تطور الوعي الوحدوي العربي في فكر الرئيس جمال عبد الناصر

تطور الوعي الوحدوي العربي

في فكر الرئيس جمال عبد الناصر

ياسين الحافظ

-1-

إن الواقع الإسلامي لمصر واقع صلب، كثيف، جبّ ما قبله وخلق استمرارية جديدة. نعم ، إننا نتبين في الإسلام في مصر ملمحأ ما مصريأ، لكن هذا الملمح لا يرقى إلى مرتبة قومية مصرية متميزة ؛ فالايديولوجيا الإسلامية ، ببساطتها وقطعها وتلاحمها، مضافأ إليها عملية التعريب التي اكتملت في البقاع التي افتتحت (حيث كانت تتوفر على تماثل أو تشابه في الأصول الأقوامية- الحضارية) منحت الشعوب العربية أرضية موحّدة ، رغم التخلخل والانشقاق ، لا ترقى بالطبع الى تلاحم أمة بورجوازية حديثة ، ولكنها تتمتع بروابط تسمح بإطلاق سيرورة اندماج تتكامل صعودأ مع تحديث المجتمع العربي وتحريره، وبالتالي فإن العروبة المسلمه (أو الإسلام العربي) هي الواقع الأعمق والأكثف من أية خصوصية إقليمية عربية مهما بلغت من قوة في هذ القطر أو ذاك. من السذاجة بمكان، بالطبع، إنكار وجود النزوعات الإقليمية ، وإنكار وجود بعض مرتكزات موضوعية للإقليمية ، لكن هذه النزوعات التي كانت رسيسأ في المجتمع التقليدي الخالص ، ما لبثت أن أخذت في التفتح والنمو مع الصدمة الغربية للمجتمع العربي ، ومع تغلغل تأثيراته الثقافية- الحضارية والاقتصادية والسياسية، وبخاصة مع تحول التجزئة إلى جزء من البنيان الكولونيالي للمجتمع العربي .

 هذه النزعة القومية المصريه بقيت سطحية وهامشية في المجتمع المصري بقدر ما كانت تعبيرا عن هاجس أقلّوي قبطي يرمي إلى قطع مصر دينيآ وقوميآ عن الشعوب العربية والإسلامية، لكي تصل إلى اندماج قومي مصري (بين المسلمين والأقباط) عبر بعث للتاريخ ما قبل الإسلامي وبخاصة الفرعوني، وهو التاريخ الذي لم يبق له ، كما ذكرنا ، ظل في الواقع القائم. بل أكثر من ذلك ، اتخذ هذا البعث للتاريخ الفرعوني طابع تجاهل وإنكار لتاريخ ، هو التاريخ الإسلامي ، ما زال مستمرأ في الواقع المصري . لكن هذه النزعة القومية المصرية كانت نزعة عميقة وفاعلة في المجتمع المصري  بقدر ما كانت رفضآ لتسلط الأجانب من شركس وأتراك على المصريين أولاً  وللهيمنة الكولونيالية على مصر ثانيأ. والنزعة القومية المصرية، مساقة في هذا الطريق، ومطروحة على هذا النحو (رغم أن العنصر التجديدي فيها غير بارز)، تشكل بداية وعي للواقع ومرحلة أولى في الطريق لالتقاط وعي قومي عربي يشكل، موضوعيأ، وعلى المدى الطويل، الوعي الأقرب الى تلبية حاجات الثورة العربية والأكثر مطابقة لأهدافها.

  هذه الحقيقة هي التي تفسر لم كانت القومية المصرية فرعونية عند الأقباط ، وذات تلاوين شرقية اسلامية عند الحزب الوطني .

  كانت الفترة ما بين هزيمة محمد علي من قبل الحلف الاستعماري في العام 1840 والاحتلال البريطاني في العام 1882 فترة محاولة درء الخطر الأورويي المتفاقم المتجه إلى الهيمنة المباشرة على مصر. في هذه الفترة لم يكن للنزعة القومية المصرية الفرعونية المتغربة الأقلّوية دور يذكر في مقاومة الزحف الكولونيالي على مصر. بل على العكس ، فإن النزوع القومي المصري إلى التغرب، بعد تحطيم تجربة محمد علي ، لم يكن بعيدأ عن المناخ الذي مهد الطريق للتسلل الاستعماري ثم للاحتلال الإنكليزي.

 إن الخديوي إسماعيل كانت اتجاهاته ونواياه ترمي إلى غربنة مصر، وهو الذي حدّث مصر كولونيالياً وأقام لها واجهة غربية ، والذي قام موضوعيآ ، بدور في استقدام الاحتلال المباشر لوقوعه في أحابيل الشركات الأجنبية ، والذي شدّ انتباه النخبة المصرية إلى الغرب وركّز اهتمامها على تاريخ مصر ما قبل الإسلامي . هذا الخديوي كان له دور في فصل مصر عن الحركة العربية العامة ، ذلك أن الحركة الفكرية في مصر كانت في ذلك الحين تسير جنبأ إلى جنب وفي اتجاه الحركة الفكرية في ديار الشام ، وذلك من حيث إحياء الثقافة العربية وتكوين الوعي القومي العربي .

