ألم تقرأ ياسين الحافظ بعد ؟

ألم تقرأ ياسين الحافظ بعد ؟

منير درويش

مثقفو الأمة ومفكروها – النخبة التي تبلورالوعي للوطن والمواطن – تنقله ، ذكراهم تلزمنا أن ننتج ما تركوه . نبدأ من حيث وصلوا . انهم النموذج الذي تقع على الامة ومفكريها مسؤولية اعادة انتاجهم .

واحد منهم ياسين الحافظ الذي تمر ذكرى وفاته السنوية 28 تشرين الأول  في ظروف عربية بالغة التعقيد . ناضل وسعى لتحليل عناصرها ورسم صورة مستقبلها . انه أحد الذين يشكلون نموذجا لهؤلاء المفكرين المناضلين الذين ربما قضى معظم جيلهم ورحل في ظروف مختلفة وقد يكون تعويضهم من جديد صعب المنال . لقد كان هاجسهم ، تطورأمتهم وتقدمها وخروجها من اسارالتأخر والتجزئة والهيمنة الامبريالية والسيطرة .

ياسين الحافظ من أين بدأ وكيف ؟

وعيه مزيج من ، وعي كوني- تاريخي- ديمقراطي وحديث ، ومنهجية واقعية وثورية في أن، يقرأ بها المستقبل بدلالة الماضي والحاضر . الوعي المطابق لديه هو” اعطاء الواقع العربي بعديه الكوني والتاريخي واكتشاف حركته وميوله وتطوره ” في مطابقته هذه يعطي أهمية حاسمة لمسألة الطف ( الفرق الطفيف بين البسيط والضعيف ، بين شيئين ولونين أو أمرين ) . هذا الطف يراه ” عند فولتير عنواناً للفكر، وعند لينين حداً يتوقف عليه مستقبل حركة سياسية عند أخذه بعين الاعتبارفي تحليل ما أو موقف ما “.

هكذا عناصرالبداية في سيرته التي كتبها قبل وفاته والتي لم يجعل منها قصة بطل أو مذكرات فارس . بل محاولة لتلمس واقع المرحلة التي عاشها وعاصر اخفاقات حركة الثورة العريية فيها ، وأراد من خلالها أن يعطي له ولابناء أمته ووطنه صورة هذا الواقع ، والقاء المسؤولية وتبعة استكمال صياغة مفاهيم تقدم الامة وتطورها على عاتق مثقفيها من خلال القاء الضوء على عناصر التأخر والتقليد التي ما زالت مسيطرة على قطاعات غير صغيرة من العاملين لتحرر أمتهم ووحدتها وتقدمها هذا التأخرالذي يحول دون امتلاكهم وعياً مطابقاً لحاجات التقدم .

بداياته الأولى شاباً في السابعة عشرة من عمره ، تعريفه القومية العربية ” انها مجموعة من الخصائص والمزايا والطباع والفضائل والعيوب وطرق النظرإلى الكون والنظم الاجتماعية تنطبع بالجملة على مرالاخيال وبدرجات متقاربة في نفوس قوم تجمعهم جامعة واحدة لغوية وأدبية تاريخية ، وروابط مشتركة من ذكريات وآمال ومصالح ومؤثرات اقليمية متممة بعضها للبعض الاخر دون ان تقوم فيهم جميعاً الوحدة العنصرية .

