهب أو العرق أو الدين ، ولأن يتمدد هذا التعصب لإرهاب المنتمين الى مذاهب وأعراق وأديان أخرى ، أو حتى لإنكارهم أو استنكارهم ، ونفس الموقف أقفه ضد أى جور بأى شكل وبأية نسبة على الحقيقة التى تقول أن ” الدين لله والوطن للجميع ” ، والحقيقة الثانية التى تقول أن ” الوطن وجد قبل الدين ” .. وقناعتى بذلك ترتكز على  المحاور التالية :

المحور الأول .. هو أن الإنسان كان له وطن قبل أن يتدين ، ومن ثم فإن الإرتباط بالوطن قد سبق الإرتباط بالدين بنحو مائة ألف سنة على الأقل ( هناك حفريات عثر عليها فى الواحات البحرية بصحراء مصر الغربية تؤكد علمياً أنه منذ ستة وتسعين ألف سنة كان يعيش هنا مواطن مصرى يزرع ويرعى الأغنام التى وجدت حفرياتها خلف حفريته مربوطة بالحبال حتى لا تتفرق ، بمعنى أنه كان فى ذلك الزمن السحيق وطن ، وكان يعيش فيه مواطن وله بيت ، وكان مستقراً يزرع ويرعى الأغنام ، ويعود بعد الرعى بأغنامه مربوطة بالحبال الى بيته ، وهذا هو نفس ما يفعله المواطن الفلاح الذى يعيش فى مصر الآن ، يزرع ويرعى الأغنا م ، ويعود الى بيته آخر النهار ساحباً أغنامه وراءه ! ) .. إذاً فقد استقر الإنسان وكان له بيت ووطن ، وعاش آلاف السنين هكذا قبل أن تدركه العقائد والأديان ( من المعروف أن ” إخناتون ” قد ظهر فى مصر منادياً بأن الكون تحكمه قوة واحدة ، وأنها الإله الواحد الذى يجب أن يعبده الناس ، وقد حدث ذلك قبل ميلاد أبى الأنبياء ابراهيم بألف وخمسمائة سنة على الأقل ) .. وأنه على مدى التاريخ كله كان إبصار الإنسان وبصيرته قد أدركا ولامسا الوطن كواقع ، قبل أن يدركا ويلامسا أى دين أو عقيدة ، وذلك حين استقر الإنسان فى أودية الأنهار وغادر بذلك مرحلة ” التقاط الطعام ” التى كان يتجول فيها بين الأشجار والغابات باحثاً عن طعامه ، ليدخل بهذا الإستقرار الى المرحلة التالية التى تسمى مرحلة ” صنع الطعام ” ، ليكتشف بذلك الزراعة والعائلة والإجتماع الإنسانى .. والوطن .

وقد حدث ذلك أول ما حدث فى مصر القديمة قبل أن تكون هناك عقائد وأديان بأى مسمى فى أى مكان آخر على سطح الأرض ، بل وحتى قبل أن ينبلج ” فجر الضمير ” الإنسانى للبشرية كلها من مصر القديمة أيضاً ، كما يقول المؤرخ الإنجليزى ” هنرى بريستـد ” فى كتابه الذى يحمل نفس الإسم .

بعد أن حدث ذلك الإستقرار ، لم تـنغلق أياً من الجماعات البشرية التى تكونت فى سهول ووديان الأنهارعلى نفسها ، ولم تٌقم أسواراً تمنعها من الإتصال والتواصل والإنصهار والتلاقح بينها وبين غيرها من الجماعات الأخرى ، ولا كان ذلك ممكناً على سطح الكرة الأرضية كله ، الذى هو فى النهاية مساحة مفتوحة بالكامل تسمح بالحركة الطليقة والإنتقال والإستقرار فى أى بقعة عليه .. بل إن هذه العناصر تحديداً ( الإتصال والإنصهار والتلاقح )  كانت هى التى شيد عليها البناء الحضارى للبشرية على مر التاريخ ، سواء كان هذا التشييد قد قام على أساس مادى أنتجه التواصل والتلاقح بين العلوم الطبيعية وتطبيقاتها لدى البشر ، أو قام على أساس معنوى أنتجه التواصل والتلاقح أيضاً بين الأنساق القيمية والأفكار والثقافات والفنون والآداب والعقائد والأديان ، سواء تلك التى نزلت من السماء أو التى أنتجها الإجتهاد العقلى البشرى ..

