وجهة نظر غربية في عبد الناصر وثورته

وجهة نظر غربية في عبد الناصر وثورته

إمتداد لوطنية القرن التاسع عشر وقطيعة أبقت الأمور معلقة

  فريدمان بيتز

اعتبر بيان الثورة المصرية الأول الفترة التي سبقت حركة الضباط الأحرار من أكثر الفترات سواداً في التاريخ المصري كله ، بما اكتظت به من فساد إداري ، وعدم استقرار سياسي . القائمون بالحركة وصفهم البيان بالشجاعة والوطنية والامانة والنقاء ، وقال انهم قاموا بحركة بيضاء سيطروا فيها على قيادة الجيش واستلموا زمام السلطة في البلاد (1) . ضباط الحركة أو الضباط الأحرار – كما سموا أنفسهم – وعلى رأسهم جمال عبد الناصر – الذي كان يبلغ آنذاك الرابعة والثلاثين من العمر – أرادوا أن يحققوا بتحركهم هدفاً طالما سعت إليه الحركة الوطنية المصرية . منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر : مصر القوية المستقلة (2) . ولقد مضت على ثورة الضباط الأحرار ثماني عشرة سنة تماماً حتى الآن (1970 ) ومع ذلك فإننا لانرى نهاية قريبة للعهد الثوري . خلال هذه المدّة غيّر عبد الناصر المجتمع المصري جذرياً بحيث لاتمكن المطابقة بين مجتمع وقائد في القرن العشرين كما يمكن ذلك بالنسبة لعبد الناصر والمجتمع المصري . فإذا تتبعنا كلمة الرئيس في أول مايو لهذا العام (1970 ) نجده يقول – ليس للمرة الأولى – أن مصر تمر بحقبة من أخطر حقب التاريخ . إنه يقول ذلك لا بإحساس الفخر لانتهاء أعمال سد أسوان ، ولا تقدم التصنيع ، بل لايمان منه بأن الكفاح من أجل ” التقدم والسلام والحرية ” يحقق في النهاية أهداف الثورة البعيدة المدى في الحق والعدل والرفاهية (3) . لهجة عبد الناصر الكفاحية لم تتغير منذ العام 1952 ، لكن فكره تغيرّ تدريجياً منذ ذلك الحين ، تغير من وطني متحمس لأهداف قومه وقضايا بشكل عام ، إلى داعية لاشتراكية ديمقراطية تعاونية .

ولأن عوامل داخلية بالدرجة الأولى كانت وراء قيام الثورة والتطورات اللاحقة فإن علينا أن نقدّم لدراستنا بكلمات عن الحالة في مصر وخلفية الضباط الأحرار . كما علينا ان نصف أهداف الانقلابيين الأولى . ويبدو أن الرئيس ورفاقه حاولوا في بداية الأمر أن يديروا السلطة بغير ايديولوجية معينة ، لكن اتضح لهم تدريجياً ان ذلك غير ممكن لأن قيادة الشعب إلى الأمام تحتاج إلى إعداد جماهيري لم يكن متوفراً ، كان عبد الناصر أمام أحد خيارين قريبين أما التعاون مع الاسلام في شخص الاخوان المسلمين أو مع التقليديين في كل الاحزاب القائمة وتجاوز عبد الناصر الخيارين لأسباب ستذكر في سياق البحث .

ينظر عبد الناصر إلى ثورته باعتبارها امتداداً للكفاح الوطني الطويل منذ القرن التاسع عشر (4) . لكن التضامن الوطني السابق على ثورة الضباط الأحرار لم يستطع تحقيق أهدافه في بناء مصر القوية المستقلة ، بل على العكس من ذلك فقد استطاعت قوى غير وطنية أن تتسلم السلطة مما اضطر الرئيس ورفاقه إلى الانقلاب عليها . ثلاث فئات تمثل اتجاهات النفوذ الرئيسية في قلب هذه القوى : فئة الأمراء من سلالة محمد علي الذي أسس النظام الخديوي  بمصر في مطلع القرن التاسع عشر وفئة المحتلين من الانكليز الذين سيطروا على مصر منذ العام 1882 ، ثم فئة البورجوازيين الكبار الذي تعاظم نفوذهم في الدولة من خلال دستور العام 1923 الذي أعطى مصر استقلالاً شكلياً : لقد سيطر هؤلاء على الأحزاب ، وبالتالي على البرلمان ، ومنذ الحرب العالمية الأولى ، عندما بدأت الجماهير تتجه للتصدي للمحتل البريطاني لم يهدأ الكفاح ضده . فقد نشبت ثورة العام 1919، ثم ارغم النضال البريطانيين على التنازل عن بعض امتيازاتهم في  المعاهدة المصرية- البريطانية (30 أغسطس 1936). لكن بقيام الحرب العالمية الثانية عادت مصر من الناحية الواقعية محمية بريطانية ، يدل على ذلك حادث فبراير (شباط) 1942 عندما ارغمت الدبابات البريطانية الملك فاروق (1936- 1952) على تعيين مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد رئيسا للوزراء. وعندما انتهت الحرب، ولم تعد هناك ضرورة لوجود العسكريين البريطانيين لم ينسحبوا من مصر بل تعاظم نفوذهم في سائر دوائر الدولة ، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية مضطربة تركت البلاد في حالة من الفوضى والفساد لا مثيل لها. اضيفت الى مصاعب المدن السياسية والاجتماعية مصاعب الريف المصري المتزايدة . فقد تزايد السكان بصورة ملحوظة في الاربعينات في حين لم تتزايد موارد الفلاحين الذين اشتدت قبضة ملاك الأراضي الكبار عليهم . كانت الكثرة الكاثرة للفلاحين المصريين في الاربعينات تعيش على الهامش ، وتعاني من سوء تغذية فظيع ، ومن امراض البلهارسيا والتراخوما التي كانت تستنفذ انسانيتها وقدرتها على العمل والانتاج . في هذه الظروف تزايد عدد العائلات الفلاحية التي لا تملك شيئا ، واشتد الزحف نحو المدينة بحثا عن العمل والحياة. في مدينة كالاسكندرية كان الاجانب ما يزالون المسيطرين في الحياة الاقتصادية، وكانت ارباحهم من تجاراتهم في مصر- شأنهم في ذلك شأن الملك وكبار ملاك الأراضي – توضع في بنوك اوربا ، هذا في حين يعاني الفلاحون المصريون من المرض والبطالة وسوء التغذية ، والاضطرار الى الانتظار على هامش المدينة . لكن لم يكن الفلاحون هم الساخطون فقط ، فالظروف الشاسعة في المعيشة اثارت سخط الطلاب والمثقفين، وفئات البورجوازية الصغيرة والبيروقراطية. لقد رأوا جميعاً ان امكانيات تقدمهـم وتحسن ظروفهم محدودة في ظل الأوضاع الراهنة . وبدأ تذمرهم هذا في صورة اضرابات وتظاهرات انتهت غالبا بأعمال عنف . وانعكست الأزمة الاجتماعية على الحياة السياسية او تساوقت معها ، وبدا ذلك في عجز الحكومات المتعاقبة عن حل المشاكل الاجتماعية والتصدي للاحتلال البريطاني غير الشرعي . كان الامل معقودا على حزب الوفد الذي نشأ حزبا جماهيريا لكن شكل قيادته، ثم تحالفه مع البريطانيين عام 1942، وتغلغل البيروقراطية فيه ، كل ذلك شل فاعليته وعطلها.

