فلسطين في حياة جمال عبد الناصر

فلسطين في حياة جمال عبد الناصر

عبد الله الحوراني

مقـدمــة

جمال عبد الناصر، الشاب والضابط الثائر المقاتل والزعيم السياسي المفكر، قائد ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، لم يكن فقط مجرد رئيس بين الرؤساء , وقائد مصري عربي عالمي بين القادة، الذين ساقتهم الأقدار إلي الانغماس في معارك تحررية وتنموية جبارة في دنيا العرب عموماً وفي غمرة الصراع ضد قوى الاستعمار والصهيونية بخاصة .. بل كان ظاهرة متفردة .. نسيجاً وحده .. من قماشة قيادية كارزمية صنعها التاريخ وساهمت في صنع التاريخ .

يذكر عبد الناصر بين يدي قضايا التحرر والاستقلال العربي ومناجزة الاستعمار بأحلافه والصهيونية بكيانها السياسي إسرائيل. يذكر بصفته من أولئك الزعماء القلائل الذين ما افتقدوا الرؤية الصحيحة لمسار التاريخ ولم تلههم معركة عن أخرى ولا ضلت خطواتهم وبوصلتهم رغم كثرة الأعداء وشدة بأسهم .

خاض عبد الناصر في أكثر من مفازة وأقلع في بحار لجية .. كان يقاتل في فلسطين وعينه على مصر ودورها في عالمها العربي. وكان يدافع عن تحرر مصر وإجلاء المستعمر البريطاني عنها وخاطره في فلسطين. كان يدرك أن أصل الداء في مصر وفلسطين وأمة العرب واحد، وهو التحالف الاستعماري الذي استزرع إسرائيل في فلسطين لتفصل مشرق العرب عن مغربهم وتتربص بمصر، قلب المشرق والمغرب. كان يدرك أن أصل الداء واحد وكان يدرك أن الدواء واحد أيضاً : وحدة النضال العربي في مصر وفلسطين ومشرق العرب ومغربهم .

وعلى كثرة نضالاته وشواغله داخل مصر وخارجها ولاسيما في مواجهة التحالف الاستعماري الصهيوني (الإسرائيلي)، ما كان عبد الناصر شعاراتيا محلقاً في فضاء من الكلمات والخطب الرنانة. كان رجل تكتيك وإستراتيجية .. يعرف عالمه جيداً ويعي حجم قدراته وموازين القوى مع الأعداء، ويعمل في ظلال أولويات يحددها بدقة ويتفييء بالقانون والشرائع الدولية حتى وإن لم يراها تحقق العدل الذي يروم . كان يبحث عن التسوية المشرّفة، فيما يعد العدة لاستئناف القتال. وكان يبني جبهته الداخلية دون أن يلهه ذلك عن الجبهة الخارجية .. يهتم بتجميع أسباب القوى داخل مصر وداخل عالمها العربي، ولا يتجاهل تأليف قلوب المحالفين والأصدقاء في طول العالم وعرضه.

بدأ عبد الناصر أول معاركه في فلسطين، وأنهى حياته بمعركة سياسية يدافع فيها عن دماء الفلسطينيين ووحدة الجبهة العربية حول فلسطين .

في هذا الجهد نحاول تفصيل هذه التعميمات، لنفي عبد الناصر بعض حقه على فلسطين..التي كان لها النصيب الأوفر من حياته، شاباً ثائراً وضابطاً مقاتلاً وزعيماً مبرزاً ثم شهيداً طيب الأثر خالد الذكر.

رؤيـة عـبد النـاصـر للصـراع العـربي الصهيـوني وقضيـة فلســطين

كي نقدر حجم وضوح الرؤية وجلائها لدى جمال عبد الناصر تجاه طبيعة الصراع العربي الصهيوني، لابد من التدبر في الحيثيات التاريخية لمولد هذا الصراع وتبلوره. وفي هذا الإطار يصبح من الضروري تفهم موقع هذا الصراع من المواجهة التاريخية الأشمل بين الاستعمار الغربي ونوازعه الاستغلالية وبين الأمة العربية وامتدادها وإشعاعها الحضاري الإسلامي الأوسع.

ربما لم يحدث عموماً أن ربط زعيم عربي قبل عبد الناصر بين المشروع الاستعماري الغربي وبين بروز الصراع العربي الصهيوني ونشوء إسرائيل مثلما فعل عبد الناصر. وعندما نستعرض الأدبيات الخاصة بحركة الاستعمار وعصر التحرير في العالم العربي، نجد إننا مع عبد الناصر بصدد زعيم امتلك زمام هذه الأدبيات وتفهمها تماماً وتأثر بها في سلوكه السياسي قدر تأثيرها على فكره ورؤيته للعالم من حوله.

فلنتابع أولاً مقاربة الأدبيات الموثوقة لطبيعة المشروع الاستعماري الغربي وأطرافه وأهدافه في المنطقة العربية .. ثم لنتأمل تالياً رؤية عبد الناصر للعلاقة بين المشروعين الاستعماري الأم والصهيوني التابع .. لنرى كيف تمكن عبد الناصر من التحليل الدقيق لهذه العلاقة، حتى ليمكن اعتباره ضمن منظريها الكبار.

تقول الأدبيات أن القوى الاستعمارية والإمبريالية الغربية، ممثلة أولاً بفرنسا وبريطانيا ثم بالولايات المتحدة الأمريكية توافقت على مجموعة من الأهداف والمصالح في المنطقة العربية ومنها بلا حصر..