إن عرابي ، الفلاح، الأزهـري ، ذا الصلة بالسلطان العثماني ، حامل النزعة القومية المصرية ذات الطابع الشرقي الإسلامي العميق ، هو الذي قاد محاولة صدّ التغلغل الاستعماري الأجنبى في مصر. ومع سحق محاولة عرابي ، ومع الاحتلال الإنكليري في العام 1882 انتهت آمال النهضة ، وانفتحت مرحلة جديدة في مصر، استمرت حتى خمسينات هذا القرن، بل ، إذا شئنا تحديدا ودقة ، حتى 23 يوليو (تموز) 1952.

ما الملامح الرئيسة السياسية والاقتصادية والايديولوجية لهذه المرحلة الجديدة ؟

كانت فترة الإمبريالية المنتصرة ، وبالتالي مرحلة هـزيمة شاملة وماحقة لمصر خصوصأ، وللأمة العربي عمومأ. من ناحية البنية الاقتصادية للمجتمع: تتابعت سيرورة تفسيخ المجتمع التقليدي ، ” وأخذ خلالها التشكيل المصري الطابع التابع الطرفي بصورة نهائية “، وادمج الاقتصاد المصري بالاقتصاد الرأسمالي كاقتصاد مندلق (Extravertie ) وتابع. ومن الناحية الأيديولوجية، ” كفّ المجتمع المصري عن التفكير ” واتجهت الأرستقراطية والبرجوازية المنحدرة عنها وقطاع محدود من الإنتلجنسيا إلى تغرّب سطحي يغطي خواء ثقافيأ. في الجانب الآخر، أخذت المعارضة للهيمنة الاستعمارية، لدى الكتلة الأهم من المثقفين مداها، فامتدت إلى رفض قيم العالم الحديث انطلاقآ من مواقع تقليدية. ناهيك عن أن الكتلة الشعبية الأمية طبعأ، بقيت تحت سلطان الأيديولوجيا الإسلامية التقليدية. من الزاوية السياسية: البنيان التقليدي، الذي تقضقض في البداية تحت تأثرات الصدمة الأوروبية ، سرعان ما تكسّر وتناثر تحت وطء الاحتلال الاستعماري الانكليزي، ثم ما لبثت كسوره المتناثرة ، الأرستقراطية والبرجوازية المتحدّرة عنها ، أن عادت تتخذ مواقع التعاون معه .

هذا الواقع ، واقع الهزيمة، تجلى في ثلاث تظاهرات : الأولى: تحول الهيمنة الإمبريالية إلى واقع قاهر مُعترف به ، فلم تكن تنازع منازعة جذورية ، بل كانت المنازعة تقتصر على العمل لتعديل أشكالها كي تغدو قابلة للاحتمال . الثانية: تكريس تظاهرة لهاتين التظاهرتين تمثلت بصورة أساسية في محاولة لطفي السيد : أولا- تبرير التعامل مع الاستعمار: (بناء الأمة وتحديث بنيانها بوصفهما الطريق المؤدي إلى الاستقلال ) ، ثانيأ- تبرير الانكفاء الإقليمي: (صياغة وبلورة نظرية واضحة حول القومية المصرية في تعارض جلي مع العروبة ومع الإسلام ) .

لا شك أن كتلة المثقفين أوكتلة الأمة بقيت في المناخ السياسي للحزب الوطني ثم لحزب الوفد، والمناخ الايديولوجي للشيخ محمد عبده . مع ذلك، فإن محاولة لطفي السيد وتلامذته تستحق الالتفات.

لماذ بقيت محاولة التمغرب التي أطلقها لطفي السيد وتلامذته سطحية من حيث تأثيرها، وهامشية من حيث مكانها، في المجتمع المصري ؟ لا شك أن موقفه المتصالح مع الاستعمار الانكليزي واغترابه الثقافي كان لهما الدور الحاسم في هذا المجال. ولكن لا بد من إضافة الملاحظات التالية ، التي تصدق على عموم دعاة ” التأورب ” أو التغرب الذين وقعوا في حالة اغتراب، نتيجة انطلاقهم من إشكاليات بورجوازية أوروبية  ليست إشكاليات مجتمعهم العربي المتأخر، إذ كانت سيرورة تحديث المجتمع العربي تطلب تلقيحه بالقيم البرجوازية الغربية التي تشكل قاعدة المجتمعات الحديثة كلها، إلا أن ميكانية الهيمنة الاستعمارية كانت من جهة أخرى تعمل على لجم تحديث المجتمع العربي تحديثأ حقيقيآ، أي كانت تعطي هذا التحديث شكلاً كولونياليآ تابعآ، وبالتالي تحديثأ سطحيآ، كاذبأ، مجزوءأ ومحدودآ: هذا المثقف العربي الذي تغرب يرى ، بوعي أو بدون وعي، في الغلبة ، إن لم نقل في الهيمنة الغربية مفتاحآ أو عنصرآ ممهدآ لتحديث المجتمع المتأخر الذي ينتمي إليه ، ومن هنا تصالحه أو عدم عدائه الجذري للهيمنة الاستعمارية أو النفوذ الغربي على الأقل . هذا الموقف يعود ليوسع من جديد “الهوة ” التي كانت قائمة من قبل بسبب التأخر والأمية ، بينه وبين الأمة .