ولم يكن الامر مختلفأ بالنسبة للاحزاب الاخرى، فقد ظهر اكثرها نتيجة انشقاقات في حزب الوفد، ولم تكن تستطيع ان تجتذب اليها فئات جماهيرية معتبرة، للشك الذي كانت تحاط به بسبب تمثيلها لمصالح كبار ملاك الأراضي، والبورجوازية المدنية الطفيلية. ودخلت المنظمات اليسارية الى الساحة منذ العام 1945 بتشكيلها للجنة الوطنية للعمال والفلاحين التي نظمت اضرابات وتظاهرات ضد الاحتلال البريطاني ، والاجراءات غير الديمقراطية للحكومات المتعاقبة. من جهة ثانية قاد حسن البنا تياراً دينياً جماهيرياً يريد احياء القوة الاسلامية الاولى عن طريق ” العودة الى تطبيق مبادىء الاسلام ” ، وقد استخدم هذا التيار العنف والاغتيالات اواخر الاربعينيات للقضاء على خصومه وارغام المسؤولين على تنفيذ بعض مطاليبه (5). بلغت الأزمة الاجتماعية – السياسية. اخيرا قمتها يوم ” السبت ا لأسود ” (26 يناير 1952) عند ما قامت جماعات من الاخوان وبعض الفئات اليمينية. المتطرفة باشعال حريق ضخم في الاحياء العصرية في وسط القاهرة . تلا ذلك اربع وزارات لم تستطع ان تستقر في السلطة، ودخلت البلاد طوال شهور متوالية في حالة  طوارىء دائمة . في ظل ظروف متوترة كهذه ما كان بوسع الجماهير الساخطة ان تحقق تغييرا اصلاحيا في النظام السياسي بوسائل سلمية، خصوصا ان الحكومات الضعيفة كانت تلجأ دائما الى الجيش لتحتفظ بسلطتها ، مما هيأ شروطا ملائمة لتدخل العسكريين في الحياة السياسية باعتبارهم  الفئة  الوحيدة المنظمة التي تستطيع ان تتصرف بسرعة وحزم . هذا ما ادركه الرئيس عبد الناصر- وقد كان آنذاك ضابطا برتبة مقدم . فتد كتب فيما بعد في ” فلسفة الثورة ” ان الجيش كان في تلك الفترة القوة الوحيدة المنظمة التي تستطيع ان تتحرك لتغير دون ان يثير ذلك سخط أي من الفئات لأن الجيش جاء من قلب الشعب من جهة، ولأنه ليس تابعا لحزب او فئة من جهة ثانية (6). ولم يكن الجيش ليتردد طويلاً في استلام زمام السلطة ، فقد عملت مجموعة من الضباط  للوصول الى ذلك سنوات قبل الثورة . دخل عبد الناصر وكثير من زملائه الكلية الحربية عام 1936/ 1937 بعد عقد المعاهدة المصرية- البريطانية التي مكنت الشبان المصريين من غير ابناء العائلات البورجوازية الكبيرة من دخول الجيش ضباطا. وقد رفض عبد الناصر اولا بسبب نشاطاته  السياسية في مظاهرات العام 1935 ثم قبل فيما بعد ، بعد ان درس الحقوق لفترة قصيرة في جامعة القاهرة . وبعد أن خدم في جنوبي مصر والسودان عاد الى القاهرة عام 1942 ضابطآ اداريا. وقد ادرك عبد الناصر وزملاؤه من رجال العام 1936 ان الحياة السياسية المصرية صارت معيقة لتقدم البلاد الاجتماعي (7) وانه لا بد من تغييرها وبدأوا يعدون أنفسهم لذلك، لكن حرب فلسطين عدلت من خططهم وادت الى الاسراع في اعداد الخطة للتغيير فكونوا عام 1948 لجنة الضباط الاحرار بقيادة عبد الناصر لكن عندما نفذوا انقلابهم عام 1952 اثروا ان يتولى الأمر في الظاهر رجل اكبر سنا وشهرة في الأوساط الشعبية هو اللواء محمد نجيب . كان للضباط الاحرار هدف كبير- هو هدف الحركة الوطنية المصرية منذ زمن ويتلخص في بناء مصر قوية مستقلة (8)، لكن لم يكن لديهم برنامج واضح عن كيفية تحقيق ذلك . جاءت اجراءاتهم الاولى ضد البورجوازية الكبيرة والرأسمالية العقارية بقصد تحقيق بعض التقدم على المستوى الجماهيري . اثناء ذلك شكلوا لجان عمل ودراسة لتخطيط تصرفات الثورة المقبلة ووضع اهداف اكثر تحديدا. وتتابع صدور القوانين ذات المطمح الجماهيري في تلك الفترة، فالغيت القاب الباشوية والبيكوية، وانشئت محاكم لجلاء قضية اغتيال حسن البنا زعيم الاخوان، واشكاليات الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين . وصدر قانون الاصلاح الزراعي (9 سبتمبر 1953) بعد ان صودرت املاك فاروق والعائلة المالكة . نص قانون الاصلاح الزراعى على حد اعلى للملكية يعطي مئتي فدان للفرد الواحد . واستولت الدولة على الملكيات الكبيرة ثم وزعتها على الفلاحين ، ووضعت اسعارا محددة لايجار الأراضى او المزارعة . كانت لبعض الضباط الاحرار اهتمامات سياسية واضحة قبل الثورة ، لكن هؤلاء كانوا ينتمون الى اتجاهات متناقضة حزبيا على الأقل مما حال دون تكون كتلة خاصة لصالح حزب من الاحزاب الموجودة في الساحة السياسية. كان هناك رجال من أنصار الوطنيين المتطرفين في ” مصر الفتاة ” . كما كان هناك شيوعيون واخوان مسلمون (9) . أما عبد الناصر فلم يكن مرتبطا بجماعة معينة وان كان يعرف الاحزاب جيدا . لهذا كان اعلان الضباط الاول انهم يريدون فقط تطهير الجيش وانهم يطلبون من الحكومة والاحزاب ان يطهر كل منهما نفسه من العناصر الفاسدة وحددوا لذلك ستة أشهر يعودون بعدها الى ثكناتهم (10) بعد ان يكونوا قد اطمأنوا الى نظافة الحياة السياسية، وعودتها الى السير على هدى من الدستور ومصالح الشعب (11). لكن الأسابيع التالية اظهرت ان الضباط الاحرار قدروا الاحزاب تقديرا اعلى من الحقيقة، مما اضطر اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة في اغسطس (آب) 1952 الى التصريح بان الثورة اقترحت ، وها هي تحذر الآن ، لكنها ستجد نفسها مضطرة الى الفعل ان استمر الحال على ما هو عليه من فساد وفوضى (12). في سبتمبر (ايلول) 1952 تولى محمد نجيب رئاسة الوزارة بسلطات واسعة للاصلاح فشكل محكمة للنظر في فساد البرلمان والاحزاب. عندها بدأت صراعات اجنحة عنيفة في حزبى الوفد والاخوان المسلمين على الخصوص كما اقتنع مجلس قيادة الثورة بأن اعادة الحياة النيابية والحزبية سيؤسس من جديد ديمقراطية شكلية فاسدة (13). بعدها جرى تعطيل دستور العام 1923، ومدّ امد الفترة الانتقالية التي يحكم فيها، العسكريون بشكل مباشر ثلاث سنوات ثم كان ان اعلنت الجمهورية في 18 يونيو (حزيران) 1953. كان محمد نجيب من الذين ظلوا يؤمنون بامكان اعادة الدستور والديمقراطية في القريب العاجل (14) وبسبب الشعبية الواسعة التي كان يتمتع بها، والسلطات التي اسندت اليه (رئاسة الجمهورية، رئاسة مجلس قيادة الثورة، رئاسة مجلس الوزراء) شعر انه يستطيع ان يتحدى عبد الناصر فاثار معه نزاعا علنيا حول الديمقراطية والدستور مما اضطر الرئيس الى الاسراع بمواجمته والخروج من وراء الكواليس ، وبأسابيع قليلة استطاع تجريده من سلطاته وعزله عن الجيش ، والسيطرة على مجلس قيادة الثورة وقيادة الجيش.