* تفكيك الجغرافيا السياسية للوطن العربي وإقامة الدول القطرية.

* منع قيام الوحدة العربية بمختلف معانيها.

* التعامل مع المنطقة العربية بما يضمن الاتصال بين أجزاء المستعمرات الغربية في أسيا وأفريقيا.

* التواصل مع الأقليات الدينية والمذهبية الطائفية والقومية وتشجيع الميول الانفصالية لديها.

* السيطرة على الثروة النفطية العربية ودوام تدفقها إلى عالم الغرب بأسعار بخسة.

* الحيلولة دون تطور البلدان العربية وتنميتها علمياً وتقنياً.

* إشغال العالم العربي وإنهاكه بقوة عدوانية توسعية وتوظيف ذلك لدفع بعض الأقطار العربية للاحتماء بالغرب مما يعزز وجوده في المنطقة.

لقد جرى التوافق على هذه المصالح بشكل أو بآخر منذ مستهل القرن التاسع عشر ونما بمرور الوقت. وفي مرحلة الحرب الباردة التي استعرت بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أضيف إلى هذه المصالح والأهداف ضرورة منع وقوع المنطقة العربية في فلك المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، ومطاردة التيارات الشيوعية وتشجيع النظم والتيارات الرأسمالية. وقد تصاعد في هذه المرحلة ـ كهدف استراتيجي للتحالف الغربي الصهيوني ـ الحفاظ على وجود الدولة الصهيونية، بصفتها إحدى التعبيرات الإستراتيجية، وقاعدة متقدمة للتحالف في وجه كل من النفوذ السوفيتي من جهة، وكافة الطموحات العربية المناهضة للهيمنة الغربية، وذراعاً لمحاربة النظام العربي القومي، وحركة التحرر القومي العربية التي شهدت نهوضاً أقلق الوجود الاستعماري الغربي والكيان الصهيوني ومصالحهما في المنطقة خلال عقدي الخمسينات والستينات، وظلت محاربة المشروع العربي النهضوي، والتآمر عليه، وضربه هدفاً دائما للتحالف الغربي الصهيوني، تمثل في ملاحقة التطلعات القومية لمصر في عهد عبد الناصر حتى تم ضربها، كما تم لاحقاً ضرب المشروع نفسه الذي حمله العراق وحاول النهوض به بقيادة صدام حسين.

والواقع أن تلمس القوى الاستعمارية الغربية لسبل إنشاء كيان غريب واستزراعه في قلب المنطقة، ظل من ثوابت سياسات هذه القوى في مختلف المراحل، قبل الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وبعدهما، كما ظل التفكير في الاعتماد على العنصر اليهودي الصهيوني لإقامة هذا الكيان ضمن هذه الثوابت أيضاً.

جاء في كتاب “الهند وفلسطين” لتوماس كلارك المطبوع في منشستر عام 1961 ما يلي: “إن بعث الأمة اليهودية سوف يعود علينا بأفضل المنافع .. ومن المؤكد أن احتلال اليهود لفلسطين تحت حماية بريطانيا يجب أن يكون بمثابة ضرورة .. فإذا كانت بريطانيا تعتمد على تجارتها كحجر زاوية في عظمتها، وإذا كان أقرب مجرى للتجارة وأفضله يمر عبر محور القارات الثلاثة الكبرى، وبما أن اليهود يعتبرون شعباً تجارياً في الجوهر .. فهل هناك بادرة أكثر طبيعية ومنطقية من زرعهم على طول ذلك الطريق العظيم للتجارة القديمة ؟!”.

وبعد زهاء نصف قرن تقريباً لم يفقد هذا التحليل جاذبيته وظهرت دلائل على أنه أصبح أكثر مقبولية وتجذرا في العقيدة السياسية الدولية لـ “بريطانيا العظمي” رأس القوى الاستعمارية الغربية في ذلك الحين. نفهم ذلك مثلاً من تعميم الأفكار التي طرحها كلارك في المؤتمر الشهير بمؤتمر كامبل بنرمان عام 1907. وكان حزب المحافظين البريطانيين قد دعى لجنة من كبار علماء التاريخ والاجتماع والزراعة والبترول والجغرافيا والاقتصاد تمثل كل الإمبراطوريات الاستعمارية القائمة وقتذاك اجتمعت بين عامي 1905 و1907 .

استعرض التقرير الصادر عن المؤتمر أسباب زوال الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة في التاريخ، وقارن بين تلك الإمبراطوريات وبين ما يحتمل حدوثه للدول المشاركة في المؤتمر، فرأى أن الأخطار التي كانت سبباً في زوال تلك الإمبراطوريات يمكن أن تكون، كذلك، سبباً في زوال استعمار تلك الدول.

كما رأى “أن الخطر ضد الاستعمار في آسيا وإفريقيا ضئيل، ولكن الخطر الضخم يكمن في البحر المتوسط، وهذا البحر هو همزة الوصل بين الغرب والشرق، وحوضه مهد الأديان والحضارات، ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية، بوجه خاص، شعب واحد تتوافر له وحدة التاريخ والدين واللسان، وكل مقومات التجمع والترابط. هذا فضلا عن نزعاته الثورية وثرواته الطبيعية”.