وبصفة عامة ، فإن المصريين هم أول الجماعات البشرية التى ” تدينت ” ، أى أول الجماعات التى امتلكت عقيدة دينية بالمعنى الحقيقى والمحدد لذلك ، وقد تتابعت رسالات السماء بنزول زمنى إيجابى تطورى من أجل خير الإنسان وعمارة الأرض ، وذلك هو الهدف الأعلى للدين ، أى دين .. كما كانت مصر طرفاً أساسياً فى كل من تلك الديانات الثلاثة ، بل وقبلها كانت طرفاً فى كل العقائد التى عرفها الإنسان ، إذ كانت ” هاجر ” المصرية هى زوجة ابراهيم أبو الأنبياء .. وعلى أرضها تلقى موسى الرسالة من الله فى ” الوادى المقدس طوى ” فى سيناء التى عاش فيها وجمع النواة الأولى لأنصاره والمؤمنين برسالته .. وعلى أرض مصر أيضاً حل المسيح مع أمه العذراء مريم ويوسف النجار للإحتماء بالأمان الذى تتمتع به ، وهرباً من ظلم واضطهاد اليهود والحاكم بيلاطس البنطى .. ومن بناتها تزوج محمد بمارية القبطية ، وأوصى بأهلها خيراً ، ووصف جندها بأنهم ” خير أجناد الأرض ” ، وبعد أن استقر الإسلام فى مصر تمدد حتى وصل الى أركان الأرض الأربعة . 

ترتيباً على ما تقدم ، فإنه فى مواجهة هذا التواصل والإختلاط والتلاقح الذى حدث بين المجتمعات الإنسانية ـ والذى ما زال يحدث حتى الآن ـ يصبح مستحيلاً القطع بوجود ” نقاء مطلق ” لأى عنصر أو لأى جماعة بشرية أو لأى عقيدة ، وهو ما يدحض الإدعاءات الصهيونية التى تدعى نقاء العنصر اليهودى وتطالب بدولة دينية له فى فلسطين العربية .. وبالرغم من عدم التماثل بين الهياكل الأساسية لهذه الأديان وتلك العقائد ، فقد كان أتباعها قادرون على التعايش جنباً الى جنب ، لأن ” المشترك الحياتى العام ” هو الذى صاغ أنماط الحياة اليومية المشتركة لهم ، وليس ذلك ” الخاص العقيدى المحدود ” .. ولقد قطع ت تالى نزول الدين اليهودى أولاً ثم المسيحى ثانياً ثم الإسلامى ثالثاً بذلك البعد ” التطويرى ” الذى قصدته إرادة الله سبحانه وتعالى من ذلك التراتب والتتالى الزمنى الذى أشرنا اليه .. وأيضاً فإن استمرار بقاء هذه الأديان الثلاثة وبقاء معتنقين وأتباعاً لها حتى اليوم ، يقطع بأن أياً منها لم يستحوز على إيمان ” كل البشر ” على مدى التاريخ الذى مضى ، بل إن هؤلاء البشر تعددت وتنوعت أديانهم ومعتقداتهم ، حتى داخل الجماعة البشرية الواحدة ، وداخل المجتمع الواحد ، وتحت خيمة الوطن الواحد ، ورغم ذلك لم يؤدى اختلاف العقيدة ـ على مدى التاريخ كله ـ الى تغيير الوطن ، ولا الى هدم الإستقرار الإجتماعى الذى حدث للجماعات البشرية .