المثقف التقليدي، الذي لم يصدع للسيطرة الاستعمارية، وقف عاجزآ، هو أيضأ، عن الفعل الايجابي في المجتمع ، فمع أن سلطانه على الأمة لم يكن قد ضعف كثيرأ، ومع أنه كان يقف في خندق واحد معها يناضل ضد هذه السيطرة الغربية، إلا أن عجزه لم يكن أقل كثيرآ من عجز المثقف المتغرب، والمصالحة التي أرادها للإسلام مع العصر الحديث، بقيت شكلية، وذلك لأن رفض القيم والمناهج الغربية (البرجوازية تحديدأ) كان صارمأ وقاطعأ، وبالتالي لم تكن إجاباته عن الإشكاليات المطروحة إجابات مناسبة، الأول مغترب عن مجتمعه، والثاني مغترب عن العصر (*) .

لم دعم الاستعمار البريطاني هذه النزعة القومية المصرية؟

لا بدّ من التنويه ، بادىء بدء ، بأنه إذا كان الوجه البارز في النزعة المصرية قبل الاحتلال الإنكليزي في العام 1882 هو تأكيد الذات المصرية ضد الأجنبي الدخيل وضد السلطنة العثمانية وضد سيرورة التسلل الاستعماري الزاحف ، إلأ أن الوجه الأبرز في النزعة القومية المصرية بعد الاحتلال الإنكليزي إنما كان تكريس عزلة مصر وتدعيمه إياها. هذه الحقيقة هي التي تلقي الضوء على الموقف الإيجابي للاستعمار الإنكليزي من النزعة القومية المصرية.

إن مصر، المعزولة، المنكفئة إلى د اخل حدودها الإقليمية، المحدثة كولونياليأ، وبالتالي المتغربة جزئيأ ومن فوق ، والتقليدية من تحت وأساسأ (أي التابعة للغرب بدون أن تتحدّث ، وبالتالي المتحولة إلى التخلف)، توفر أفضل الشروط لاستمرار الهيمنة الكولونيالية على مصر، ومن ثمة لتتابع زحفها على الأجواء الأخرى من الوطن العربي والعالم الإسلامي.

إن بريطانيا، الدولة الاستعمارية الأولى، المتنافسة والمتنازعة مع دول استعمارية أخرى ، والتي كانت تطمح إلى الحيلولة دون نشوء دولة قوية في طريق الهند وإلى السيطرة على الوطن العربي في آن، والتي قضت على النهضة العربية الأولى التي تمثلت في محاولة بناء دولةعربية كبيرة وحديثة.  بريطانيا هذه تابعت تنفيذ مخططها بالتسلل في البدء ثم بالاختراق أخيرآ: سلسلة الامتيازات، ثم الإشراف المالي والاقتصادي، تلا ذلك احتلال العام 1882. بعد ذلك أصبحت المهمة تأمين استمرارية الاحتلال. ولقد كان عزل مصر من سبل تامين هذه الاستمرارية وتكريسها . في هذا السياق ، كان للنزوع القومي المصري المنكفىء إقليمياً ، المتغرب ، المفرعن ، دور باتجاه بتر كل رابطة مع السلطة العثمانية، ومع الوطن العربي بالتالي: لقد أصبح هذا اللون من القومية المصرية يشكل الغطاء الفكري للهزيمة وتبرير تكريسها.

بالطبع، كانت كتلة الشعب المصري، كما قلنا قبل قليل، تعيش هذا المناخ، كانت بالتوالي مع الحزب الوطني ثم مع حزب الوفد. ومع أن ايديولوجيتها السياسية لم تكن تخلو من بصمات الانكفاء الإقليمي ، إلا أن نزعتها القومية المصرية كانت ذات ملامح إسلامية شرقية بارزة. نعم، إن ميولات وتأثيرات ليبرالية بورجوازية علمانية بل اشتراكية أحيانأ ، كانت تلمح، ضامرة تارة ونامية أخرى، في أوساطهما، لكنها كانت من حيث الأساس استمرارآ مطوّرأ لاتجاهات محمد عبده . في إطار كهذا لم تكن القومية المصرية دائرة مغلقة ، معزولة ، متفردة، بل حلقة في سلسلة ينتظم فيها العرب والمسلمون كافة . هذا التوجه لم يكن موقفاً ايديولوجيأ فحسب، بل كان موقفأ سياسيأ أيضأ: السلطة العثمانية ليست فقط دولة مسلمة لشعوب مسلمة ، بل هي أيضآ الدولة التي تشكل دعامة نضال مصر ضد الاحتلال البريطاني.

في هذا المناخ، الذي تشكل الهزيمة (وما تفرزه من ا ستنقاع إقليمي) قاعدته، كانت حظوظ تفتح وعي قومي عربي خالص في مصر أو تسلله إليها محدودة .