وأسهب التقرير في تحليل أوضاع الوطن العربي فرأى أن كل أسباب القوّة والتحرّر والنهوض متوافرة له نتيجة “لنزعاته التحرّرية وثرواته الطبيعية وموارده البشرية المتزايدة”. وقدَّر التقرير عدد سكان الوطن العربي في ذلك الحين بـ 35 مليون نسمة، وأن هذا العدد سوف يصل، بعد قرن من الزمن، إلى مائة مليون نسمة. (وقد أخطأ التقرير في تقديره هذا إذ وصل عدد سكان الوطن العربي بعد أقل من قرن إلى ما يقرب من ثلاثمائة مليون نسمة أو أكثر).

بعد كل ما تقدم، طرح التقرير التساؤلات التالية:

1. كيف يمكن أن يكون وضع هذه المنطقة إذا توحَّدت، فعلاً، آمال شعبها وأهدافه، وإذا اتجهت هذه القوة في اتجاه واحد؟.

2. ماذا لو دخلت الوسائل الفنية الحديثة ومكتسبات الثورة الصناعية الأوروبية إلى هذه المنطقة؟.

3. ماذا لو انتشر التعليم وعممت الثقافة في أوساط هذا الشعب؟.

4. ماذا سيكون إذا تحررت هذه المنطقة واستغلت ثرواتها الطبيعية من قبل أهلها؟.

وأجاب التقرير ، نفسه، على هذه التساؤلات، بكلام جازم:

“عند ذاك، ستحل الضربة القاضية حتما بالإمبراطوريات الاستعمارية، وعندها ستتبخر أحلام الاستعمار بالخلود، فتتقطع أوصاله، ثم يضمحل وينهار كما انهارت إمبراطوريات الرومان والإغريق”.

وقد عالج التقرير، في نهايته، هذه الأخطار، وقرر، بصددها، ما يلي:

1-     على الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على استمرار تجزئة هذه المنطقة وتأخرها، وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخر وجهل.

2-      ضرورة العمل على فصل الجزء الإفريقي في هذه المنطقة عن الجزء الأسيوي.

وتقترح اللجنة لذلك إقامة حاجز بشري، قوي وغريب، يحتل الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معاً بالبحر الأبيض المتوسط، بحيث يشكل، في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار، وعدوة لسكان المنطقة.

وقد وضعت اللجنة هذا التقرير وأودعته وزارة الخارجية البريطانية، بعد أن أوصت بزرع “إسرائيل” في قلب الوطن العربي “كحاجز بشري، قوي وغريب” … وكقوة “صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة”، تفصل بين جناحي الوطن العربي المتمثلين بمشرقه ومغربه، كما أوصت باستمرار “تجزئة هذه المنطقة … وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخر وجهل”. ثم عهدت إلى بريطانيا بتنفيذه، فنفذته بحذافيره، حيث حققت، بالاشتراك مع فرنسا، اتفاقية “سايكس ـ بيكو” التي أدت إلى تجزئة المشرق العربي، وأطلقت وعد بلفور، وأقامت الوطن القومي لليهود في فلسطين على حساب أهلها من العرب بعد أن شرَّدتهم من ديارهم، فكان هذا المؤتمر الاستعماري هو المحطة الأولى والأساسية في مراحل أغرب مؤامرة وأطول مؤامرة في التاريخ، وهي “مؤامرة الغرب على العرب”.

من المعروف أن هناك من يشكك في انعقاد هذا المؤتمر ومقترحاته، غير أن ثمة قرائن سابقة ولاحقة على رواية المؤتمر توجب الاعتقاد في صحة هذه الرواية. فقد كانت الحركة الصهيونية قد بلورت مشروعها وطرحته على الملأ منذ مؤتمرها الأول في مدينة بال بسويسرا عام 1897، وراحت تبحث عن قوة دولية تتبناه. كما أن الوقائع التالية للمؤتمر ومفهومه تنسجم بشدة مع المقترحات الواردة في وثيقة بانرمان، وأهمها الاستقرار على فلسطين كمنطقة مرشحة لاستقبال المشروع الصهيوني الاستيطاني بسبب موقعها الجغرافي المتميز بالنسبة لفاعلية تلك المقترحات.

من دلائل هذا التقدير، المذكرة التي رفعها هربرت صموئيل إلى الحكومة البريطانية في فبراير 1915 بشأن وضع فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى. وهذا الرجل هو من وقع عليه الاختيار ليكون أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين غداة احتلالها في نهاية تلك الحرب. وقد ورد في المذكرة .. أن مستقبل فلسطين يراوح بين عدد من البدائل كالضم إلى فرنسا أو أن تترك بيد تركيا أو يجري تدويلها .. لكن صموئيل بعد أن يستعرض هذه البدائل بحسناتها وسيئاتها بالنسبة لمصالح بلاده بريطانيا، ينتهي إلى ترجيح احتمال تحويل فلسطين إلى محمية بريطانية، يتم التواطؤ البريطاني على تكوين أكثرية يهودية فيها. وهنا لم يتحدث صموئيل عن خيار الحكم الذاتي للفلسطينيين ولا عن حقهم في تقرير المصير أو تحريرهم. كان هذا كله مستبعداً من تفكيره بعقليته الاستعمارية؟؟.

