ياسين الحافظ واشكالية المفكر الملتزم مع الاحزاب العقيدية

ياسين الحافظ وإشكالية علاقة المفكر الملتزم مع الأحزاب العقيدية.

الجمعية الفلسفية الأردنية

عنوان المؤتمر (العقلانية في الفكر العربي)

تاريخ انعقاد المؤتمر:  من 27 – 28/ 10/ 2009

المشارك:  حسن خليل غريب

موضوع البحث: ياسين الحافظ وإشكالية علاقة المفكر الملتزم مع الأحزاب العقيدية.

مدخل للبحث وموجز عنه

بين عقلانية المفكر الملتزم بحزب عقيدي وحاجة الحزب للعقلانية علاقة وثيقة، تلك هي الخصوصية التي وجدت أنها ضرورية لاستقصاء ملابساتها من خلال البحث عن دور ياسين الحافظ كمفكر في مؤتمر يبحث عن العقلانية في الفكر العربي.

أما السبب الذي دفعني إلى اختيار هذا الجانب، فهو أنه، كما أحسب، إذا بقي الفكر جزيرة معزولة في عقول المفكرين، من دون أن يمتلك إمكانية ترجمته إلى مصلحة المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء،  فسوف ينحدر إلى  مستوى السفسطة، ويكون مآله الانقراض والتلاشي. إذ ليس هناك من يؤمن بإنتاج الفكر للفكر، بل هناك ترابط بين إنتاج الفكر ومصلحة المجتمعات البشرية، مما يجعل من هذا الترابط ثنائية يتكامل طرفاها في علاقة تبادلية وتكاملية يترجمها مفهوم الحزب في العصر الحديث، وتتشكل هذه الثنائية من الفكر كطرف أول ونضال الحزب السياسي العقيدي كطرف ثانٍ، أي الحزب الذي يعمل على الاستفادة من الفكر لصالح المجتمع الذي يعمل في وسطه.

وخصوصية المجتمع في التراث والحضارة، هي التي تضفي صفة العقيدة الثقافية الخاصة لهذا الوسط الاجتماعي أو ذاك، وتشكل إحدى ركائز بنائه الإيديولوجية، والتي إذا انغلقت أبوابها في وجه النتاج الفكري للآخر، تتحول إلى عصبية وشوفينية لا ترى في الآخر عوناً لها ونصيراً بالاستفادة من تجاربه. فتتحول الإيديولوجيا المنغلقة إلى سبب للاحتراب مع الآخر بدلاً من تكاملها معه. وهي تشكل خطورة أكثر إذا انقسم المجتمع الواحد إلى مجاميع من الإيديولوجيات المنغلقة بعضها على البعض الآخر.

لقد توصلنا إلى هذه النتيجة من خلال استقراء التجربة الإسلامية التي بلغ فيها الاختلاط الحضاري المتعدد الوجوه مدى واسعاً، ووصل إلى مداه الأقصى في العصر العباسي. وفيها توسع الجدل بين الأنا والآخر إلى المستوى الذي باتت فيه الإيديولوجيا الإسلامية عاجزة عن الإتيان بالأجوبة المناسبة لكل الأسئلة التي ارتفعت في المجتمع الجديد. فاضطر المسلمون من عرب وغيرهم، إلى فتح خزائن الفكر الفلسفي الإنساني، وكان النتاج اليوناني من أهم تلك الخزائن الفلسفية. فكانت تلك التجربة دلالة مهمة خاصة وأن من أهم حراس تلك الخزائن قد قضوا موتاً على أيدي الدعاة الدينيين في أثينا.

وعلى الرغم من ذلك فقد غامر المفكرون المسلمون بتكثيف حركتهم إلى نقل تراث من ماتوا وتمثله ومن ثم تمييز أنفسهم في إنتاج فلسفي جديد دفع الكثير منهم ضريبة التكفير والتعذيب والإقصاء والملاحقة والمحاكمة.

من تلك المرحلة يمكننا أن نقول بأن الإيديولوجيا الدينية التي كانت سائدة كادت تنغلق على نفسها، أو هي انغلقت فعلاً، فلم تعد تروي عطش السؤال الفلسفي عند المفكرين الإسلاميين، فانفتحوا على الرأي الآخر من دون خوف أو رهبة. ومن تلك التجربة بدأت العقلانية تشق طريقها في وسط حقل من الفزع والخوف، فكانت رحلة الموت والاضطهاد، التي ما إن انتصرت، حتى بعد مئات السنين حتى انكفأت العقلانية وأصيب العقل العربي والإسلامي بالجفاف فالتخلف والأمية.

وكما أحسب، وحتى لا تُصاب حركة التغيير في عصرنا القومي الراهن بانتكاسة تتقوقع فيها العقيدة القومية في دوائر التعصب والعصبية، كان لا بدَّ من دراسة أنموذج ياسين الحافظ، بمنهجية ما يشبه التقريب والمصالحة بين الإيمان الإيديولوجي القومي والعقل الفلسفي العام.