-2-

لم يكن بوسع الضابط عبد الناصر ان يؤيد دعوة نجيب للعودة الى الديمقراطية، ذلك لأنه لم يكن يريد ، انقلابا، بل ثورة (15) ، لا تهدف فقط الى احلال موظفين اقل فسادا محل موظفين فاسدين. صحيح انه لم يكن يملك في البداية برنامجا مفصلا لكنه كان ورفاقه يملكون الارادة، وبعد عامين من ثورته عندما اصدر ” فلسفة الثورة ” كان ما يزال يبحث – عن اهداف محددة وواقعية يمكن للثورة ان تحققها مستقبلا(16) . كانت ” فلسفة الثورة ” ورؤيته العامة، لدور مصر في العالم العربى، ودور العالم العربي في العالم الاسلامي والعالم، ودور مصر في افريقيا، ودور الدول النامية في صراع الكتلتين (17) ، كل ذلك كان يشغل باله، فيبحث عن بداية لكل ذلك لكنه كان منشغلا ايضا – ربما بتبني دور لنفسه. كان هناك ” دور ” يحتاج الى بطل ليلعبه، ولأن عبد الناصر وجد المسرح ما يزال- خاليا فقد كان على استعداد لتولي هذا الدور (18)0″ الدور ” الباحث عن ” بطل ” وجد في السنوات القادمة رجله الذي صار اشهر رجال العالم الثالث، واحد اكثر خصوم الغرب الامبريالي تصميما وشعبية. لكن محاولة تفسير اصرار ناصر على الاحتفاظ بالسلطة بالانانية الشخصية وحب الذات لا تجد لها سندا مقنعا في سلوكه الشخصي وكلماته وتصرفاته السياسية. كان الرجل منذ شبابه الاول شديد الأسى لما آلت اليه الأمة من تخلف وتسيب واستسلام، كما كتب الى احد اصدقائه عام 1935 (19)، وتشير اقواله في ” فلسفة الثورة والميثاق ” والخطب الى انه كان حزينا الى حد اليأس للبؤس الذي تعيش فيه غالبية الشعب المصري (20). وقبل كتابات فرانز فانون وفلسفة العنف في ” معذبي الارض ” (21) بجيل ادرك عبد الناصر ان طريق العنف هو الوحيد الباقى أمام البؤساء ومنظميهم للتخلص مما هم فيه . وقد اشترك هو نفسه في محاولة لاغتيال احد السياسيين قبل الثورة ، ثم اقلع عن استعمال الارهاب الفردي لأنه لا يحل المشاكل المستعصية وبدأ يعد مع رفاقه لثورة تحدث تغييرا جذرياً في الموجود كله (22). على انه بقي هناك شيئأ هاما، اذ يبدو أن عبد الناصر لم يكن يملك نظرية جاهزة عن كيفية تحقيق مصر القوية المستقلة، ويوضح هذا تلك الصيغ العامة ، والمبادىء غير المحددة بدقة التى بدت في خطبه وكتاباته واقوال رجال ثورته وصحافته في السنوات الاولى للثورة ولكن هل يمكن الحديث عن احساس مماثل في السنوات الاولى للدعوة الى ” اشتراكية عربية “، ام ان هذا كله ناتج عن طبيعة اللغة العربية الغنية بالالفاظ والاحتمالات وأسباب المجاز والكفاية والمترادفات ؟. على أي حال لقد كان واضحاً بالنسبة له منذ البداية ان الثورة السياسية ” ليست كافية، بل لا بد من ثورة اجتماعية تتبعها (فيما بعد رأى انه لا بد لهذه ان تساوقها). في مرحلة الثورة السياسية يتحقق التحرر من المستعمر او من طبقة حاكمة عميلة او مستغلة ، وفي المرحلة التالية تجري اعادة تنظيم المجتمع داخليا من اجل تحقيق ” العدالة الاجتماعية” (23). صيغ هذان المبدآن في صيغة عامة هي: التحرر الوطني وتحديث المجتمع (24) ويشكو الرئيس عبد الناصر من امرين لم يتحققا في البداية . مع ان رجال الثورة كانوا ينتظروهما: التأييد الشعبى الطامح للثورة بحيث يطور الشعب نفسه افكارا عن التقدم والتغيير، واخلاص بعض المثقفين والسياسيين والاقتصاديين الوطنيين الذين يمكن ان يساعدوا الضباط الشبان في بداياتهم التجريبية غير الخبيرة او السياسية (25). لكن لا نستطيع ان نعفي الضباط والرئيس عبد الناصر من المسؤولية عن بعض ذلك ، اذ ان تجربتهم تركت آثارا سلبية على” الفكرة ” و” المسيرة “. كانت هذه هي المقدمة لاعتزام الضباط الاحرار وعلى رأسهم عبد الناصر البقاء في السلطة. لقد كان عليهم ان يبقوا في السلطة لأنه لا بديل لهم بعد افلاس الحكم القديم ، ولأنهـم هم الوحيدون الذين يستطيعون اخراج الانجليز ، ولأنهم الذين يستطيعون ادعاء تمثيل ارادة الشعب بانتظار تقدم الجماهير نفسها لتحكم نفسها بنفسها (26)0 اعلن الرئيس عبد الناصر ان الجيش هو من الشعب والى الشعب ، ثم عاد فأكد ذلك بعد عشر سنوات في ” الميثاق ” في سياق عرضه لدور الجيش في المجتمع المصري (27) . وقد قال الشيء نفسه تقريبا في مقابلة له مح الصحفي الهندي المعروف كرنجيا (28) .