شنت حرب  مزدوجة من الجانبين: الاتجاه القومي المصري الإقليمي ، المفرعن ، التغرّبي ، نظر إلى النزعة القومية العربية بوصفها استحالة من استحالات الايديولوجيا الإسلامية ونتاجآ فرعياً من نتاجاتها وترميماً لها  (لطفي السيد ، طه حسين ، سلامة موسى، إلخ). والاتجاه التقليدي الإسلامي، متمثلا بالأزهـر، أدان النزعة القومية العربية بوصفها غير متفقة مع كونية الدين الاسلامي وتمردأ على سلطة مسلمة تحمي الإسلام من عدوان الغرب ، وشقاقأ مع شعب مسلم . نعم، إن الإخوان المسلمين، متأثرين برشيد رضا ، حاولوا تحقيق ضرب من المصالحة بين الإسلام والعروبة والوحدة العربية ، فنصّ المبدأ الخامس من تعاليمهم علىتأييد  الوحدة العربية تأييدأ كاملأ والسير بها نحو الجامعة الإسلامية ، إلا أن هذه المصالحة بقيت شكلية : أولاً – لأن مرتكز الوحدة العربية يتمثّل في الحركة القومية العربية، التي ينكرها الإخوان المسلمون إنكارآ قاطعاً ؛  ثانيأ- ما دامت الوحدة العربية مرتكزة على هذا الأساس الايديولوجي القومي العربي ، لذا فإن سير تطورها الواقعي لم يتخذ البتة ، عندما أصبحت تحت قيادة عبد الناصر، وجهة السير بهما نحو الجامعة الإسلامية ، ومن هنا موقفهم المعادي لها .

  القيادة السياسية للحركة القومية المصرية (الحزب الوطني ، ثم الوفد) كان موقفها موسومآ بالأحرى بالذرائعية : فكانت، مع انفتاحها على كل ما هو شرقي وإسلامي، تتساءل: ما الفائدة من الحديث عن القومية العربية ما دامت لم تشكل بعد قوة تتساند ومصر في مواجهة الاستعمار.

وهنا لا يسعنا سوى التنويه بعاملين كانا ضد نمو النزوع القومي العربي في مصر: الأول موقف المهاجرين السوريين اللبنانيين المقيمين في مصر المدعم للاحتلال الإنكليزي (رغم جهودهم في ميدان العلمنة والتحديث) الذي خلق في مصر شعورآ بالنفور مما هوعربي . الثاني  دور الاستعمار الإنكليزي في الثورة العربية عام 1916، الذي عزز قناعة كانت منتشرة وتثير الشبهات حول نزاهة الحركة القومية العربية وصوابيتها .

هذا الحصار الذي ضرب حول الحركة القومية العربية، عندما وضعها بين مطرقة النزعة القومية المصرية وسندان الأيديولوجيا الإسلامية التقليدية، جعل تأثيرها هامشيآ في تلك الفترة. لا شك أن هذه الحركة كانت تحرز تقدمآ مع تقدم الحركة الوطنية المصرية ضد الاستعمار، إلا أن هذا التقدم بقى محدودأ جدآ.

إن طلعت حرب ، رائد البرجوازية الصناعية المصرية الحديثة ، إذن كان يكتشف المشرق العربي منذ العام 1925 ويتصوّر التقاءً وتشاركأ بين مصر والأقطار العربية في بناء النصفة الاقتصادية، لكن من السذاجة بمكان الزعم أن نزوع مصر العربي ينبع من هذا النبع البرجوازي . فالبرجوازية المصرية كانت بالأحرى متجهة الى السودان بوصفه امتدادأ لمصر، فضلا عن أن التطور البرجوازي المصري، وهو تطور ذو طابع طرفي، مندلق وتابع، وبالتالي هزيل ، كان قاصرآ عن أن يوفر الأساس المادي والموضوعي لانبثاق نزوع أو وعي عربي في مصر.

إن القيادة الوطنية المصرية، وبخاصة سعد زغلول، وكان شاغلها الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط ومنع الاستعمار الإنكليزي من أن يلعب بورقة الأقليات، كانت تأخذ بعين الاعتبار تحسس الكتلة القبطية من نزعة قومية : النزعة القومية العربية، ترى فيها- بسبب من اقتران العربي بالاسلامي- فكأ للرباط الموحدّ بين المسلمين والأقباط . ولقد كان بالفعل لهذا التوجس القبطي دور ملحوظ في الحد من التطور القومي العربي لدى الوفد وتحوله الى نزوع فاعل في سياسته. نعم، إن شخصيات مرموقة ونافذة (مكرم عبيد في حزب الوفد مثلأ) كانت تزداد وعيآ لأهمية الحركة القومية العربية، وإن عبدالرحمن عزام قد تحدث عن تطور صناعى مصري مطلوب يحتاج إلى ” مدى حيوي ” يتمثل بالعالم العربي ، لكن من الواضح أن صوت مكرم عبيد كان بعيدآ عن أن يعبّر عن هموم الوفد السياسية . لكن من الواضح أن عزامآ هذا، وعشرات السياسيين والجماعات والتنظيمات الداعية إلى التضامن، أو الاتحاد العربي ، أو الوحدة العربية إنما ينتمون بالأحرى إلى جماعات تقليدية شرقية إسلامية ما قبل برجوازية.

