أن تحيا الجزائر

…أن تحيــا الجــزائــر!

بسام الهلسه

  لم يلحظ “البيركامو” الشبه بين سلوك “ميرسو”، بطل قصته “الغريب”، وسلوك بلده فرنسا إزاء الجزائر.

  أطلق “ميرسو” النار على العربي لسبب سخيف: لأنه وقف بحيث حجب عنه ضوء الشمس! مثلما احتلت فرنسا الجزائر بدعوى أن حاكمها “الداي حسين” أهان مبعوثها!؟

  ومثل “ميرسو” –الذي لم يشغله موت اُمِّه، بقدر ما انشغل بوقت وصول البرقية التي أبلغته بذلك، كانت فرنسا ميتة الاحساس إزاء مصير الجزائر, فيما انهمكت بدأب متواصل بقتل شخصيتها الحضارية ونهب ديارها وثرواتها.

  لكن فرنسا لم تكن غريبة شأن “ميرسو” “كامو” الغريب. وحادثة مبعوثها الذي لطمه “الداي” بمِنشَّة كما قيل، لم تكن سوى ذريعة لقرار اتخذ فتم انفاذه. وما من جدوى ترجى من السؤال عن مدى مشروعيته او ملائمته لشعارات ثورتها:(الحرية، الإخاء، المساواة)، أو علاقته بفكر “عصر الأنوار” وعقلانيته.

  فـ”القوي عايب” كما يقول أهل حوران.

  والسؤال –استفهامياً كان او استنكارياً- يليق فقط بالطيبين البلهاء الذين نشهد امثالهم في ايامنا يحتجون بغضب على “ازدواجية معايير” أميركا وتعارض افعالها مع مزاعمها عن حقوق الانسان والديمقراطية!

  فمثلما لا تتغير طبيعة الذئب باختلاف لونه، ظلت فرنسا أمينة لغريزتها وشهيتها التوسعية الاستعمارية في كل العهود: الملكية والجمهورية والامبراطورية.

  وهي شهية نلحظ علائم الحنين لها تطل من عيني رئيسها “نيكولا ساركوزي” الذي اكتشف أهمية وضرورة “الدور الفرنسي في العالم” بالتعاون مع أميركا.

*    *    *

  كان غزو الجزائر في العام 1830م، هو الغزو الثاني الذي تقوم به فرنسا لبلاد عربية بعد غزوة مصر النابليونية المخفقة في العام 1798م. وشيئاً فشيئا،ً بسطت فرنسا احتلالها على الارض الجزائرية ودفعت إليها تباعاً بالمستعمرين الذين استولوا على اخصب الأراضي الجزائرية، فحولوا معظمها إلى كروم عنب على شرف صناعة النبيذ!

  واذ اعلنت فرنسا ان الجزائر قطعة منها، فقد عملت كل جهدها لمحو شخصيتها الحضارية (العربية- الاسلامية)، بالتدمير المنهجي لمدارس ومراكز التعليم العربي، وبفرض اللغة والثقافة الفرنسية على البلاد، لتأبيد بقائها من جهة، ولقطع تواصل الجزائريين مع مجالهم الطبيعي: العربي-الإسلامي من جهة ثانية.

  ولئن كان ممكناً ـــ وقد حدث هذا, ويحدث بالفعل ـــ تصنيع واستنبات قادة، وحكومات، واحزاب، وحتى “دول”، بقرارات يفرضها الأقوياء، فإن الأُمم وهوياتها وشخصياتها الحضارية امر آخر لا يمكن تلفيقه بقرارات.

فالأمم وشخصياتها الحضارية تتكون في سياق تفاعلٍ مركبٍ مديد: تاريخي، روحي، ثقافي، اقتصادي، جغرافي… وتنشأ وتنمو في الفضاء الطلق للحياة المشتركة, لا في مختبرات ودفيئات المهيمنين.

  لذلك، وبرغم امكانياته المحدودة وضعف وخذلان “الدولة العثمانية” له، قاوم الشعب الجزائري (بعربه وأمازيغه) المستعمرين, محبطاً محاولاتهم لتفرقته وتمزيقه. وتواترت ثوراتُ وانتفاضات اجياله ومناطقه المختلفة خلال القرن التاسع عشر ذوداً عن الهوية والحرية والوطن. 