-3-

وضعت الثورة المصرية نصب عينيها ستة أهداف منذ البداية : التحرر من الاستعمار. تصفية الاقطاع ، القضاء على الاحتكار والاستغلال ، بناء عدالة اجتماعية ، انشاء جيش وطني قوي. وتحقيق ديمقراطية حقيقية (29). أما وسائل تحقيق هذه الاهداف التغييرية الجذرية فتركزت في أربعة أسس بعضها بدا على شكل بدائل : تدعيم النظام الثوري في الداخل عن طريق بعض الاجراءات الامنية ، اتباع سياسة خارجية واضحة ومعادية للامبريالية . البدء بالتغيير الاقتصادي تدريجيا في اتجاه تحويل الاقتصاد في النهاية الى

 ” اقتصاد دولة ” ، وخلق أساس ايديولوجي وتنظيمي للنظام عن طريق ” الدستور ” و”الميثاق،، و” الاتحاد الاشتراكي العربي ” (30).

(1) : رأى الرئيس عبد الناصر ان مصر تحتاج الى استقلال سياسي وبناء اقتصاد قوي، كما رأى ان ذلك لا يمكن تحقيقه الا باستقرار داخلي مضمون وبمعزل عن صراع الايديولوجيات والقوى العالمية على الساحة المصرية . في هذا السياق يمكن فهم اجراءاته التالية مثل: حل الاحزاب اليسارية (1954) واليمينية (الاخوان المسلمون 1954-1955)، وتحريم العمل السياسي الحزبي ” منع السياسيين والبرلمانيين السابقين من العمل السياسي من خلال النظام الجديد. محاكمة البيروقراطية القديمة وبعض عناصر الجديد . وتقويتها من جديد بعناصر مؤيدة له ، وتدعيم الاجهزة البوليسية السرية ومراقبة الصحافة ، وبناء جهاز اعلامي جماهيري ضخم للدعاية للثورة واهدافها ورجالها.

(2): رأى الرئيس عبد الناصر ان الثورة السياسية ، لا يمكن ان تتحقق فعلا مادامت مصر محتلة من قبل ثمانين الفا من الجنود البريطانيين. لذلك كان همه الاول محاولة اخراجهم من مصر، فعقد لهذا الغرض مفاوضات شاقة مع البريطانيين وقعت في نهايتها اتفاقية 19 اكتوبر (تشرين الاول) 1954 التي انسحب البريطانيون بموجبها من مصر. لكن الضغوط اشتدت على الرئيس من قبل الكتلتين العالميتين مما دفعه ودفع دولا اخرى وسطى في آسيا وافريقيا الى البحث عن بديل لسيطرة الكتلتين . في تلك الفترة زاره نهرو بمصر على اثر تأسيس حلف بغداد (فبراير 1955) دون مشاركة مصرية . وفي ابريل (نيسان) انعقد مؤتمر دول عدم الانحياز الاول في باندونغ فحضرته ثلاثون دولة خرجت بصياغة مقررات معينة لما سمي”الحياد الايجابي “. بعدها بقليل اعلن عبد الناصر هذه المبادىء بمصر المؤمنة تقوم على البعد عن احلاف. ومصادقة الصديق ، ومعاداة العدو (31) . في سبتمبر (ايلول) من العام نفسه التقى عبد الناصر بتيتو، ثم التقيا مع نهرو في السنة المقبلة في بريوني (يوليو 1956) حيث اعلنوا المبادىء الأساسية لعدم الانحياز: ما دام العالم منقسما الى كتلتين والحرب الباردة على أشدها فان دول عدم الانحياز ودول العالم الثالث بشكل عام ترى من مصلحتها ألا تنحاز الى احدى الكتلتين بل ان تقاوم كل محاولة للسيطرة من احدد الكتلتين، وتدعو الى ” نزع السلاح ” تخفيفا لحدة التوتر على المستوى العالمي ، كما تدعو الى تدعيم اقتصاديات الدول النامية (32).