هذه الحقائق مجتمعة، فضلا عن أثر كارثة فلسطين على تطور الوعي القومي العربي في مصر، ثم اكتشاف عبدالناصر الوحدة العربية بوصفها القاعدة المتينة للتحرر المصري والعربي من الاستعمار، تبرز بشكل واضح تمامأ دور العامل الخارجي، أي دور الهيمنة الإمبريالية، في توسيع الحركة القومية وتدعيم السير إلى الوحدة العربية.

  وعندما بادر رئيس الوزارة المصرية ، مصطفى النحاس- بعد أن تلّقى إشارة الضوء الأخضر من بريطانيا ، التي يلقي عليها العرب بحق المسؤولية الأساسية في تجزئة الوطن العربي ، عبر تصريح لوزير خارجيتها في شباط (فبراير) ، 1943، يؤيد فيه ” توثيق الروابط الثقافية والاقتصادية ، والروابط السياسية أيضاً بين الاقطار العربية ” إلى توجيه دعوة إلى الحكومات العربية للتشاور وعقد مؤتمر يتخذ مايراه من القرارات محققاً للأغراض التي تنشدها الأمة العربية ، لم نكن إزاء تحول نوعي في الوعي أو الموقف المصري من مسألة القومية العربية والوحدة العربية ولكنه تقدم- وإن نسبي ومحدود- لا يمكن إنكاره. فما دامت هذه الدعوة قد جاءت في سياق غير معاد للامبريالية ، بل تحت مظلة الإمبريالية ، لذا كان طبيعيآ أن لا تكون خطوة في سيرورة وحدوية ، بل تبقى مجرد تنسيق للعلاقات وتوثيقها على أساس الأوضاع الاقليمية القائمة . وبكلمة : إنه تنسيق تجزيئوي لا أكثر .

لكن الصراع العربي – الإسرائيلي ، الذي كان يتفاقم ، وضع مصر في قلب الوطن العربي وفي معمعان معاركه. وكان تزايد الخطر الاسرائيلي وا شتداد المقاومة الفلسطينية ضده يلقيان صدى واضحآ في مصر، لدى سواد الشعب المصري أم لدى المنظمات والهيئات ذات الطابع التقليدي الإسلامي المشرقي ؛ إذ رأوا في الصهيونية خطرأ يهدد شعبأ تربطه بشعب مصر رابطة الجوار والدين . هذا الموقف الجماهيري من الخطر الإسرائيلي كان يفرض نفسه بهذا القدر أو ذاك من الجدية على الحكومات بقدر اقترابها من الجماهير أو ابتعادها عنها.

عندما أنهت انكلترا انتدابها على فلسطين في 15 أيار (مايو) ، 1948، بعد أن توفرت للجماعات اليهودية إمكانات إقامة دولة صهيونية خاصة بها ، كان اهتمام الشعب المصري بقضية فلسطين قد بلغ مدّى فرض على فاروق ، رغم تردد حكومة أحزاب الأقلية التي يرأسها النقراشي ، الدخول في حرب ضد إسرائيل ” لكي تبقى فلسطين عربية “. إن النتائج المفجعة التي حملتها الحرب والمخازي التي كشفتها ، من أسلحة فاسدة وتواطؤ نوري السعيد وعبدالله مع الاستعمار الذي عرّض الجيش المصري لهزائم وخسائر، وإن أعطت اليمين المصري الإقليمي حجة جديدة ضد القومية العربية والوحدة العربية وردعت النزوع المصري إلى الوحدة العربية، إلا أن هذه الحرب كانت عنصرآ حاسمأ في إدانة النظام المصري لما قبل ثورة تموز ( يوليو )  وبالتالي في الإجهاز عليه ، كما أن قيام إسرائيل علّم مصر والنظام المصري الجديد الذي قام في 23 (يوليو) ، بالتجربة المباشرة ، بعد أن تبدّدت ردود الفعل اليمينية والا قليمية التي ذكرنا ، أن إسرائيل خطر لا يمكن التعايش معه من جهة ، وأن مواجهة هذا الخطر يحتاج إلى الوحدة العربية من جهة أخرى .

-2-

في هذا المناخ السياسي، بل المناخ الفكري السياسي، عاش عبدالناصر وتكون فكره السياسي. إن ما يسم شخصية عبد الناصر هي قدرته على التعلّم ، وعلى التقاط ما هو جديد في الواقع. من هنا كان وعى عبد الناصر في حالة تطوّر وتنام مستمرّين.

في مصر، حيث تواجه الأمة مسألة وطنية ملحة وحاسمة، مسألة طرد الاحتلال البريطاني من أراضي مـصر وتحقيق الاستقلال، كان الطلاب الجزء الأكثر حيوية والاكثر راديكالية. في الحركة الوطنية المصرية. في هذا المناخ الطلابي، المسيّس، الوطني، الراديكالي ، عاش عبد الناصر في البداية في الاسكندرية ، ثم في القاهرة ، المركز الاكثر كثافة وحيوية ووعيأ في مصر.