ولكن ما الفائدة التي ستعود على بريطانيا من مقترحه بإغراق فلسطين باليهود تحت حمايتها؟. قال صموئيل في مذكرته: “إن الإمبراطورية البريطانية باتساعها وازدهارها الحاضر ليس لديها بعد ما تضيفه لعظمتها .. لكن فلسطين على صغر مساحتها تبدو ضخمة في مخيلة العالم حتى أن كل إمبراطورية مهما كانت عظيمة قد ترفع من مكانتها ومركزها بامتلاكها لها. إن ضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية سيزيد من لمعان التاج البريطاني، ويشكل قوة لشعب المملكة المتحدة إذا ظهر كوسيلة معلنة لمساعدة اليهود على احتلال البلاد من جديد ..”.

ولا يتجاهل صموئيل فوائد احتلال فلسطين للدفاع عن سلامة مصر تحت الاحتلال البريطاني .. فيذهب إلى أنه: “إذا كانت المصاعب السياسية تحول دون الاستيلاء على الإسكندرون فيجدر بنا الالتفات إلى حيفا لعلها تفي بالمطلوب. كما أن الدفاع عن حدود مشتركة مع جارة أوروبية في لبنان (يقصد فرنسا على الأرجح) هي مخاطرة أقل بالمصالح البريطانية من الحدود المشتركة عند العريش..” وبالمناسبة، تكررت هذه المعاني الإستراتيجية للعلاقة بين أمن الاحتلال البريطاني في مصر وإقامة المشروع الصهيوني وتبنيه بريطانياً في معظم أفكار المنظرين الاستعماريين البريطانيين.

فقد كتب هربرت سايدبوثام في نوفمبر 1915 بصحيفة المنشستر جارديان ما معناه “إن احتلال فلسطين وإقامة كيان يهودي متحالف مع بريطانيا يمثل معقلاً نموذجياً لوقاية الوجود البريطاني في مصر..”.

في كل حال تبدو المصالح المادية الاستغلالية لتكوين المشروع الصهيوني في فلسطين مسألة غير قابلة للنقاش، بسبب وضوحها في الخطاب الاستعماري الغربي. ففلسطين تعد همزة وصل بين المستعمرات البريطانية في الشرق الأوسط وجنوب أسيا ولاسيما في الهند بمنظور الحقبة الاستعمارية. كما أن السيطرة على فلسطين تضمن فصم مشرق العالم العربي عن مغربه وتتيح فرصاً لوجستية أوسع لممارسة حملات تأديبية وقمعية ضد من تسول له نفسه عربياً للاضطلاع بمقاومة المصالح النفطية والتجارية الغربية .. غير أنه إلى جوار هذه المصالح والأسس المادية التي تفرض المؤازرة الغربية للمشروع الصهيوني، وكيانه السياسي إسرائيل، هناك أبعاد مصلحية غير مادية وغير منظورة تفرض الأمر ذاته. أبعاد لم يلتفت إليها الكثيرون من أنصار نظرية التحليل المادي لصيرورة الصراع الصهيوني العربي في فلسطين وجوارها .. مع أنها تمثل الجانب الأرسخ الذي يمكنه أن يعيش بلا سقف تاريخي محدد، لأنه يصل التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني بجذور ثقافية دينية روحية يصعب تغييرها بالوتيرة التي يمكن أن تتغير بها المصالح المادية المنظورة. وأساس هذه الأبعاد الثقافية الدينية هو إيمان جماعات قوية في المنظومة الأوروبية الأمريكية بثلاثة أفكار تدفع الغرب لمساندة الحركة الصهيونية وإسرائيل.

الفكرة الأولى:

إن الصهيونية نتاج الفكر الحضاري الغربي، وأن الحضارة الغربية لها شقان: مسيحي ويهودي. فبعض الكنائس المسيحية البروتستانتية ذات الصلة بالعقيدة الألفية والفكر الاسترجاعي تتخذ موقف التأييد من قيام دولة يهودية في فلسطين بوصفها حقاً تاريخياً ودينياً لليهود، باعتبار أن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة (فلسطين تحديداً) هي برهان على صدق التوراة وعلى اكتمال الزمان والعودة الثانية للسيد المسيح.

وترتبط العقيدة الألفية بدعوة “الاسترجاع” أي إرجاع اليهود إلى فلسطين، ويركز الألفيون والاسترجاعيون على أن إسرائيل وشعبها “المختار” هم طبقاً للعهد القديم، عنصر مقدس يجب الدفاع عنه، ويعتبرون أن إسرائيل الواردة في التوراة هي إسرائيل المعاصرة في فلسطين، وغالباً ما يطلق على هذه الاتجاهات الدينية مصطلح “الصهيونية المسيحية” وعلى معتنقيها “الصهيونيين غير اليهود”.

ويعتبر “الإنجيليون” أبرز الطوائف المسيحية تبنياً لهذه الأفكار، وهم كما هو معروف، منتشرون بكثرة في الغرب، حتى أن عددهم في الولايات المتحدة الأمريكية يتجاوز الأربعين مليوناً.

كما يلاحظ أن تبني المشروع الصهيوني من جانب بريطانيا تحديداً، إبان صدارتها في النظام الدولي عشية الحرب العالمية الأولى وغداتها، لم يكن مجرد استجابة للطموحات الاستعمارية في المشرق العربي، بل أنه مثل في أحد وجوهه الهامة، منهجاً منسجماً مع ما ترسخ في الثقافة الإنجليزية من تأثر بالأفكار التوراتية، قبل صدور وعد بلفور بوقت طويل، حتى أن المؤرخة اليهودية “بربارة توشمان”، تؤكد أنه بدون التراث التوراتي الذي تغلغل في الفكر والأدب والتعليم والطقوس الدينية الإنجليزية، كان من المشكوك فيه أن يصدر وعد بلفور عام 1917، أو يتم الانتداب البريطاني على فلسطين بعد ذلك بوقت قصير، وذلك رغم العوامل الإستراتيجية التي برزت على المسرح فيما بعد.