اظهر مبدأ عدم الانحياز هذا – الذي حل محله بعد سنوات مبدأ عدم دخول الاحلاف- أهمية بالغة في الخمسينيات ، السنوات الصعبة بالنسبة للدول النامية والمستقلة حديثا. لقد كانت هذه الدول جميعا بحاجة ماسة الى مساعدة تقنية وتمويل لمشاريع التنمية من الخارج ، لكنها كانت تخشى من الوقوع في التبعية السياسية والاقتصادية من جديد. وكان عدم حصولها على مساعدات- من قوى لا تعطيها بغير شروط- يعني التوقف عن النمو او التخلف. اظهر الرئيس عبد الناصر في سنوات ” الحياد الايجابي ” الذهبية قدرة رائعة على لعب دور وسط بين الأنظمة الكبرى بحيث استطاع ان يستغل ” لعبة الأمم ” هذه للحصول على مساعدات لبلاده دون ان يعني ذلك ارتباطا بجهة معينة . لكن فرص النجاح والتقدم بقيت مع ذلك محدودة، فقد توصلت احدى الشركات التي طلب اليها عبد الناصر ان تخطط للتنمية بمصر من خلال خطة خمسية اولى الى انه ” لو توفر للخطة الخمسية التمويل الكافي والبالغ مليار دولار، ولو سارت هذه الخطة على الفور دونما عقبات ” ولو عمل المصريون ليل نهار، ولو تلقى عبد الناصر كل المساعدات التقنية التي يحتاجها لخطته من الخارج فإن الهدف الذي يمكن تحقيقه بعد هذا كله ينحصر في عدم الرجوع الى الوراء دونما آمال بالتقدم في طريق التنمية الاقتصادية (33). من هذا الموقف اليائس لمصر كان على عبد الناصر ان يتحرك نحو المستقبل في ظل زيادة للسكان تبلغ 5ر3% سنوياً – عام 1969، 3% سنويا- واقتصاد مهزوز جدا، ونقص مريع في القطع النادر. في نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 استطاع عبد الناصر بعد متاعب لا حصر لها الحصول على قرض اميركي قيمته 40 مليون دولار، لكن هذا القرض لم يكن شيئا يذكر ان كان المقصود منه البدء سد اسوان الذي يتطلب اضعافا مضاعفة.

اولى ثمار سياسات الحياد الايجابي كان العرض الاميركي- الانجليزي للمساعدة في بناء سد اسوان في ديسمبر (كانون الاول) 1955. كان الاتحاد السوفياتي قد قدم عرضا للمساعدة في بناء السد قبل ذلك بقليل . لكن الغربيين الذين ازعجتهم صفقة عبد الناصر للسلاح مع تشكوسلوفاكيا الدائرة في فلك السوفيات (قيمتها 80 مليون دولار ، وكان الاميركيون قد رفضوا تزويد مصر بكميات من السلاح اقل بكثير)، أرادوا ان يتلافوا انحياز عبد الناصر التام الى الشرق الشيوعي بالاقبال على مساعدته هم ايضا.

لكن عبد الناصر تجاهل الاشارة الغربية وتابع سياسته اللامنحازة. فاستقبل تيتو، وتدخل في الاردن ضد الجنرال جلوب ، وعاد الى بريوني لصياغة مبادىء عدم الانحياز نهائيا . عندها اقدم الاميركان والبريطانيون والبنك الدولي- على خطوة لا مثيل لها دوليا: لقد سحبوا عرضهم للمساعدة في بناء السد. فرد عليهم عبد الناصر بتأميم القنال . ومع ان عبد الناصر خسر حرب العام 1956 عسكريا الا انه انتصر فيها سياسيا وخرج منها اكثر استقلالا، واعظم احتراما فى أوساط دول العالم الثالث. لقد اظهر ان دولة نامية كمصر تستطيع الوقوف في وجه دول كبرى ان توفر لقبادتها العزم اللازم والشجاعة الكافية . لكن احترام دول الكتلتين لم ينبع من ذلك فقط  بل من نفوذ عبد الناصر المتعاظم فى دول الشرق الأوسط التي اشتد فيها عضد الاتجاه الناصري الاستقلالي، وصارت جماهيرها تقف تلقائيا وراء الرئيس. تمكن الرئيس في السنوات التالية ان يستغل نفوذ مصر المتعاظم في العالم العربي – والعالم الثالث لصالح بلاده ، فاقبلت الدول الكبرى على خطب وده وتنافست دول الكتلتين في تقديم المساعدات الاقتصادية والتقنية والقروض لمصر، فحصل عبد الناصر في السنوات العشر التالية لعام 1956 على قروض تقدّر بـ 12 مليار دولار، هذا بالاضافة الى هدايا المؤن ” وهدايا السلاح السوفياتي التي قدرت بـ 2 مليار دولار.

(3) : بتحرير- قناة السويس اعتبرت الثورة السياسية الى حد ما منتهية، وكان لا بد من الالتفات الى ” الثورة الاجتماعية ” . وحتى العام 1956 بدا ” الاصلاح الزراعي ” كأكثر اجراءات الثورة جذرية . أما ما عدا ذلك فقد كان عبارة عن اجراءات لتشجيع الرأسمال الخارجي للعمل في مصر ، وتشجيع الرأسمال الداخلي على الاستثمار الواسع . وقد قامت الثورة بمشاريع لتوزيع الارض على الفلاحين ، وانتزاع اراضي جديدة من صدر الصحراء، وبناء مصانع للحديد والصلب بحلوان، وتحسين وسائل الري، ومد شبكة المواصلات والانارة، والضمانات الاجتماعية، والتجهيز الطبي الى الارياف. وبشكل تلقائي بدأ الضباط تدريجيأ يحتلون المناصب على رأس البيروقراطية المصرية ، وبدأ تطوير المجتمع عهد العسكريين يأخذ شكلا جديد، لقد بدأت، الطبقة الجديدة- طبقة الضباط- بالظهور، والحلول محل البورجوازية الكبيرة القديمة (34). بدأ تركيز نظام الرئيس عبد الناصر لحل القضايا الاقتصادية منذ العام 1957، فأنشئت لجنة التخطيط، وهيئات اقتصادية اخرى لتنفيذ الخطة الخمسية، كما جرى تأميم البنوك وشركات التأميم. كان ذلك المعالم الاولى للتحول الجديد في السياسة الاقتصادية: كان الرئيس عبد الناصر يتجه نحو بناء اقتصاد دولة مخطط ومركزي، يتعاظم فيه، دور القطاع العام. وقد عممت قوانين 1960-1962 الاشتراكية ما كان قد بدأ في أواخر الخمسينبات