المحور الثانى .. حين دخل الرومان مصر كان اسمها ” قبط ” نسبة الى قبط بن قفط بن مصراييم ( الذى أخذت منه مصر اسمها ) بن بنصر بن حام بن نوح عليه السلام .. بل إن إحدى مدن محافظة قـنا بصعيد مصر ما زالت تحمل حتى الآن اسم ” قفط ” وأهلنا فى الصعيد ينطقونها ” جفط ” .. إذاً فإن كلمة ” قبط ” تشير الى كل سكان مصر بغض النظر عن الدين أو العقيدة .. ثم كان أن أدخل الرومان معهم الى مصر الديانة المسيحية .. وكان طبيعياً أن يتحول عدد من المصريين الى الدين المسيحى الوافد ، وأن يبقى عدد آخر منهم على ما كانوا يعتقدون ، وأصبح عدد الذين يعتنقون الدين الجديد فى مصر ، هو مجموع الذين اعتنقوا الدين المسيحى مضافاً اليهم عدد أفراد القوات الرومانية ” المسيحية ” الذين كانوا قليلى العدد قياساً الى مجموع سكان مصر يومها ، كما أن كثيراً من هؤلاء ” الرومان ” استوطنوا مصر ولم يعودوا الى روما ، وما زالت فى مصر طائفة من المصريين تسمى ” طائفة الروم الكاثوليك ” التى لها طقوسها وتقاليدها وحتى مقابرها الخاصة .. ومن هنا اعتٌبر كل المصريين ـ من تحول الى الدين الوافد مع الرومان ومن لم يتحول ـ أقباطاً لأنهم جميعاً أهل ” قبط ” التى تحورت الى ” جبت ” والى ” EGYPT ” التى هى مصر .. تماماً كما أن كل أهل الهند يسمون هنوداً رغم أنهم يتحدثون ـ رسمياً ـ بلغات عديدة ، كما أنهم أتباع ديانات وأعراق أكثر تعدداً ، وأن كل أهل الصين يسمون صينيين رغم التعدد الهائل بينهم فى الأصول والمذاهب والعقائد والأعراق ، وهكذا أهل انجلترا وفرنسا وايطاليا وسويسرا وأمريكا وغيرهم .. ترتيباً على ذلك فإن كل أهل مصر هم ” أقباط ” بالتاريخ وبالعلم وبالواقع ، ولا فضل لأى منهم ـ فرداً أو جماعة ـ على الآخر بدعوى أسبقية التواجد ، وإنما الفضل والقياس يكون بالعمل الذى يعلى أمان وسلامة وتقدم هذا الوطن .. ويعلى ذلك فوق كل وأى اعتبار آخر مهما كان .  

ولقد حدث أن أذاق الإحتلال الرومانى ” الأقباط ” جميعاً كل صنوف العسف والإذلال والمهانة دون أى اعتبار لمذهب أو دين ، خاصة وأنه كان احتلالاً مسيحياً لأرض سكانها مسيحيين .. إذ كان هدفه الأعلى أن يحيل مصر بخيراتها ومواردها الهائلة الى سلة غذاء للإمبراطورية الرومانية كلها ، وقد حدث ذلك بالفعل ، خاصة فيما يتعلق بمحصول القمح ، حيث كانت مصر تنتج القمح الذى يكفى الإمبراطورية ، وكان يشحن مباشرة من الأسكندرية الى روما ، مسروقاً منهوباً كما يفعل أى محتل حتى اليوم بثروات الأوطان التى يحتلها ( ! ) .. وضج كل المصريون بالشكوى من جور المحتلون ” إخوة العقيدة ” ( وقت وصول العرب  ظل البطريرك بنيامين ، وهو البطريرك الثانى والثلاثون لمصر ، مختفياً هرباً من بطش الرومان لمدة ثلاثة عشر عاماً متواصلة قبل الفتح ، الى أن منحه عمرو بن العاص الأمان لنفسه وأهله وماله ) الى الدرجة التى جعلتهم يرحبون بالفتح العربى كملجأ للخلاص من الرومان ، بل إن المقوقس ” عظيم أقباط مصر ” أرسل الى الرسول الكريم ” مارية القبطية ” ( من مدينة مغاغة بمحافظة المنيا ) التى تزوجها الرسول وولدت له ابنه القاسم ، وظلت حتى وفاتها مسيحية ولم يجبرها الرسول على اعتناق الإسلام ( ! ) ، كما أن أم العرب هى ” هاجر ” المصرية أيضاً ( من قرية منت بجوار الفرما بمصر ) ، وهى زوجة ابراهيم وأم ابنه الأكبر اسماعيل الذى هو أخ اسحق ( من سارة ) واسحق هو أب يعقوب الذى سمى باسرائيل ، أى أن الجين الوراثى ممتد بين العرب والمصريين ، وقد يفسر ذلك قدوم ” سليمان الحلبى ” ابن السابعة عشر عاماً ، من الشام الى مصر ليقتل الغازى الفرنسى ” كليبر ” ثم يٌعدم جراء ذلك على الخازوق ( ! ) .. ومعروف أن مصر لم تتعرب من حيث اللغة كما لم تصبح أغلبيتها من حيث الدين مسلمة ، إلا بعد ما يزيد عن ما ئتى عام من بداية الفتح ، وهذه المدة الطويلة تنفى القسر أو الإكراه من جانب الفاتحين تجاه أهل مصر ، باعتبار أن أحدى المقولات الفقهية الأساسية فى الدين الإسلامى تقول ” لا إكراه فى الدين ” .. كما أن هؤلاء العرب المسلمين الفاتحين الذين لم يكن عددهم يتجاوز الأربعة آلاف ، لم يستقر منهم فى مصر أكثر من نصفهم ، حيث واصل الباقون الإنتقال الى شمال أفريقيا حتى موريتانيا .