وقد أضحى معلوماً الآن، أن التأثيرات الفكرية الصهيونية غير اليهودية، بكل أطيافها كانت منتشرة في معظم دول أوروبا والولايات المتحدة، وإنها قد وجدت صداها في مواقف قادة وزعماء سياسيين وتجار ومفكرين وأدباء ورجال اللاهوت، الأمر الذي فعل فعله في المراحل التحضيرية لإنشاء الكيان الصهيوني، ومازال صداه يتردد في الخطاب الثقافي والسياسي الغربي تجاه هذا الكيان حتى الوقت الحاضر، فقائمة “الألفيين” المؤثرين في صناعة القرار في الغرب، ضمت بين جنباتها أسماء معاصرة على قدر عظيم من الأهمية (مثل الرئيسين الأمريكيين السابقين كارتر وريغان ..).

إن هذه الهالة المقدسة التي تضفي على الوجود الإسرائيلي، تفرض على أصحاب هذه المعتقدات أن يدافعوا عن هذا الوجود، ومما لا يخلو من مضامين في هذا الصدد، ما يؤثر عن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من أنه قال في إحدى المناسبات “آمنت بدعم إسرائيل منذ عرفت أول شيء عن قضيتها، وربما كان لنشأتي الدينية علاقة بذلك. لقد ذكر لي قسيس بأنه يأمل أن أرشح نفسي في الانتخابات الرئاسية، وأنني إذا خذلت إسرائيل فإن الله لن يسامحني أبداً”.

الفكرة الثانية :

أن الصهيونية بنزعتها الاستيطانية تمثل إحدى حركات الاستيطان الغربي في عوالم الآخرين، كالأمريكيتين، وجنوب أفريقيا، ونيوزيلندا، والجزائر، وبالطبع فلسطين، فلابد من نصرتها في كل الأحوال. وهذه الحقيقة تؤكد أن تجربة الاستيطان الصهيوني قد زرعت في رحم الفكر الاستيطاني الغربي، وولدت، ثم نمت وأينعت في أحضان نماذجه التطبيقية، وأن دروب الصلة بين حركة الاستيطان الأوربي والاستيطان الصهيوني في فلسطين متعددة، بحيث لا يسهل الخوض في احتمال الفصم بين المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي، وبين أصله الأوربي، وشبيهه في جنوب أفريقيا.

فمن ناحية، يمثل الاستيطان الصهيوني بالنسبة إلي الغرب وحضارته، أحد نماذج هجرة الأقليات الأوربية للبحث عن عالم جديد (البيوريتانز من بريطانيا، الهوجونوت والكالفانيين من فرنسا، اليهود من أوربا عموماً…) وقد تمت أول هجرة استيطانية يهودية خارج أوربا صوب الولايات المتحدة، وذلك حين اصطحب “كولومبوس” في رحلته الاستكشافية، خمسة من اليهود وبصفة عامة لم تنفصل الحركة الاستيطانية اليهودية عن الحركة الأوربية الأم منذ البداية، وهذا يدخل في تفسير التعاطف الغربي مع المجتمع اليهودي في فلسطين.

ومن ناحية ثانية، فإن علاقة المجتمع الصهيوني بأوربا قد تحددت في ضوء الصلة بين المجتمع الاستيطاني وبين بلدان المنشأ أو الأصل، حيث تظل بلدان الأصل علي تواصل عاطفي مع المجتمع المهاجر في موطنه الجديد.

ومن ناحية ثالثة، يمكن القول أن علاقة المجتمع الصهيوني في فلسطين بالولايات المتحدة، تقوم في أحد مداخلها علي استشعار الأمريكيين وتأثرهم بالتجربة الاستيطانية المشتركة، كذلك يتغذى التعاطف الأمريكي من فكرة أن كلا من المجتمع الأمريكي والمجتمع الإسرائيلي هو مجتمع أقليات مهاجرة، وأن كلا منهما يسعي لصهر هذه الأقليات في بوتقة لبلورة مجتمع جديد يافع. ومن هنا لا يستهجن معظم الأمريكيين الممارسات الإسرائيلية، ولا يرون أن ما يحدث في فلسطين أمر غير طبيعي.

ومما يتصل بالجوانب السابقة، أن بين أبناء المجتمعات الغربية من هم قادرون علي فهم تجربة إسرائيل من حيث نشأتها، ومكانتها بالنسبة إلي محيطها الإقليمي في إطار نظرتهم إلي دور الرجل الأبيض ورسالته التاريخية في تمدين الآخرين، فإسرائيل عندهم، تجسيد حي للفلسفة التي تمجد الحضارة الغربية، والتخلي عنها يعني هدم ما بناه هذا الرجل في “الشرق الأوسط المتخلف”. وبالنسبة إلي الثقافة الأمريكية، فإن إسرائيل- ورجلها المهاجر الأبيض- نجحت في إنجاز ما قام به الرواد في أمريكا، حين أحالوا البراري القاحلة إلي جنات وارفة. وهنا تكون إسرائيل عامل حضارة ومدنية في إقليم لا يعترف بالجميل. وذات حين أثار الرئيس الأمريكي الأسبق “كارتر” هذا المفهوم حين قال: “لقد أقام رواد وأقوام تجمعوا من كلا الشعبين من دول شتي الولايات المتحدة وإسرائيل. فشعبي كذلك أمة مهاجرين، كما أننا نتقاسم معا ميراث التوراة”.