(4): كان التغيير الاقتصادي – الاجتماعي يتطلب مشاركة ووعياً شعبيين . وإرادة للتغيير . واستيعاباً لبعض اساسيات العصر ، لكن هذا كله لم يكن متوفرا بمصر الا في أوساط شرائح الطبقة البورحوازيه الوسطى الكبيرة . والبورجوازية هذه كانت اشد اعداء الرئيس شراسة بسب تهديده لمصالحها الداخليه  وارتباطاتها  بالخارج . كان على الرئيس اذن ان يتجه البورجوازية المدينة الصغيرة . وبالدرجة الاولى الى الفلاحين الذين كانوا مستغلين منذ آماد وآماد . والذين كانوا سلبين تجاه لحكومة منذ آماد وآماد . بيد ان الاتجاه إلى الفلاحين بتحسين ظروفهم المعيشيه. وتخليصهم من كابوس البلهارسيا والتراخوما لم يكن كافبا . لقد كان الأمر يتطلب تعديلا لنظرة هؤلاء الى عالم القيم الذين كانوا يعيشون فيه. تعديلا ينعكس على انماط السلوك الفردي والاجتماعي . وعلى الموقف من الدين والدولة والعصر ، لم تكن المشكلة في الأساس مع الاسلام . بل مع الشكل التقلبدي للإسلام  الذي هو عبارة عن عادات وتقاليد وانماط سلوك واعتقاد قد لا تكون صلتها بمحمد و القرآن الكريم كبيرة لكنها على اي حال هي السائدة بوصفها إسلاماً في مجتمع مصر الريفي على الخصوص ، وبالإضافة إلى ان الرئيس كان مسلماً يحمل بين جوانحه شيئاً من التدين الفعلي ،  فان اقصاء الاسلام الاجتماعي عن المجتمع يكاد يعني بالنسبة لكثير من المصريين ضرب أساس الاستقرار في المجتمع ، لذا فضل الرئيس ان يتجه إلى ” تحديث ” الاسلام بطريقة غير مباشرة عن طريق تدعيم الاتجاه العلماني في داخل الاسلام نفسه ، والدعوة إلى ” طهورية ” إسلامية . قد يكون لها وجه سلبي ، لكنها تخدم الأهداف الانمائية للنظام في المستقبل القريب . 

-4-

حققت ” الثورة السياسية كأ المصرية نجاحات لا يمكن انكارها. لكن هل يمكن القول ان ” الثورة ” الاجتماعية” الناصرية استطاعت اخراج مصر من الماضي ” هل استطاعت ” الاشتراكية العربية ” ان تحقق الاهداف والامال التي علقها عبد الناصر والعرب عليها؟. الاجابة ليست سهلة، لكنها على اي حال ليست في صالح ” الاشتراكية العربية ” على الدوام. بدأت الثورة المصرية بغير ايديولجية سياسية – اجتماعية. ولم يكن ذلك ذنب الضباط الاحرار ولا حتى الاحزاب فيما قبل الثورة ، بل الثورة . بل مسؤولية المثقفين الذين عجزوا منذ مطالع القرن العشرين عن انتاج شيء ذي قيمة ايديولوجية كبيرة. هذا يوضح تلك الحيرة التي تظهر في “فلسفة ” (35)، عبد الناصر للثورة. لقد جرى القول في الدراسات المهتمة بالتحديث في الشرق الاوسط ان المصريين والعرب الآخرين استيقظوا على دوي مدافع نابليون. ثم كانت “عصرية ” محمد علي التي انتجت امثال الطهطاوي الذي حاول للمرة الاولى ان

” يعرب ” مفاهيم عصرية مثل ” الأمة ” لتتفق ومقتضيات العصر. بعده عرف العرب روسو، وكومت، وجون ستيوارت مل، ودور كهايم  وديوي ( لكنهم لم يعرفوا زاركس مبكرا). هل هضم المثقفون هذا كله ؟ وهل كان هذا الهـضم ” هو الطريق الوحيد لتطور عربي ايديولوجي- سياسي- اجتماعي ؟ على اي حال لا الشيوعيون، ولا الاخوان المسلمون استطاعوا ان يقدموا تحليلا نظريا جيدأ لمشاكل المجتمع المصري والمجتمعات العربية وللعلاقة مع اوربا . كل ما يمكن قوله ان الجميع  كانوا مسحورين بفكرة ” التقدم ” ، الايجابية الغربية، وكلهم كانوا يريدون ايقاظ الأمة من سباتها العميق (36).

بالنسبة للمتدينين من المثقفين- وكانوا الغالبية- كان العصر ” مشكلة ” لاحل . وبالنسبة لهم كان الاسلام شريعة ، نظمت حياة الأمة ونظامها السياسي في صيغة ثابتة منذ أيام النبي والى ان يرث الله الارض ومن عليها ” . هذا يوضح لماذا لم تنشأ دول قومية في الشرقين العربي والاسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية. لقد نشأت، دويلات طوائف، تحمي جميعها ” حياض الاسلام ”  بانتظار النهضة الجديدة والخلافة الشاملة القادمة . وفي مواجهة العصر اختارت بعض اجنحة السلفية هذه ان ترفضه كله لصالح الاسلام، بينما اختارت اجنحة اخرى طريق ” الحل ” بالماضي عن طريق السلفية المهدية او ما شابه . ” العصريون ” ، كانوا في الحقيقة منافقين. لقد تجاهلوا اساس المشكلة فلم يناقشوا ” الدوغما ” الاسلامية ولا واجهوها بل تبنوا العصر باسمها ولذلك ظل اثرهم محدودا وظلت محاولتهم في بداياتهم لأنها أغمضت عينيها عن المشكلة، ولم تحاول خلق اساس ايديولوجي جديد للأوضاع الطارئة الجديدة، هذا ما فعله جمال الدين ومحمد عبده ومصطفى كامل على مستويات مختلفة. الحل الاسلامي هذا لقي بعض الشعبية (رغم عدم جدواه) وهو الذي عزل الاتجاهات الراديكالية (كالاحزاب الشيوعية) التي بقيت اقليات ضئيلة بالمقارنة مع حركة كجماعة الاخوان المسلمين. لكن هذه ” الشعبية ” الطارئة ما لبثت ان تراجعت وبقيت الساحة خالية بعد ان انهزمت فيها السلفية ولم ينتصر اتجاه آخر (37) .

