ياسين الحافظ والربيع العربي

ياسين الحافظ والربيع العربي

في ذكرى وفاته

 28/ 10 / 1978

منير درويش

إذا كانت أسرة المناضل العربي ياسين الحافظ قد تعرضت لمأساتين متتاليتين ، الأولى قبل سنتين ، بوفاة أبنته الصغرى ( 36 عاماً ) ، ثم قبل عدة أشهر بوفاة ولده هيثم ( 41 عاماً )، فإن العزاء جاءها من الربيع العربي وما حققه من إنجازات خلال الأشهر العشرة الماضية ، والتي شهدت تحولات كانت في اتجاهها العام تلتقي مع ما أسس له الحافظ من وعي ، إما في منظومته الفكرية أو في نشاطه السياسي ، خاصة قضايا الحرية والديمقراطية والعدالة ، التي ميزت مطالب هذا الربيع ، هذا الوعي شكل العامل الأساسي في حركة الحافظ السياسية ، ومراهنته عليها للتحرر من الاستعمار والتبعية أو في نجاح واستمرار أية وحدة عربية سعى لها وأسس لأفكارها .

لكن فكرة التأخر التاريخي التي رأى الحافظ أنها شكلت محطة مركزية في تخثر المجتمعات العربية ولجمت نهضتها وتقدمها ، لم يكن لها أثر فاعل في هذا الحراك ولم يتأثر بها، بل أثبت أنه أنتج وعياً تجاوز فيه هذا التأخر واستطاع أن يلغي إيديولوجيات قائمة ويسقط أنظمة بقيت غير مصدقة ، حتى والنار تدخل بيوتها فهرب بعضها وعزل أو قتل البعض الآخر وهكذا.

لم يكن الحافظ مخطئاً في تحليله للواقع العربي المتأخر، ولكنه ربما نظر لهذا الواقع من خلال الوعي الظاهر، وتجاهل الوعي الكامن الذي شكل الاحتقان وهو يتأسس ويتجذر على شكل وعي ثوري متراكم لا يحتاج لأكثر من ثغرة صغيرة حتى ينفجر، وهو ما حصل في الدول العربية التي شهدت الثورات الشعبية التي تفجرت من خلال بؤر صغيرة أو حوادث هامشية ، بدأت مع محمد بو عزيزي في تونس لتسقط بعدها أعتى الديكتاتوريات العربية المتبقية في العالم ، وتتابعت حتى طالت الدول العربية بأشكال متعددة ، فأرعبت العالم ودفعت بشعوب عدة لأخذ هذه التجربة بعين الاعتبار حتى في الدول الديمقراطية نفسها. 

لقد أعادت هذه الثورات الصورة الحقيقية للتاريخ العربي بعد أن بدا للكثيرين بأنه اختفى إلى غير رجعة وهذا ما لم يتجاهله الحافظ الذي كان يرى ( أنه رغم التأخر العربي إلا أن احتمال الانفجار يبقى قائماً في كل لحظة . لكن عودة التاريخ العربي الآن جاء حقيقياً وفاعلاً وليس على شكل أهازيج ومدائح وأشعار، كما بدأ شيئاً فشيئاً يفرض نموذجاً سياسياً أبسط ما فيه أنه جعل العالم يحسب حساباً لنا بعد أن تجاهل وجودنا وألقى بنا على أطراف السياسة .

بالتأكيد لم تكن هذه الثورات بلا ثمن ، بل كان ثمنها غالياً جداً في الدماء التي سالت ، وعدد الشهداء الذين سقطوا ، والاقتصاد الذي تخرب ، والإشكالات الاجتماعية المعقدة التي ظهرت ، بل أنها لم تخلوا من بعض التجاذب عندما حاولت قوى عديدة من استغلالها لصالحها ، وخاصة الولايات المتحدة التي حاولت رغم سياساتها المعادية للعرب أن تظهر وكأنها حليفة لهذه الثورات ومدافعة عن الحقوق التي رفعتها في وجه الطغاة الذين نصبتهم ودعمت وجودهم ولم تجد بداً من التضحية بهم .

لم يصل الوعي العربي حتى الآن للمستوى الذي حلمنا به بعد انطلاق الثورات ، هذا الوعي الذي يؤسس لبناء مستقبل عربي ديمقراطي متحرر يعترف بالآخر ويحترمه ويعزز مسار الحرية والعدالة لكنه استطاع أن يرسم ملامح هذا المستقبل ، ولم يعد ممكناً الآن رغم كل الظروف أن توصف الواقع العربي بأنه فيلاً عاجزاً أمام الضفدعة الإسرائيلية الفاعلة ( مقالة ياسين . الفيل العربي ، والضفدعة الإسرائيلية ) . ومع ذلك ورغم عدم الوضوح لهذا المستقبل فإن الوعي السياسي الذي رافق الظاهرة كفيل بأن يمنح العرب فرصة كبيرة لمستقبل هو بكل ما يحمل ، أفضل بكثير من الواقع الذي عشنا فيه لسنوات طويلة . بعد أن جعلت الولايات الأمريكية وإسرائيل والسياسات الغربية من الوطن العربي سوقاً للنهب والاستغلال ، تعيد حساباتها على ضوء الواقع الجديد.