إن نظرة لها مثل هذا الإيغال في تضاعيف العقل الغربي، تجعل من إسرائيل دون شك جزءا من الميراث الحضاري الغربي. وهي نظرة لا علاقة لها بتغير النظام الدولي، فإسرائيل، بكلمات أخرى، تبدو كممثل دائم للغرب وحضارته في هذه المنطقة، وليس في الأفق حتى الآن ما يوحي بتغيير رؤية الغرب لنفسه أو إيمانه بسطوته الممتدة في كل مكان، وبخاصة في ضوء يبشر به جانب من الفكر الغربي بالنسبة إلي زوال كل منافسة للحضارة الغربية وقيمها علي نطاق عالمي.

الفكرة الثالثة:

تنجم عن عوامل الانحياز الحضاري والإعجاب السياسي في الغرب بالفكر الصهيوني والنظام الإسرائيلي. أن جوهر هذه الدوافع الداعية إلي دعم إسرائيل، في الغرب، هو الجزم بأن إسرائيل هي، من حيث بنيتها وممارستها السياسية، لا تعدو كونها مثالاً حياً في “الشرق الأوسط” للبنى والممارسات السياسية الغربية، ليس هذا فحسب، بل أن هناك مركبا فكرياً ينساب في الوعاء اللاشعوري للرأي العام الغربي علي مستوى خاصة الناس وعامتهم: بأن إسرائيل هي في كل جوانب حياتها القيمية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا تخرج، بحال، عن الجوانب الغربية المثيلة، سواء من حيث الفكر أو الحركة. فاليهودي الذي يعيش في إسرائيل الآن، عاش مطولا بين الغربيين، واستقي منهم مُثلُه وتقاليده على كل الصعد عبر قرون ممتدة، وينظر الغربيون حولهم فيجدون ما يؤكد هذا المركب الفكري، ذلك أن مظاهر الصلة الإسرائيلية بهم مازالت حية متواترة بينهم، ويمكن التأكد منها، بمجرد إلقاء نظرة علي المؤسسات المالية والبنوك والأنشطة الاقتصادية والإعلامية، ومختلف مناحي الحياة المؤثرة.

إن الغرب لا ينظر في أعماقه إلي إسرائيل باعتبارها مجرد “دولة شرق أوسطية” تسعى إلي سلوك الطريق الغربي والفلسفة الغربية في الحياة والاقتداء بهما، كما هو شأن دول أصلية كثيرة في المنطقة، لكنه يتقيد بكونها جزءا منه، يحمل جيناته الوراثية – إذا صح التعبير- في كل شيء، إسرائيل عند الغرب، دولة شرق أوسطية بالمفهوم الجغرافي والاستراتيجي فقط، بينما هي من حيث الفكر والسلوك دولة غربية صرفة. ولذلك، ما علي مجتمعات الشرق الأوسط، ولاسيما العربية منها، إلا أن تحذو حذو إسرائيل وتستهدي بنظمها الاقتصادية والسياسية وتقدمها التقني، إذا أرادت الاقتداء بالغرب.

كذلك فان مما يلقى إعجابا واهتماماً في أوروبا، ويصل إلي حد الانبهار في الولايات المتحدة، صورة إسرائيل “الدولة الديمقراطية الصغيرة المثابرة” وفي هذا الشأن فإن إسرائيل القوية المنتصرة في “الشرق الأوسط” تؤدي ـ حسب تصور الغرب ـ مهمة جليلة للعالم الحر، في هذه المنطقة ذات القوى الاستبدادية والنظم الديكتاتورية الممثلة للشخصية الشرقية.

ومن جانبهم، لا ينكر الإسرائيليون معرفتهم بهذه المنطلقات، ويسعون إلى تعضيدها. وقد أشار بن جوريون إلي ذلك حين ذكر: “أن إسرائيل جزء من الشرق الأوسط من حيث العامل الجغرافي فقط”. ورغم أن الوقت تكفل بإظهار الكثير من سوءات النظام الإسرائيلي علي صعد مختلفة، ككذب الادعاء بديمقراطية الحياة السياسية على الأقل تجاه الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وكبر حجم المشكلات الهيكلية الاقتصادية وعنصرية القيم الصهيونية…، رغم ذلك، فان الغرب مازال ينظر إلي إسرائيل بحكم الاعتقاد بانتمائها إليه، على أنها الراعي الوحيد الذي يمكن الوثوق به لحراسة مثله في “الشرق الأوسط”.