-5-

تدريجيآ وبغير خطة مسبقة بدأ عبد الناصر طريقه الخاص نحو الاشتراكية. لقد هجر النظام الديمقراطي البورجوازي الغربي، وانشأ ” هيئة التحرير” ثم الاتحاد القومي، ثم عمد الى تأميم البنوك المصرية بعد الاجنبية ، ثم الشركات الكبرى فالوسطى. وفي الوقت نفسه صدر دستور عام 1956، متضمنا مبادىء الثورة، وكان البدء بسد اسوان، والتخطيط لعشر سنوات من التنمية تضاعف الانتاج الاجتماعى المصري. لكن الأمور لم تسر كما أراد الرئيس في مجال بناء الاشتراكية الديمقراطية التعاونية . فقد تآمر التجار وملاك الاراضي عليه في سورية كما بدأ الشيوعيون يعملون ضده من العراق بعد سيطرة قاسم. وربما كان ذلك نافعا من ناحية اخرى، اذ تمكن الرئيس من فصل نفسه عن البورجوازيين الداخليين نهائيا بقوانينه الاشتراكية 1961-1962، كما بدأ بملاحقة الشيوعيين 959 ا-1963. لقد صارت ” الاشتراكية العربية” واضحة، فهي معادية للامبريالية في الخارج من اي جهة اتت ، وهي معادية للاستغلال في الداخل واداتها الداخلية ” الاتحاد الاشتراكي العربي ” . جاء الميثاق اذن ليعطي الاشتراكية الناشئة حدودها الايديولوجية . لكن القضية لم تنته عند هذا ، فالخطط الخمسية لم تحقق اهدافها، وشعبية ” الاشتراكية العربية ” لم تصل يوما الى حدود ” شعبية الرئيس “.

(1): ينطلق عبد الناصر من ، البديهية ، القائلة ان النظام السياسي ما هو الا انعكاس للخلفية الاقتصادية. وهذا يرتبط بفكرته عن الحرية فإن الحرية السياسية لا يمكن تحقيقها الا بتحقيق الحرية الاجتماعية عن طريق ازالة الاستغلال وتكافؤ الفرص، وهكذا فانه عندما يتحرر الفلاح المصري من كابوس ” لقمة العيش ” ويستطيع ان يقبل ويرفض ما يشاء ، عندها يمكن القول ان تحقيق الديمقراطية السياسية ممكن. ويمضى الرئيس عبد الناصر قدما ليرى ان تحقيق الديمقراطية الاجتماعية يمكن ان يتم بغير صراع طبقي . الطبقات موجودة والصراع الطبقي موجود ، لكن المشكلة يمكن ان تحل عن طريق اعادة كل طبقة الى حجمها الطبيعي ودعم ” الحل السلمي للتناقضات الطبقية”.

ولأن المجتمع المصري بحاجة الى بورجوازيته ” غير المستغلة ” بقدر ما هو بحاجة الى ” عماله ” وفلاحيه او اقل قليلا فإن البورجوازية او ” الرأسمالية الوطنية ”  يمكن ان تستمر في نطاق ” الاتحاد الاشتراكي العربي ” و ” مجلس الأمة ” ، لكن الاكثرية تبقى للفلاحين والعمال الذين يشكلون عدديآ ومن ناحية الانتاج الاجتماعي دعامة المجتمع الاولى (38).

(3)       ويرى الرئيس ان اشتراكيته لا يمكن ان تكون ماركسية . فهي تؤمن بالدين ، وهي لا تؤمن بديكتاتورية البروليتاريا ، وهي لا تريد سحق البورجوازية بل الرجعية ، وهي تؤمن بالملكية الخاصة التعاونية ، وهي ترى امكان حل الصراعات الطبقية بطريقة سلمية ، عبد الناصر لا يريد ان ينقل وينسخ عن الخارج ” بل ان يصل الى مبادىء نظرية عن طريق النضال الوطني الداخلي ” .

 ان النظريات الجاهزة ” محدودة ومحددة ” ولذلك فهو رفضها. لكن: ماذا يبقى من ” الاشتراكية ” بعد هذه الخلافات الأساسية مع الماركسية- اللينيية ؟. يبقى منها في نظر عبد الناصر : السعي لبناء مجتمع مستقل قوميا ، خال من الاستغلال في الداخل ، تعيش فيه فئات مختلفة وسط مساع حثيثة لتحقيق الرفاه والعدل ، وتكافؤ الفرص (39) . هل هو طريق خاص للاشتراكية ؟ أم هو استيراد لماركسية شعبية ؟

(3)       لا شك ان محاولة الرئيس عبد الناصر للخروج بمصر والعالم العربي من الماضي هي اكثر المحاولات جذرية. انها تنجح فيما فشلت فيه محاولات اخرى. قد زعم ان ” الحل الاشتراكى ” بالمعنى الاقتصادي للمسألة لن يحل الاشكالية الاقتصادية بمصر ، لكن ما حققه حتى الآن ايديولوجيا يكفي للاعتراف بثوريته واهميته بعد فشل كل الحلول الاخرى . لقد حل عبد الناصر الإشكالية التيولوجية ، فاستطاع ان يخلق منظومة جديدة للقيم يمكن ان يقبلها المسلم دونما احساس بالتناقض مع ماضيه (40) ، وهذه المنظومة تفتح له الطريق الى المستقبل . رأى عبد الناصر ان الدين لم ولن ينتهي ، لكنه رأى ايضأ ان الدين لا يتناقض مع  ” طريقه الخاص ” ؛ فالاسلام اشتراكي لا استغلالي . النبي اول من شرع التأميم. التفسير الرجعي للاسلام هو المشكلة . القضية اذن قضية الصراع مع المستغلين للدين ، من الرجعيين. أما “جوهر الدين ”  فهو مع القوى الجديدة التي تريد التقدم والبناء .

لقد نجح عبد الناصر في حل ” اشكالية القيم ” (41) في المجتمعات العربية متجاوزا بذلك بدايات الارثوذكسية الاصلاحية الاسلامية ، وهو بذلك مهد الطريق لمجتمع قومي علماني مستقبلي لم يستطع هو تحقيقه لكنه وضع الأساس النظري لذلك.