لم تكن السنوات الطويلة التي تلت موت الحافظ بلا أحداث كبرى ، لكن مسار التاريخ فيها كان رتيباً ومملاً ولم تختلف هذه السنوات عن التي عاشها الحافظ وهو يشهد الانحدار العربي خاصة بعد هزيمة حزيران ووفاة عبد الناصر لا بل أنها شهدت مزيداً من التراجع والانهيار، حتى استطاع شعب تونس العظيم وهو ينزل إلى الشارع بصدور عارية أن يفتح الباب واسعا أما الشعوب العربية للثورة على الظلم والطغيان طلباً للحرية والكرامة.

لكن المخاوف الكبرى التي تبرز الآن هي في تجاهل موضوع العروبة وتغييبها وهي التي تشكل القضية المركزية في وعي الحافظ . ولم يكن هذا التجاهل من قبل مجموعات بعيدة أو معادية أصلاً للعرب بل من قوى طالما تبنتها ودافعت عنها   فأصبحت القضية الوطنية هي الركيزة الأساسية التي بنيت عليها وأصبحت التجزئة ليس واقعاً قائما بل إيديولوجية مبررة ، يحاول البعض فرضها على هذه الثورات ، رغم أن الحافظ لم يتجاوز الدولة الوطنية بل جعل استمرارها وقوتها في ظل العالم المتغير والمتشابك رهن بتطور مفهوم الوحدة للأمة .

والشيء الآخر الذي له أهمية في هذه الثورات والذي حذر منه الحافظ دوماً هو رفض كل أشكال التدخل الخارجي في الشؤون العربية وهو ما تتجاهله قوى عديدة مؤثرة في هذه الثورات رغم أن وعيها العام وتوجهاتها السياسية ترفض رفضاً قاطعاً التدخل لأنها تدرك أنه لن يصيب النظام بل سيؤدي لإسقاط الدولة ومؤسساتها ككل . لكننا لا نتجاهل أن الأنظمة هي التي دفعت وتدفع لهذا التدخل عند رفضها الاستجابة لمطالب الشعوب خاصة بعد نجاح تجربة التدخل في ليبيا وسقوط نظام القذافي ومقتله مع أبنائه وكثير من أنصاره في سبيل التمسك بالسلطة التي لا تستحق بكل مغرياتها ،  مثل هذه التضحية .

وإذا كانت مطالب الديمقراطية ، والحرية والعدالة التي تبناها الحافظ هي التي حركت الشعوب العربية بعد حالة الإذلال السياسي والاقتصادي الذي طال كل شيء حتى المشاعر الوطنية ، وإذا كان التأخر التاريخي والتخثر المجتمعي غائباً عموماً في وعي الثورات ، لكن الغائب الأهم كان الشعور العربي الذي يوحد هذا الحراك ويدعمه والذي يؤسس لحالة سياسية عربية جديدة قادرة على تحقيق الحلم العربي المتمثل في بناء المجتمع العربي الديمقراطي الذي يحقق العدالة والمساواة لجميع المواطنين ، إذ يجري الخلط بين التأسيس للحالة الوطنية على أسس ليبرالية تبنتها كتلة كبيرة من اليساريين العرب الذين شعروا بفشل مشروعهم السياسي والفكري بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، فأخذت تتخلى عن انتماءها العربي ، حتى أن بعض الذين كانوا يصفون الحافظ بالمفكر العربي اكتفوا الآن بلفظ المفكر بعد حذف صفة العربي . في الجانب الأخر هناك التيارات الدينية الإسلامية متعددة المشارب والمشاريع التي تنكر إلى حد كبير فكرة العروبة وتتنصل منها رغم تبنيها لفكرة الاعتراف بالآخر . لكننا لا ننفي في هذا المجال كثير من المواقف الإيجابية ، عندما خرجت الجماهير المصرية تطالب بوقف تدفق الغاز المصري إلى إسرائيل والمطالبة بطرد السفارة الإسرائيلية من مصر ومحاولة تهديمها وفك الحصار عن الفلسطينيين ، لكنها لم تصل إلى الحد الذي يجعل مصر تعود لدورها العربي بعد أن كبلها نظام السادات ومبارك باتفاقيات أفقدتها هذا الدور وسمحت لقوى إقليمية ودولية أن تحل مكانها .

نحن لا نكتب الآن لنعزي أسرة ياسين الحافظ بمصابها الأليم ولكن لنقول إن التراث الثقيل الذي تركه هو وغيره من المثقفين بدأ يعطي ثماره فلنعمل عل جبرنته أي تحويله إلى الجبر في الرياضيات بتحليله وتركيبه كي يرتسم تجارب على أرض الواقع .

دمشق في 

28/10/2011                                                   

                                                                               منير درويش

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s