المسيحيون والثورات العربية

المسيحيون والثورات العربية

منير درويش

تميز موقف المسيحيين في الدول العربية بكثير من الخوف والريبة خلال  الانتفاضات العربية ، وبقي القسم الأكبر منهم خارجها أو مناوئاً  لها أو صامتاً عنها ، ويعود ذلك لأسباب قد يكون بعضها مبرراً لكنه غير كاف لاتخاذ مثل هذا الموقف ، منها :

ساهمت الأنظمة العربية التي وضعت نفسها وصية على الدولة والمجتمع في ترسيخ هذا الخوف بالترويج بأن بديلها هو أنظمة إسلامية شمولية متطرفة ستعيدهم إلى عصر الذمية والجزية .

بينما ساهمت مجموعات إسلامية متطرفة في تعميق هذا الشعور من خلال الممارسات الغير مسؤولة بمطالبتها إقامة الحد وفرضه على الفكر والمجتمع والاجتهاد والإبداع الفكري بعضها تجسد على إقامة دعاوى قضائية ضد عدد من المثقفين والكتاب تجرأوا على إبداء وجهات نظر متحررة من القيود الشرعية وتفسيرات واضحة لبعض المفاهيم الدينية .

في جانب آخر لم تستطع  النظم السياسية في الدول الإسلامية التي استندت في الحكم إلى توجهات ديمقراطية مثل تركيا . وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وغيرها أن تمنح المسيحيين أماناً كافياً ، حيث لم تفد هذه الديمقراطية في حمايتهم من الاضطهاد  وحماية ممتلكاتهم من التعرض للاعتداء ما دفع العديد منهم للهجرة خارج هذه البلدان .

أما السياسات الغربية التي ادعت حمايتها للمسيحيين في المجتمعات العربية  فقد عملت دوماً على تشجيع الانقسامات التي تؤدي لتفتيت هذه المجتمعات على أساس أقليات متناحرة مستفيدة من الوعي السائد في الوقت الذي تناقضت مصالحها مع المشاريع النهضوية التي تبناها المسيحيون في هذه المجتمعات .

لعب المسيحيون إلى جانب المسلمين دورً بارزاً في إحياء فكرة المشروع القومي العربي كمشروع سياسي حضاري حاضن لأهداف العرب  في التحرر من الاستعمار والتبعية وبناء المجتمع الديمقراطي ، والدولة العربية التي تتسع لجميع أبنائها وقد تناقض هذا المشروع مع المطامع الاستعمارية الغربية التي واجهته بقوة خاصة وقد حمل في طياته فكرة إحياء الإمبراطورية العربية التي تجسد الطموحات  العربية  كما حمل فكراً تحررياً ديمقراطياً يعزز الحياة الحرة والكريمة لكل المواطنين العرب . فإذا أضفنا له العدالة  وحماية الثروات العربية والتوزيع العادل لها ، يكون هذا المشروع متناقضاً كلياً مع المصالح الاستعمارية وعملائها الذين نصبت  بعضهم حكاماًً أوساندتهم في الوطن العربي ، خاصة بعد اكتشاف النفط بكميات كبيرة فيه وتكالب الدول الغربية  على استغلاله ، فعملت على خلق المشاعر لدى المسيحيين مدعية  بأن نجاح هذا المشروع سيجعلهم أقلية متناثرة  في وسط إسلامي واسع خاصة وأن السياسات الغربية نظرت للأقليات كمفهوم عددي لا كمفهوم سياسي أساسه الديمقراطية التي  تجسد الفكرة الحقيقية للأفلية والأكثرية على أساس أفقي لا عمودي .

إذن فإن قضية الحرية والديمقراطية والعدالة كانت دوماً في صلب وعي النخب المسيحية التي أسست لها فكرياً وسعت لها عملياً وكانت الكنيسة ورجالاتها تدعم هذه التوجهات لأسباب مختلفة ، فسر بعضها على أنه محاولة لمواجهة دعوة بعض المسلمين   لإحياء الخلافة ، أو الإسلام هو الحل .