نجاحات ” الثورة الاجتماعية ” الناصرية ، لا يمكن ان تقارن بنجاحات ” الثورة السياسية ” الناصرية. لقد مرت مصر ومعها العالم الثالث في الخمسينات والستينات بظروف صعبة وقاسية اضطرتها الى تراجعات وتغييرات في السياسات الداخلية والخارجية اضرت بتطورها الذاتي. وفي الستينات وفي ظل ظروف الصراع مع اسرائيل ، وشراسة الكتلتين تراجعت السياسة الاجتماعية الناصرية رغم الوضوح النظري النسبي الذي وصلت اليه . وأتت زيادة السكان الهائلة تعرقل كل الجهود من اجل التنمية والتقدم. في العام 69-.197 عاشت مصر احسن اعوامها اقتصاديا لكن ذلك تحقق على حساب سمعة الرئيس السياسية. الرئيس الذي كان مضطرا الى لعب دور الوسط دائما في عالم لم يعد يسمح بذلك . بعد هزيمة 1967 وقع الرئيس تحت ضغط اكبر من الجانب السوفياتي في مقابل المساعدات الكبيرة التي احتاجها، واستطاعت الكتلتان ان تخلفا له متاعب كثيرة في مصر والعالم العربي ، وقد بدا لأول وهلة ان حساسيته الوطنية من كل اشكال التدخل الخارجي بدأت تضعف أمام ضرورات الموقف الراهن . ان ما لا ينبغى انكاره هو ان ذلك الرجل الصلب ظل مصرّا على الطريق الخاص لوطنه العربي، وللثورة الاجتماعية فيه. والآن بعد ان فقدته مصر ، مصر التي ” أخرجها من الماضي ” كيف سيبدو المستقبل ؟

الميثاق تحول الى كتاب مقرر في المدارس ، وأجهزة الاعلام تكاد تصم الاذان في الدعوة لبيان مارس والخطط الاقتصادية الجديدة . وشعبية الرئيس حتى قبل وفاتة بشهور لم تضعف، والاستثمارات احسن من السابق ، لكن ما سعى اليه الرئيس بوعي منذ العام 1962 على الاقل لم يتحقق. مصر القوية المزدهرة العصرية والمستقلة ما تزال هدفا بعيد المنال . ما هو السبب في ذلك؟

لقد خرجت مصر من الماضى ، وخرج معها عالم عربي نام له من أسباب القوة ما لا يمكن انكاره . لكن لمصر خاصية ليست لمجتمعات الوطن العربي الاخرى. فبسبب اعتمادها على مجرى مائي واحد ، واحتياجها الى نظام ري معقد قامت فيها منذ القديم مركزية قوية اداتها بيروقراطية متجذرة . هذه البيروقراطية تفتقر كما هي طبيعتها الى الدينامية والفاعلية الخلاقة، هذا وان تكن تحقق استمرارية ايجابية. ان مستقبل الناصرية في الوطن العربي يتوقف على مدى قدرتها على مواجهة البيروقراطية ، وكسب الجماهير الشعبية الى جانبها في خطواتها التالية التي لا يمكن ان تتم بدون الشعب : الثورة الاجتماعية التى تحقق المجتمع غير المستغل والذي تسود فيه الكفاية والعدل ، وبعبارة اخرى : المجتمع الذي اراده عبد ا لناصر 

……………………………………….

هوامش

(1) قارن بأنور عبد الملك : مصر : مجتمع يبنيه العسكريون ( الترجمة الألمانية / 1974 ) ص 12 وما بعدها .

(2) فلسفة الثورة ص11

(3) خطاب عبد الناصر في أول مايو 1970

(4) فلسفة الثورة ص 9 

(5) عام 1948 اغتال فدائيون من الاخوان المسلمين رئيس الوزراء آنذاك محمود فهمي النقراشي . وقد اعتدى الاخوان على عدد من الوزراء . ونجا جمال عبد الناصر من طلقات أحدهم النارية في 26 اكتوبر ( تشرين الأول بأعجوبة . قارن عن ” سياسات الاخوان المسلمين ” وأثرها في الشارع السياسي ؛ ميتشل : الاخوان المسلمون (1960 ) .

(6) فلسفة الثورة 23

(7) عن الخلفية الاجتماعية للضباط الاحرار ، قارن : مصر مجتمع يبنيه العسكريون .

(8) فلسفة الثورة 25

(9) قارن عن خلفيات الضباط السياسية : مصر مجتمع يبنيه العسكريون .

(10) كولومب : مصر الحديثة ؛ ص 14 .

(11) كريستوفر : عصر عبد الناصر : ص 38 – 42 .

(12) كولومب : مصر الحديثة ص 63 .

(13) الميثاق 28

(14) كريستوفر : المصدر السابق ، ص 18 – 19 .

(15)  كان انقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949 هو المثل الذي اتبعه عبد الناصر فيما بعد ، قارن عن أسباب الانقلاب ونتائجه : باتريك سيل : الصراع على سورية ( الترجمة العربية ) ص 18 – 21 .

(16) فلسفة الثورة 10

(17) فلسفة الثورة

(18) فلسفة الثورة 43

(19) قارن بكرانجيا : البحث عن الكرامة : ص 18

(20) فلسفة الثورة 21 ، الميثاق وبعض خطب الرئيس

(21) الترجمة العربية : ص 12- 21 .

(22) فلسفة الثورة 26 وما بعدها

(23) فلسفة الثورة ص 22

(24) الميثاق ص 11

(25) فلسفة الثورة 18- 30

(26) فلسفة الثورة 17 ، 19 ، 24 ، 36 . وكلمة محمد نجيب في الاذاعة صباح 23 يوليو 1952 ، الميثاق الوطني 31 وما بعدها ، كلمة الرئيس عبد الناصر في 31/12/1952 .

(27) ص 13 – 14

(28) قارن بفلسفة الثورة 37

(29) ظهرت هذه الأهداف في دستور العام 1956 ، لكن عبد الناصر ذكرها قبل ذلك مراراً

(30) قارن بكوبلاند : الفصلين الخامس والسادس مع بعض التحفظات .

(31) كلمة عبد الناصر في مايو ( أيار ) 1955 .

(32) قارن بأنور عبد الملك ص 238 وما بعدها .

(33) كوبلاند ص 100

(34) قارن عن السياسات الاقتصادية المصرية وبناء النظام المصري : عبد الملك ص 167 وما بعدها .

(35) فلسفة الثورة 35

(36) عن الاشكالية الايديولوجية في الشرق العربي والاسلامي قارن : حوراني الفكر العربي في عصر النهضة (1962 ) .

(37) قارن على سبيل المثال بالرد على الدهريين لجمال الدين ( باريس بالفرنسية 1942 ) . الاسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق ( القاهرة 1922 ) .

(38) قارن بالميثاق ص 29

(39) الميثاق ص 43 ، وبيان مارس ص 4 .

(40) الميثاق ص 32

(41) كريستوفر : مصدر سابق ، ص 48 . 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s