في ضوء هذه المنظومة من الدوافع التاريخية الدينية الثقافية، التي تؤطر العلاقة الغربية ـ الإسرائيلية، وتتغلغل في تضاعيفها، تبدو مسألة استمرار الرعاية الغربية لإسرائيل عبر أفق زمني يصعب تحديده، قضية بديهية. فمن الثابت، أن الاستعصاء على تفكيك وعدم المرونة أو القابلية للتغير، هي سمات لصيقة بطبيعة هذه الدوافع، على الأقل مقارنة بما قد يعتري الروابط ذات الطبيعة المصلحية المادية البحتة، وإذا صح الوصف، أمكن القول أن المحدد التاريخي الثقافي الذي ينظم الصلة الغربية ـ الإسرائيلية، وهو محدد عابر للنظم الدولية والإقليمية، مهما كان مخرجها النهائي، لن يقود إلى عزوف الغرب عن مساعدة إسرائيل على تبوء مكانة الصدارة في محيط وجودها. لاسيما، أن شعور الغرب بالانتصار النهائي في الصراع الأيديولوجي على نطاق عالمي، قد يقترن على الأرجح، بالشعور بإمكانية تحقيق النموذج الإسرائيلي ـ المتفرع بتاريخه عضوياً وقيمياً عن الغرب ـ لانتصار نهائي رديف في هذه المنطقة من العالم، وتجدر الإشارة إلي أن إسرائيل كانت قد حددت خياراتها منذ ما قبل الحرب الباردة وأثناءها، فحرصت على إبقاء محيطها الإقليمي (المنطقة العربية أو الشرق الأوسط) موضوع لتغلغل المثل الغربية، ومما يذكر في هذا الشأن، أن إسرائيل تطلعت في الخمسينات للانضمام إلي حلف الأطلنطي. وعندما فشلت في ذلك طلبت رسمياً توقيع معاهدة للدفاع المشترك مع واشنطن، والالتحاق بالجماعة الأوربية. وفي كل الأحوال، فقد انحازت إسرائيل إلي الغرب ضد المثل الاشتراكية عالمياً والمثل القومية العربية إقليمياً، التي عارضها الغرب على حد سواء. ومن المتصور أنها في كل التحولات الدولية والإقليمية المواتية للغرب، سوف تعكف على محاولة استثمار خدماتها الأيديولوجية السابقة، لتعزيز مكانتها في أية ترتيبات يزمع الغرب، المنتصر أيديولوجيا ونظاميا، إعدادها.

ومن جهتهم يبادل الصهاينة الغرب وداً بود، فهم يعتبرون أنفسهم نتاجاً لثقافة الغرب ومثله في كل مكان، نجاحهم في الشرق نجاح له، والعكس بالعكس، وبغض النظر عن تنقل مركز قيادة الصهيونية بين القوى الغربية، فإن كل هذه القوى تتحرك من داخل دائرة حضارية واحدة، وتجمعها ثوابت إستراتيجية، ثقافية، دينية، تحدد صلاتها بالعرب كجوهر حضاري – ثقافي مختلف، ومنافس ويمكنه ممارسة دور مقاوم وربما يكون ندا للتوجهات الغربية الصهيونية.

ومن وجهة نظر معتبرة تجب هذه الأسس الثقافية الدينية الروحية للتحالف غيرها من الأسس وتسبقها عند اللزوم. وخير دليل علي ذلك عدم تراجع مكانة إسرائيل الإستراتيجية – العسكرية مثلاً  أثناء وبعد حروب الخليج الثانية والثالثة (غزو العراق واحتلاله)، رغم أن البعض توقع العكس باعتبار أن إسرائيل كانت معوقاً للحركة العسكرية الغربية (الأمريكية) بأكثر مما كانت مسهلاً لهذه الحركة.

هذه هي باقتضاب رؤية الأدبيات التحررية العربية للعلاقة بين الاستعمار الغربي والصهيونية وإسرائيل، فكيف كانت رؤية ثورة يوليو المصرية وزعيمها عبد الناصر لهذه العلاقة؟.

حين قامت ثورة يوليو 1952 لم يكن قد مضى على نكبة فلسطين إلا بضعة أعوام. لكن النكبة كانت حاضرة في وجدان الثورة وتفكيرها قبل انطلاقها. فمعظم ضباط الثورة بمن فيهم قائدهم كانوا مشاركين في معركة الدفاع عن فلسطين وشهودا علي النكبة وضحاياها .. لدرجة أن بعض المؤرخين والمحللين نسبوا الثورة لتأثيرات النكبة. خاصة وأن تداعيات معركة فلسطين أخذت تتفاعل في البلدان العربية الأخرى التي شاركت في الحرب (انقلابات سوريا المتعددة بين 1949 و1952، اغتيال الملك عبد الله ملك الأردن في القدس عام 1951..). وفي مصر ذاتها، كانت نتائج المعركة مازالت تتفاعل في المجتمع المصري وفي الحياة السياسية المصرية .. من الحديث عن الأسلحة الفاسدة, إلي الاتهامات الموجهة للقصر الملكي وأتباعه حول تواطئهم ضد الجيش, إلي حريق القاهرة, وغيرها من التفاعلات التي كانت تمور بها السياسة المصرية.

وقد حرص عبد الناصر في وقت مبكر بعد قيام الثورة إلى تحديد أسبابها الحقيقية .. فلم ينف تأثيرات نكبة فلسطين في قيام الثورة، ولم يجعلها في الوقت ذاته السبب الوحيد أو حتى الرئيس.

فقد جاء علي لسانه في “فلسفة الثورة ” قوله: “ليس صحيحاً أن ثورة يوليو قامت بسبب النتائج التي أسفرت عنها حرب فلسطين، وليس صحيحاً كذلك أنها قامت بسبب الأسلحة الفاسدة التي راح ضحيتها جنود وضباط.. إنما الأمر في رأيي كان أبعد من هذا، وأعمق أغواراً”. ولكنه في الوقت نفسه والمكان نفسه يقول: “إن نتائج هذه الحرب ربما كان أكبر تأثير لها أنها تستحثنا على الإسراع في طريق الثورة”. أي أنه كان يرى أن ما جرى في فلسطين، قد كشف حقيقة ما وصلت إليه الأوضاع في مصر، الأمر الذي يتطلب سرعة التغيير.