من الطبيعي أن تكون الايديولوجيا السياسية للحركة الطلابية المصرية جزءآ من الايديولوجيا السائدة بين القوى الوطنية المصرية. فاستقلال مصر كان المطلب العام والأساسي لهذه القوى ، انطلاقآ من منظورات قومية مصرية منفتحة ضمنياً انفتاحآ قوياً على نزعة شرقية إسلامية .

عندما كان عبدالناصر طالبأ في المدارس الثانوية ، كان حزب الوفد المصري هو الإطار السياسي الذي يضم الكتلة الأساسية من الأمة. لكن سلطان الوفد على الحركة الطلابية لم يكن في عمق واتساع سلطانه على الأمة. لقد كان المناخ السياسي للحركة الطلابية المصرية اكثر راديكالية بكثير من ايديولوجية الوفد السياسية ، ومن هنا لم يجتذب الوفد عبد الناصر، الحزب الوطني ، الذي كان أكثر تطرفأ من الوفد من الزاوية الوطنية، كان يضمر ويجف ، وبالتالي فإن راديكاليته ضد الاحتلال البريطاني، أصبحت بالأحرى، موقفآ لفظيأ مجانيآ، ومن هنا أيضآ لم يجتذب عبدالناصر. الحركة الشيوعية لم تجتذب ، بدورها، عبدالناصر، فتبعيتها السياسية للخارج كانت عقبة أساسية أمام انضمامه اليها . وكذلك الأ مر بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين التي أنكر تعصبها الديني وطائفيتها.

ان حزب ” مصر الفتاة ” هو الحزب الذي استطاع أن يجتذب عبدالناصر في تلك المرحلة، فانتسب اليه وهو في السابعة عشرة ، بعد فترة قصيرة من اشتراكه في الاسكندرية في العام 1933 بمظاهرة ( جرح خلالها) كان الحزب قد نظمها . بقي عبدالناصر مدة سنتين في هذا الحزب ، ولكنه ” تركه بعد أن اكتشف أنه رغم دعواه الكبيرة لا يحقق شيئأ واضحآ ” .

لماذا كان حزب ” مصر الفتاة ” هو الحزب الذي اجتذب عبدالناصر؟ وما الذي بقي من تأثيراته في رواسب وعي عبدالناصر؟ لقد كانت اتجاهات ودعاية حزب ” مصر الفتاة ” السياسية، فضلآ عن حضوره اللافت في الحركة الطلابية المصرية في تلك المرحلة ، أكثر عنفأ من الوفد إزاء الاستعمار، كما كان الحزب معزولأ بين فترة وأخرى، وهذان العاملان يبدو أنهما قاما بدورهما في اجتذاب عبد الناصر. عندما تحدّث عبد الناصر عما يتذكره عن وعيه في تلك الفترة بيّن بأنه ” قد مضى بعد ذلك زمن طويل قبل أن تتبلور أفكاري ومعتقداتي وخططي … ” . لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تجعلنا نضرب صفحأ عن تأثيرات حزب مصر الفتاة ” المترسبة في قرارة ايديولوجيته عمومآ ، وفي وعيه العربي خصوصأ. لاشك أن أيديولوجية عبد الناصر كانت تتطور باستمرار، كما نوّهنا قبل قليل ، لكن التطور لا يعني المسخ ، والتجاوز لايعني الالغاء ؛  إذ إن الايديولوجيا أشبه ببنيان ذي مسافات تتكدس الواحد منها فوق الأخرى ، فالمسافة الأدنى تصبح أضعف تأثيرآ، وتذهب إلى درجة الامّحاء والتلاشي بقدر ما تتكدّس فوقها من مسافات أخرى ، وبقدر ما تكون هذه المسافات الأخرى مغايرة أو مناقضة لما قبلها .

لقد كانت الأيديولوجيا السياسية فى حزب ” مصر الفتاة ” نهب تأثيرات عديدة متباينة، تقليدية حديثة ، قومية مصرية ، إسلامية ، عربية ، بل لصق بها بعض تظاهـرات الفاشية، لكن مما لا شك فيه أن هذا الحزب كان ” على رأس الأحزاب التي عملت للفكرة العربية في مصر ” . ومع أن النزوع القومي المصري كان ملحوظآ في أيديولوجيته السياسية في البداية، إلا أنه كان في الوقت نفسه يؤكد بقوة على روابط مصر بالعالم العربي وزعامتها عليه، ويولي القضايا العربية إهتمامأ دائمآ وجديأ ، بل إن زعيمه ، أحمد حسين ، قد طالب منذ حوالي 1939 بتحقيق الوحدة العربية قبل الوحدة الإسلامية، وقال: إن الروابط القائمة بين العرب تؤهلهم لأن يعتبروا أنفسهم أمة واحدة ، وحدّد القومية العربية بوحدة اللغة والدين والثقافة والايمان .

 في المناخ العربي الإسلامي لحزب ” مصر الفتاة ” ، الذي عاش فيه عبد الناصر مدة سنتين، ألقيت أولى بذور الوعي القومي العربي في ايديولوجية عبد الناصر السياسية. والحقيقة إن هذا المناخ هو الذي يفسّر كيف أمكن لطالب ثانوي ، في مناخ سياسي عام ، همّه استقلال ما، وآفاقه الإقليمية عفوية كانت أم واعية ” أن ينتقل إلى بدايات وعي آخر، وعي أشمل وأعمق ، يتجاوز الوعي القومي المصري الإقليمي .