في هذه المقاربة، أو لنقل المغامرة التي لن تريح غلاة الإيديولوجيين القوميين، أو تريح من ينظر بعين الريبة والاتهام للفكر القومي، كفكر إيديولوجي، شدتني تجربة ياسين الحافظ، كمفكر قومي عمل على التوفيق بين إيديولوجيته القومية، معتبراً إياها ثابتاً، وبين الانفتاح على كل فكر آخر كان يحسب أنه به يرتفع من القومية المنغلقة إلى رحاب القومية المنفتحة، فوجد في الماركسية ما يؤدي الغرض.  فانكب على دراستها من زاوية قومية عربية، ولمصلحة الفكرة القومية العربية أولاً وأخيراً.

لقد وجد الخلاص، كما حسب، بتخليص الفكر القومي من تقليدية وجدها فيه. كما فتح بتجربته طريق الخلاص لكثير من الماركسيين الذين كانوا متعنتين لأمميتهم بمفاهيمها الستالينية، فاقتربوا كثيراً من الجدار القومي وبذلوا كل جهودهم ووضعوها في خدمة الفكرة القومية العربية.

من أجل الخوض في هذه المغامرة، كان اختياري ياسين الحافظ لأنه شغل الموقعين معاً:  المفكر العقلاني الذي انفتح على الفكر الماركسي، وهو يمثل الفكر الآخر، والحزبي الملتزم بعقيدة قومية عربية. والمثير في التجربة هو أن الفكرين وصلا إلى حافة الحرب المفتوحة طوال عقود من زمن التجربة الحزبية العربية.

ومما يسَّر لي تحطيم بعض أسوار المغامرة وبعض عوائقها، هو أن ياسين الحافظ لم يكن الشمعة الوحيدة التي مهَّدت طريق الحوار بين إيديولوجيتين تحاربتا ردحاً من الزمن، بل كانت توجيهات ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث، الذي التزم ياسين الحافظ بصفوفه، تحذِّر من توسيع أبواب الخصومة مع الماركسية وتحض على الحوار معها. كما هناك أنموذج آخر يمثله الدكتور الياس فرح، الذي شغل موقع مسؤول المكتب الثقافي القومي لحزب البعث لفترة طويلة، والذي نال شهادة الدكتوراه بتخصصه في الفكر الماركسي.

إضافة إلى ذلك، وإذا كانت تجربة ياسين الحافظ قد قطفت بعض النتائج الإيجابية من خلال انعكاسها على مقررات المؤتمر القومي السادس لحزب البعث، من خلال المنطلقات النظرية التي قام بصياغتها، وأقرها المؤتمر، إلاَّ أن تلك التجربة لم تكتمل، فبُترت بخروج الحافظ عن حزبه الأم ليؤسس حزباً آخر.  وهذا ما طرح، كما أحسب، إشكالية العلاقة بين المفكر العقلاني في حزب عقيدي وبين حزبه. والتي حسبت من خلال نتائج بحثي أن ياسين الحافظ قد خسر حزبه الذي راهن على أنه سيكون أهم وسيلة من وسائل التغيير في بنى الأمة العربية، كما أن حزب البعث قد خسر بدوره مفكراً كان من الممكن، لو استمر ملتزماً به، أن يسير بعملية التجديد والإغناء أشواطاً كبيرة.

لكل ذلك،

وكوني مقتنعاً بأن لا تغيير في المجتمع العربي من دون حركة حزبية، ولا حركة حزبية سليمة من دون مفكرين ملتزمين.

وكوني مقتنعاً بأنه ليس بالإيديولوجيا المنغلقة تحيا الأحزاب، ولا إيديولوجيا منفتحة من دون وجود مفكرين يتصفون بالعقلانية.

وحرصاً مني على أن لا تحصل الخسائر المتبادلة بين المفكر الموصوف أعلاه والحزب الموصوف أيضاً، ومن أجل العمل لردم إشكالية العلاقة بين المفكر والحزب العقيدي، قمت باستنتاجات وصفية أحسب أنها توفر العلاج الذي قد يجسر الهوة بين طرفيً العلاقة. ومن أهم تلك الاستنتاجات التي توصلت إليها من خلال بحثي، هو القيام بثلاث خطوات:

-عقلنة المؤسسة الحزبية بانفتاحها على الآخر، وتعميق مفاهيم الديموقراطية في علاقاتها الداخلية، سواءٌ أكان بالنظرية أم كان بالتطبيق.  وهي الحالة الأساسية التي تضمن للمفكر المجدد علاقة سليمة مع حزبه الذي التزم بعقيدته فكرياً، وبصفوفه تنظيمياً. 

-وعقلنة المؤسسة السياسية وإبعاد المفكر الملتزم عن دوائر التنافس في التراتبيات السلطوية. 

-والخطوة التي أراهن على أنها ستكون الضابط في علاقة سليمة، تكمن في تأسيس المؤسسات الفكرية بمواصفات حوارية وديموقراطية أيضاً.

لبنان في 24/ 10/ 2009

***

نص البحث

اشكالية العلاقة بين المفكر الملتزم والأحزاب العقيدية 

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s