مع تطور وعيه أصبحت القومية عنده ، ” منظومة علاقات مجتمعية متطورة ومميزة نسجها تطور تاريخي معين بين أو داخل أعضاء جماعة واحدة . انها الحركة التاريخية التي ترفع سديماً بشرياً الى كتلة اجتماعية مندمجة تستحق اسم امة . وان غياب القومية يتجلى في ظاهرتين. نقص الاندماج القومي وضمورالوعي القومي ” فالقومية لم تعد انجازا من انجازات الماضي بل انجازاً تقدمياً للمستقبل . انها تتطلب تجاوزحل البنى ما قبل الحديثة وتطمح الى تحقيق الاندماج القومي للشعب العربي الذي ما زال على الصعيد المجتمعي يعاني تكسراً وتذرراً بفعل تأثيرات البنى المتأخرة والمفوتة وهذا ما جعله يضع الثورة القومية الديمقراطية في المكان الاول في سيرورة تحديث المجتمع العربي وتقدمه . من هنا فهو ليس ( قوماوياً ) بل قوميا ( أو اموياً ). والاممية ليست تخلي عن القومية ومكان الامة بين الامم بل دعوة الى نبذ النرجسية الفوقية وتواضع في فهم الذات العربية ، لقاءه مع الماركسية ، ماركسية ماركس بالطبع وليست الماركسية العربية ( المسفيتة ) – كان لقاء بينها ويين تطور وعيه القومي وفيها يقول الحافظ ” لقد كانت ماركسيتي مصالحة مع القومية لا بصورة ضمنية بل بصورة صريحة ساعدت على ادراج المشروع القومي العربي في منظورات أكثر رهابة وانفتاحا وعقلانية مع الماركسية “. وبفضل ماركسيته هذه يرى أنه نزع عن الوحدة العريية القشرة الصوفية والرومانسية التي كساها المعتقد القومي العربي ” لم اعتبر العقبات في طريق الوحدة مجرد مؤامرة امبريالية وصرت أثمن أكثر دورالعامل الذاتي : الوعي بالتحديد في بناء الوحدة ” .

لقد شكلت الوحدة العربية في فكر ياسين الحافظ مشروعاً راهناً والراهنية لا تعني انها بأمراليوم . انها مشروع تفرضه الضرورة والمصلحة . ويفرضه منطق التاريخ والجغرافيا منطق التطوروالتقدم . لا الرؤى والاحلام الطوباوية والنبش في التاريخ عن سلالات عرقية أو عودة إلى ماض مجيد معلق فوق التاريخ ومتسام عليه .

يقول ” لقد ساعدتني ماركسيتي على نبذ التصورالماضوي للقومية والوحدة العربية على أن النطر اليها من زاوية مستقبلية كحجر زاوية في بنيان النهضة العربية المرجوة “.

وطنيته ليست نضالا ضد الاستعمار فحسب أو انتماء فرد الى جماعة أوفئة / عشيرة- طائفة- مذهب / بل انها انتماء الفرد الى وطن ومجتمع له حقوقه وعليه واجباته وعلى عاتقه مسؤوليات حيث يصبح الفرد مواطنا حرا في دولة ديمقراطية حديثة وعلمانية يتساوى فيها المواطنون جميعا أمام القانون بغض النظرعن انتماءاتهم .

أما السياسة فهو يراها في مفهوم السياسات العربية قصرا على الاهتمام بشؤون الحكم والحاكم أو ما يسميها الوعي الذي يفرز السياسة الدنيا هذه السياسة التي تعالج السطح السياسي بدلا من توجيه اهتمامها الى عمارة المجتمع التي تمثل السياسة العليا المنتجة للمجتمع المدني والدولة العصرية الحديثة التي تبدأ مقدمتها السياسية بسلطة تقودها ، مستوعبة قيم ومناهج العصرالحديث محاطة بانتلجنسيا تقدمية ومتمتعة بدعم جماهيري . ” ان هؤلاء الذين يريدون دولة عصرية ” عالطريقة الاميركانية ” ومثالها الطريق ( دولة العلم والايمان) ، بوصفات ادارية مفتوحة ، واهمون ومخادعون لانهم يزيفون ويسطحون مشكلة بناء الدولة العصرية ، لأن بناء هذه الدولة لا يمكن أن يبدأ إلا بتحديت السياسة والثقافة ، تحديت الاولى بالديمقراطية والثانية بالعلمانية والعقلانية ” .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s