ترتيباً على ذلك ، فليس هناك اليوم أو بعد مليون سنة من يستطيع أن يجيب على أياً من الأسئلة التالية : جـدى الذى كان موجوداً على أرض مصر يوم دخول العرب المسلمون اليها ، هل كان مسلماً قدم مع القادمون من الجزيرة العربية ؟ .. أم أنه كان حفيداً  لأحد بناة الأهرام ثم اعتنق الدين المسيحى بعد دخول الرومان الى مصر ، ثم اعتنق الدين الإسلامى بعد دخول العرب اليها ؟ .. أم أن أجداده كانوا روماناً مسيحيين جاءوا الى مصر واستوطنوا فيها الى أن دخل العرب فاعتنق هو الإسلام ؟ .. ومن ثم فإن كل الإحتمالات المتقدم ذكرها بخصوص أصل ” المعتقد الدينى ” لجدى واردة ، باعتبار أن أياً منها احتمال قائم يستحيل نفيه كما يستحيل تأكيده .. لكن الثابت والمؤكد فى هذا المشهد الإجتماعى المصرى هو أننى ـ ككل المصريين ـ أعيش الآن فى ” بلادى ” ، وأن مصر هى ” وطنى ” ، كما هى كذلك تماماً لصديقى الحميم الكاتب والباحث الأستاذ جورج المصرى وباقى أعضاء ” الشلة ” التى تجمعنا ـ مسلمين ومسيحيين ـ منذ سنوات طويلة . 

المحور الثالث .. لم تكن الإغارة الأمريكية الفاجرة على العراق عام 2003 فقط هى التى أعادته ” متخلفاً ألف سنة الى الوراء ” ، وإنما الذى ساعد على ذلك وخلق المناخ الحاضن له ، هو ذلك الإنفجار العرقى والمذهبى الذى حاق بالعراق واستشرى فيه بدعم وتحريض من المحتل الأمريكى الذى دمر لحمة العراق الإجتماعية والتاريخية والإنسانية والتراثية ، حتى أصبح الآن مقسماً فى الواقع الى ثلاث دويلات هزيلة .. وهو ذات التفجير الذى حاق بلبنان وبالصومال وبالسودان ( النشيد القومى لـ ” دولة ” جنوب السودان باللغة الإنجليزية التى هى أيضاً اللغة الرسمية لتلك ” الدولة ” ) ، وهو ذات التفجير الذى يجرى الإعداد الآن لأن يحيق بليبيا وسوريا واليمن والجزائر .. فهـل مبيت لمصر أن يحـيق بها  تـفجـير مماثل حتى تكون هى ” الجائزة الكبرى ” طبقـاً للمخطط الذى أعلنته كونداليزا رايس عام 2005 والذى ينص على ” ضرورة تقسيم المنطقة الى ثلاثة وسبعين دولة ومصر هى الجائزة الكبرى ” ؟؟ .