 ردأ على الكاتب الإنكليزي ديزموند ستيوارت، الذي سأله عن الوقت الذي بدأ يشعر فيه بالعروبة أجاب عبد الناصر:

  ” ليس هناك وقت معيّن ، لقد بدأت طلائع الوعي العربي تتسلل إلى تفكيري وأنا طالب في المدرسة الثانوية ، عندما كانت مشاعري وإحساساتي تتفاعل مع كل ما يدور في الوطن العربي من أحداث ، وكان أهّم الأحداث التي ملكت علي تفكيري في ذلك الوقت هي ثورة العرب في فلسطين ثم الفظائع الوحشية التي كان يرتكبها الفرنسيون في سوريا … ” .

هذا الرباط العاطفي بالأمة العربية ، العاطفي لكن الثمين والعميق بل والمنبىء عن غريزة ثورية صائبة ، كان يربك عبدالناصر ويشده في الوقت نفسه ، فبالرغم من أن الوعي العربي موصول بحذر ما إسلامي ، إلا أنه يبدو أن عبد الناصر ، الذي يؤرقه إذلال الحاضر ، وبؤسه، كان يفتش على الدوام عن مبررات راهنية ومنفعية وعقلانية لنزوعه القومي العربي ، ومن هنا تساؤلاته عن أسباب خروجه متظاهراً كل عام بمناسبة وعد بلفور .

“… وحين كنت أسائل نفسي في ذلك الوقت لماذا أخرج في حماسة، ولماذا أغضب لهذه

الأرض، (أرض فلسطين) التي لم أرها، لم أكن أجد في نفسي سوى أصداء العاطفة ” .

واضح أن وعي عبد الناصر كان يتقدّم في هذا الاتجاه ، اتجاه اكتشاف أساس منفعي راهني لعاطفته العربية التي تشدّه إلى باقي أجزاء الوطن العربي ، إلا أن هذا التقدّم الذي أحرزه ، في الكلية الحربية ثم في كلية أركان الحرب كطالب، لم يكن كافيأ: لقد اكتشف وحدة تاريخ المنطقة من خلال دراسة تاريخها، إلأ أن المبررات الراهنية لهذه الوحدة لم تكن، في تلك الفترة، قد توضحت أو اكدت نفسها على رؤيته السياسية. لا شك أن هذا الاكتشاف لوحدة تاريخ المنطقة العربية يشكل خطوة إلى الأمام في بلورة وعي عبد الناصر القومي العربي ، إلا أنه لم يكن ليشكل قفزة حاسمة نوعية تجعل الوحدة العربية بمثابة توجه أو هدف ينبغي الوصول إليه. مع ذلك فإن هذه العاطفة العربية بقيت عنصرأ فاعلأ في الايديولوجيا السياسية لعبد الناصر ؛ فما ان أقبلت نذر كارثة فلسطين بصدور قرار التقسيم في تشرين الأول (أكتوبر)، عام 1947، حتى اجتمعت اللجنة التنفيذية للضباط الأحرار ، بدافع من عبد الناصر على الأرجح ، وقررت مساعدة المقاومة في فلسطين .

في الصراع العربي الإسرائيلي لفترة ما قبل الحرب وفترة الحرب نفسها ، كان عبد الناصر لا يزال نهبأ بين عواطفه العربية وروابطه المصرية، حيث كانت تختلط حينأ وتتمايز حينآ آخر. لا شك أن تجربة هذه الحرب قد دفعت وعيه القومي العربي إلى الأمام، لكن نزوعه القومي المصري بقي راجحأ، وإن كان نزوعه العربي أصبح وازنآ. يقول عبدالناصر:

“… ولما بدأت أزمة فلسطين كنت مقتنعأ في أعماقي بأن القتال في فلسطين ليس قتالأ في

أرض غريبة وهو ليس انسياقآ وراء عاطفة، وإنما هو واجب يحتمه الدفاع عن النفس.

وكنت مؤمنأ أن الذي يحدث لفلسطين كان يمكن أن يحدث، وما زال احتمال حدوثه قائمأ، لأي بلد في المنطقة ما دام مستسلمأ للعوامل والعناصر والقوى التي تحكمه الآن.

فقد كنا نحارب في فلسطين، ولكن أحلامنا كلها في مصر، كان رصاصنا يتجه إلى العدو الرابض أمامنا في خنادقه ، لكن قلوبنا كانت تحوم حول وطننا البعيد الذي تركناه للذئاب ترعاه… وكان حديثنا الشاغل وطننا الذي يتعيّن علينا أن نحاول إنقاذه ” .

هنا في هذا النص، الذي لم يكتب خلال حرب فلسطين ، بل بعدها بحوالي ست سنوات ، لا نزال نرى عبد الناصر غير حاسم وغير قاطع بين صورة جديدة اكتشفها وصورة قديمة أمسك بقصورها ومحدوديتها . لقد بقيت مصر هي الوطن ، أحلامه هناك ، وفجيعته هناك ، وهمومه هناك أيضاً . فلسطين لم ترق بعد ، بالطبع ، إلى مرتبة الوطن ، ولكنها ليست أرضاً غريبة .