  ويحتفظ التاريخ بذكريات ناصعة لثورات: “الأمير عبدالقادر” و”الشيخ الحداد” والمتصوفة “لالا فاطمة” (السيدة فاطمة) التي اطلق عليها بعض الفرنسيين اسم بطلتهم القومية في الحرب ضد الانجليز، فلقبوها بـ”جان دارك” القبائل!

  وبنتيجة التفوق الاستعماري الساحق، والخسائر الفادحة التي لحقت بالجزائريين، وتردد وتقاعس وتواطؤ بعض فئاتهم، هزمت فرنسا أخيراً المقاومة. ومرَّ وقتٌ قبل ان يرمم الشعب بعضاً من قواه ويستأنف الجهاد، فتأسست الجمعيات والمنتديات والمدارس والصحافة والأحزاب السياسية التي كُرِّس معظمها لمواجهة الفَرْنَسَة، ولبعث واحياء روح وشخصية الجزائر, التي عبَّر عنها ولخصها رئيس “جمعية العلماء المسلمين في الجزائر”، الشيخ “عبدالحميد بن باديس”، ببيت الشعر الشهير:

“شعب الجزائر مسلم         =              وإلى العروبة ينتسب”

  لكن المراهنات على حل سلمي عادل للقضية الجزائرية، والآمال المعوِلة على استجابة فرنسا للمطالب الوطنية للجزائريين، تبددت المرة تلو المرة. وكان جزاء نصرتهم ل”فرنسا الحرة” خلال الاحتلال النازي لفرنسا، ومشاركة عدد من ابنائهم في مهمات الجيش الفرنسي، هو الاصرار المتعجرف على “فرنسية الجزائر” وعلى المعاملة الاستعلائية العنصرية التمييزية بحقهم.

  وسقط عشرات الآلاف منهم ضحية للقمع الوحشي للمظاهرات والمسيرات التي انطلقت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية منادية بالحرية والعدالة.

*    *    *

  ولما كانت الحرب العالمية الثانية قد أنهكت الامبراطوريتين الاستعماريتين : بريطانيا وفرنسا, فقد تحفزت الشعوب المستعمَرة للنضال التحرري، فظفرت تباعاً باستقلالها: سورية ولبنان، الهند وباكستان، كوريا، الصين، ومصر التي عززت ثورة 1952  استقلالها وتوجهاتها التحررية العربية.

  وكان لهزيمة فرنسا في معركة “ديان بيان فو” -1954- الفاصلة في فيتنام، اصداؤها القوية في عقول وقلوب الشباب الجزائريين الذين كان تيار منهم قد تبيَّن عقم وعبث الكفاح بالوسائل السلمية، فحسم امره وشرع بالاعداد للسير في الطريق الوحيد الممكن لخلاص الجزائر وتحقيق استقلالها وبناء دولتها السَّيدة.

  وفي الفاتح من نوفمبرـــ تشرين الثاني 1954ــــ دوّى الرصاص المُحرِر لـ”جيش التحرير الوطني” في مواقع متعددة من الجزائر، معلناً انطلاق الثورة وولادة إطارها السياسي “جبهة التحرير الوطني” التي أذاعت بيانها الاول المحدد لمبادئها واهدافها.

  ومثل الرصاص المبشر بالحرية، تعالى النشيد الوطني للشاعر (مفدي زكريا) الذي احتضنته الأمة العربية كلها ورددته بعزم :

قسمـاً بالنـازلات المـاحقـــات

والدمـاء الزاكيـات الطـاهـرات

…………………….

 نحـن ثـرنـا فحيـاة أو ممـات

وعقـدنا العـزم ان تحيـا الجزائر

فـاشهدوا. فـاشهدوا. فـاشهدوا

*    *    *

  لم تمض ثمانية أعوام ، حتى كانت الثورة قد وضعت خاتمة اطول استعمار عرفه العرب في تاريخهم الحديث دام 132 عاماً.

  ففي تموز – يوليو 1962 انجزت الجزائر استقلالها بعد آلام ولادة رهيبة ، لتبدأ من بعد رحلتها الصعبة مع آلام البناء والنمو والاختيار والتحول والحياة.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s