ولأننا لسنا بصدد العودة لتحليل هذه القضايا التي أفضنا بها في كتابنا عن  ((هجرة المسيحيين العرب من الوطن العربي الذي صدر قبيل الثورات العربية )) . يبقى  الهدف هو التوقف عند موقف المسيحيين الراهن من هذه الثورات سواء في الدول التي  يتواجدون فيها ، أو البعيدة عنهم ، إذ ليس من مبرر لهم أن يبقوا ، أغلبية صامتة أو مؤيدة للأنظمة  في مواجهة مطالب الشعب بحجة أن هذه الأنظمة هي التي حمت أو تحمي المسيحيين ،  ، وهو قول تنفيه الوقائع التي جرت في ظل هذه الأنظمة ودفعت بهم للهجرة بأضعاف ما كانت عليه ، وكان لممارستها  الدور البارز فيها . أما النخب المسيحية التي عبرت عن دعمها للثورات وانخراطها فيها فالأغلبية منها تنتمي لليسار ، وهم الذين عملوا في أحزابه أو في منظمات فات أوانها

لقد أكدت الأحداث أن الحماية  من خلال القوانين الهشة غير ممكنة في ظل الاستبداد الذي يطال الجميع ، وأن الحماية الأساسية يوفرها الوعي المشترك الذي يجعل جميع المواطنين منخرطين في العمل الوطني والمطالبة بحقوقهم وأبرزها بناء الدولة الحديثة الديمقراطية التي وحدها قادرة على حماية جميع أبنائها ، وهذا ما أكدته التجارب السياسية التي سادت في اللحظات الديمقراطية التي عاشتها بعض الدول العربية بعد الاستقلال خاصة في سورية بين عامي 1955 – 1958 حيث تميزت هذه اللحظة بنظام جمهوري برلماني ديمقراطي  تعددي يوفر الحماية لجميع أبناء الوطن  بعد أن أتاح لهم فرصة الانخراط في الأحزاب المتنوعة الاتجاهات فيها يتصارعون سياسياً وإلى صندوق الاقتراع يحتكمون . كذلك كانت الحالة في العراق ومصر وتونس رغم كل ما قيل عن هذه التجارب حتى جاء الاستبداد  وأغلق هذه اللحظة . وإذا كانت الكنيسة ورجالها يتجاهلون هذه الحقيقة فقد أثبتت تجربة الثورة ضد مبارك خطأ هذا التوجه عندما دعت الأقباط إلى عدم المشاركة في تجمعات ميادين التحرير وبذلك أحالت بين وعيهم الديمقراطي  والشارع المنتفض على النظام الذي كان له دور بارز في كل المشاكل التي حصلت بين الأقباط وبين المسلمين ، ومع ذلك فقد خرق عدد كبير من الأقباط تعليمات الكنيسة وشاركوا في هذه الميادين وكان لموقفهم أثر كبير في وحدة المواقف حتى لو جرى فيما بعد بعض الانتهاكات المؤسفة التي يتحمل النظام السابق ووعي بعض التيارات مسؤوليتها . وها هي بعض الكنائس  في الدول العربية  تقع في نفس الخطأ عندما تشجع على صمت المسيحيين تجاه ما  يجري

نخلص من ذلك إلى أن المسيحيين بما لهم من دور في التاريخ العربي الإسلامي وما ساهموا فيه خلال التاريخ الحديث وتبنيهم لمفاهيم الحرية والديمقراطية لا يمكنهم البقاء صامتين على هامش الاحتجاجات الشعبية المطالبة بحريتها وكرامتها  .

 وإذا كان للمسيحيين مخاوفهم وهي مخاوف مشروعة ، فإن مجموعات أخرى لها نفس المخاوف لكنها تشارك في هذه الاحتجاجات .

من هنا نرى أن الدعوة  التي طرح فكرتها الأولى الكاتب ميشيل كيلو لعقد مؤتمر  يضم مجموعة من المثقفين والسياسيين من المسيحيين  , ونضيف إليهم  رجالات دين ،  ومن جميع الدول العربية له استقلالية تامة ، ستكون له أهمية كبيرة في رسم التوجهات العامة للمسيحيين ومناقشة الآليات العملية لانخراطهم في القضايا السياسية التي تهم الوطن والأمة من خلال كونهم مواطنون لهم كامل الحقوق لا كأقلية فرضت تسميتها غياب المفهوم الديمقراطي .

وقبل البدء بهذا المؤتمر يجب تشكيل لجنة تحضيرية من جميع الاتجاهات تعمل على الإعداد له  وتضع برنامجه ، وأوراق عمل محددة تطرح للنقاش ليتم إقرارها فيه .

دمشق 27 / 10 / 2011                                            منير درويش

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s