المحور الرابع .. كنت وما زلت وسوف أظل رافضاً ومستنكراً لبعض التعبيرات والمسميات التى تتشح برداء دينى ومذهبى وعنصرى وإقصائى ، مثل مسمى ” الإخوان المسلمين ” و ” السلفيين ” و ” الجماعة الإسلامية ” ، لأنى أرى أنه انخفاض بعمومية الإسلام وشموله العقيدى والتاريخى ، ومحاولة مكشوفة من أجل ” خصخصته ” وتسجيله فى ” الشهر العقارى ” لصالح جماعات من الناس بعينها ويمكن التعرف على أعضائها بالإسم ، الى جانب أنه تجاهل للوطن ولقضاياه من الأساس ، وامتطاء للدين والمذهب لتحقيق أهداف دنيوية طائفية وفئوية ، بل وحتى أهدافاً شخصية بحتة ليس لها ـ من الأساس ـ أية علاقة بالدين ولا بالوطن ..

كما أننى كنت وما زلت وسوف أظل رافضاً لمسمى ” وطنى ” ومسمى ” بلادى ” اللذين تعنون بهما بعض الفعاليات الإعلامية المسيحية المقروءة والمسموعة والمرئية ، وأيضاً بعض الشعارات والهتافات المسيحية من نوع ” احنا أصحاب الأرض ديه ” ، لأننى أرى أن مثل ذلك محاولة أخرى لـ ” خصخصة ” هذا الوطن وتسجيله فى ” الشهر العقارى ” أيضاً باسم جماعة من الناس يمكن التعرف على أعضائها بالإسم ، وإقصاء للآخرين ومحاولة لحرمانهم من وطنهم ، واعتبارهم فى أحسن الأحوال ” ضيوفاً ” عليه سوف تنتهى استضافتهم يوماً ما .. إن لم يكن مطلوب إنهاؤها الآن ( !! ) .

المحور الخامس .. إنه يمكن تقسيم أرض الوطن باعتبارها جماداً معدوم  الإرادة .. لكن الإنسان المخلوق الوحيد الذى يمتلك عقل وفكر وارادة عمدية ، والذى هو حاضن للتاريخ وللتراث وللثقافة وللعادات وللتقاليد وللألم وللأمل ، هذا الإنسان يستحيل تقسيمه ، ويستحيل نفيه من وطنه أو نفى وطنه منه .. وفى هذا الصدد تنتصب مقولة قداسة البابا شنودة ” إن مصر ليست وطناً نعيش فيه ، وإنما هى وطن يعيش فينا ” .. وإذا كان ” مينا ” قد وحد شمال مصر مع جنوبها منذ نحو أربعة آلاف ومائتى عام قبل الميلاد ، فإن ما يقارب من نصف هذه المدة قد مرت على مصر وهى تزه و بحالتها الراهنة بيتاً واحداً لكل أبنائها ” الأقباط ” المسلمين منهم والمسيحيين .. كما أنه ومنذ أن وحد هذا الفرعون العظيم مصر ، فإنها لم تشهد أية تجزئة لجسدها الإجتماعى الواحد ، ولا لحدودها الجغرافية الحالية ، ولا شهدت أية صراعات إثنية أو عرقية أو مذهبية أو دينية تذكر ، ومن ثم فقد احتفظت على الدوام بوحدة ضميرها وبوحدة وجدانها وبوحدة أراضيها .. وكان هذا التوحد والتجانس الحقيقى الثابت والعميق ، هو الذى مكنها من أن تهضم كل حملات الإغارة التى تتالت عليها ولم تنقطع عبر تاريخها كله ، والتى خرجت كلها أيضاً من التاريخ .. وبقيت مصر .

تلك هى جدلية الوطن والدين فى مصر ، وذلك هو التاريخ المفتوح والمسجل  والواقع الحى الذى نعيشه ونلامسه .. فـليفهم ذلك من يريد أن يحفظ لمصر وأبنائها كرامة التاريخ ، وجلال الوحدة والإستقرار والإستمرار عبر آلاف السنين .. وتلك هى وصية الأجداد لنا ، وهى ذاتها وصيتنا لأولادنا وأحفادنا .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s