من ناحية أخرى، أراد عبد الناصر أن يؤكد على الترابط بين أهمية وضرورة التغيير في مصر، وبين ما جرى في فلسطين، باعتبار فلسطين امتدادا لمصر، وجزءًا من أمنها القومي. فهو يقول في هذا المجال: “إن القتال في فلسطين، ليس قتالاً في أرض غريبة، وليس انسياقا وراء عاطفة، وإنما هو واجب يحتمه الدفاع عن النفس”. ففي رأي عبد الناصر أن مصر حين تحارب إسرائيل تقوم في المقام الأول بواجب الدفاع عن نفسها. فقال: “كنت مؤمناً بأن الذي يحدث لفلسطين، كان يمكن أن يحدث ـ ومازال احتمال حدوثه قائماً ـ لأي بلد في هذه المنطقة، مادام مستسلماً للعوامل والعناصر والقوى التي تحكمه الآن، فتجعله ضعيفاً إزاء مطامع إسرائيل في التوسع”. ويفسر عبد الناصر مشاركته ومشاركة إخوانه الضباط الأحرار في الدفاع عن فلسطين، واستبسالهم في معركتها، المتطوعون منهم، والنظاميون، “بأنها انعكاس لما ترسخ في وعيهم من أن رفح ليست آخر حدود بلادنا، وأن نطاق سلامتنا يقضي أن ندافع عن حدود إخواننا الذين شاءت لنا أحكام القدر أن نعيش معهم في منطقة واحدة”.

هذا يعني بوضوح أن مواجهة إسرائيل وعدوانها علي الأراضي العربية هي قضية وطنية مصرية وواجب مصري، وأن تحرر مصر وحمايتها، لا يكتملان إلا بتحرير الأرض العربية المجاورة وحمايتها من العدوان الإسرائيلي. وهو يعني أيضاً خطأ التصور السائد الآن، والقائل بأن تحرير مصر قد اكتمل بانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء.

ويمكن تلخيص هذه الرؤية الناصرية للعلاقة بين الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والخطر القائم على مصر وعلى أي بلد عربي آخر بأنها رؤية قومية لوحدة الصراع وأبعاده، وعدم تجزئة الصراع مع العدوان الصهيوني إلى صراع قطري يخص كل بلد عربي على حدة، بحيث تقع على عاتق كل بلد وحده مسؤولية مواجهة العدوان الإسرائيلي عليه.

وفي ذلك يقول: “إن ما يعنيني من حرب فلسطين درس عجيب. فقد دخلتها شعوب العرب جميعاً بدرجة واحدة من الحماسة، ثم خرجت منها هذه الشعوب بنفس المرارة والخيبة. هذه جيوش إخواننا، جيشاً جيشاً، كلها أيضاً محاصرة بفعل الظروف التي كانت تحيط بحكوماتها التي كانت جميعاً تبدو كقطع الشطرنج، لا قوة لها إلا بقدر ما تحركها أيدي اللاعبين، وكانت شعوبنا جميعاً تبدو في مؤخرة الخطوط، ضحية مؤامرة محبوكة أخفت عنها، عمداً، حقيقة ما يجري، وضللتها عن وجودها نفسها”. وهذا يعني أن عبد الناصر أيقن أن ما يحدث في فلسطين، كان، ومازال يمكن أن يحدث لأي بلد في المنطقة. هذا هو الفهم الذي زرعته في عقله معركة فلسطين، فقد صارت المنطقة لديه كلاً واحداً.

وفضلا عن إدراك عبد الناصر المبكر أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين هو تهديد لأمن مصر القومي، وأن مواجهة هذا الاحتلال هي مسؤولية وطنية مصرية يحتمها الدفاع عن حدود مصر، باعتبار ذلك حقيقة ترسخت في الوجدان الوطني المصري، وشكلت جزء من تراثه عبر التاريخ منذ العهد الفرعوني، مروراً بالغزو الصليبي، (معركة حطين 1187) والمغولي (معركة عين جالوت 6 أيلول 1260) وحتى حرب فلسطين عام 1948. أدرك عبد الناصر مبكراً أيضاً ارتباط إسرائيل بالاستعمار الغربي وأهدافه، وتبعيتها الكاملة له. وكان عبد الناصر يرى في الاستعمار العدو الأول لمصر. وأن هذا الاستعمار لا يتورع عن تجنيد واستخدام قوي داخلية وخارجية لإحكام سيطرته على مصر. وأن إقامة دولة إسرائيل في فلسطين هي جزء من مخططات الاستعمار لتهديد أمن واستقلال الدول العربية المجاورة لها.

ومما ساعد على تأكيد إحساس عبد الناصر بخطورة الاستعمار وخطورة إسرائيل بالتالي، أنه ابتدأ منذ تولي الضباط الأحرار زمام السلطة، في مجابهة حادة مع بريطانيا التي تحتل قواتها منطقة قناة السويس، وتستخدم قواعدها فيها لتهديد مصر والضغط عليها والحد من استقلالية سياستها. ولذلك كان الجهد الأبرز الذي انصرفت له قيادة الثورة منذ أيامها الأولي هو تحقيق جلاء القوات البريطانية وتصفية نفوذها في مصر.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s