هذا الاكتشاف الذي يعتبر الدفاع عن عروبة فلسطين ( وهي ليست الوطن ، وليست أرضاً غريبة في آن ) واجباً يحتّمه الدفاع عن النفس هو بداية تلمّس مفهوم تحرّري وعضوي لمسألة الوحدة العربية . إن هذه الرؤية ؛ التي قد يعتبرها بعضهم منطوية على قصور ما في الوعي القومي العربي ( وهي كذلك بمعنى ما ) تتفوق بما لايقاس من جهة على هؤلاء القوميين العرب الذين حسموا مسألة الوحدة العربية استناداً إلى مبرّرات وعوامل سلفية ، ومن جهة أخرى على النظرة التي كانت منتشرة في الاوساط المصرية التي ، وإن كانت تعترف بروابط الدين والجوار بالشعب الفلسطيني ، لم تلتقط جدّية التحدي والتهديد الاسرائيلي لمصر .

هذه المسافة بين الوعي المصري والوعي العربي لدى عبد الناصر تضيق شيئاً فشيئاً حتى تكاد تتلاشى مع نمو وعيه التاريخي أولاً ومع إدراكه ترابط ما هو عربي بما هو عالمي ثانياً ، وأخيراً مع سير تطور الأحداث والصراع مع الاستعمار . عبد الناصر ، المدرس في كلية أركان الحرب المصرية ، يلتقط في العام 1951 ، خلال دراسته المشكلات الاستراتيجية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط ، خطوط القوة في سير تطور الوطن العربي ، منذ أيام الحروب الصليبية على الأقل ، ويكتشف إرتباط التسلط الأجنبي على الوطن العربي بمسألة التجزئة العربية . قال عبد الناصر :

“… في العام السابق للثورة ، عام 1951، تبلورت في ذهني القومية العربية كمذهب سياسي . كنا ندرس في كلية أركان الحرب المشكلات الاستراتيجية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وكنت قد درست تاريخ العرب منذ أقدم العصور، وعرفت أنه عندما كان العرب وحدة متماسكة استطاعوا ردّ المعتدين على أعقابهم ، كما حدث أيام الحروب الصليبية . لكن بعد أن فرّق المستعمرون بين العرب أصبحوا عرضة للهزيمة وفريسة للسيطرة الأجنبية . وكانت هذه الحقيقة ماثلة أمام عيني طوال فترة المناقشة في العام السابق للثورة سنة 1951، التي كانت تدور حول وسائل الدفاع عن مصر. ولأول وهلة اتضح لنا أن مصر، مثلها في ذلك مثل كل جزء من أجزاء الوطن العربي، لا يمكن أن تضمن سلامتها إلا مجتمعة مع كل شقيقاتها في العروبة في وحدة متماسكة قوية.

والشىء الثاني هو أن موقع مصر الجغرافى والاستراتيجي الهام كان دائمأ نقطة الضعف بالنسبة لها، وأنه بسبب هذا الموقع الممتاز تسابقت الدول إلى احتلالها … لذلك كان هدفنا هو ان نجعل من هذا الضعف قوة ” .

إلا أن عبد الناصر يتلمّس قاعدة لوحدة المصير هذه تتمثّل في وحدة الشعب العربي ، تتجلى في وحدة اللغة ووحدة التاريخ ووحدة المشاعر ، التي ينبثق منها كلها شعور واضح قوي بمصير مشترك . فالمقتضى التحرّري العربي الشامل ليس مجرد رغبة مثالية ، بل يتمتع بركائز موضوعية في الواقع العربي، هذه الركائز الموضوعية تتمثل في هذا الرباط الذي يشدّ الشعب العربي ويجعل منه ، رغم نقص الإندماج ورغم التخلخل، كتلة بشرية واحدة متميزة عن غيرها. في تشرين الأول (أكتوبر) ، عام 1952، صرح عبد الناصر لصحافي هندي :

 “… العالم العربي ليس إلاطريقآ عسكرية عالمية.. منذ زمن طويل انطلقنا من قلب شبه الجزيرة العربية نحو فلسطين ومصر والقيروان وفاس، نحو الشمال حتى قرطبة، وإشبيلية ولشبونة وليون في فرنسا. ولم يعد أحد من الذين انطلقوا في هذه الرحلة إلى الجزيرة العربية لأنهم لم يشعروا بالغربة في تلك البلدان.

وفي زمن آخر وصلت قافلة من البنائين تضم أناسآ من بني هلال وبني سليم وبني مرّ، فانتشروا في أقطار الوطن العربي ، وتركوا في كل عائلة عمآ أو خالأ… وكل أولئك المهاجرين كانوا عربآ..

وأوربا الصليبيين زحفت على غرناطة والقدس ، على أنطاكية ودمياط و قرطاجة ، لأن هذه

البلدان كانت عربية في نظرهم. كانوا على حق، فكل هذه البلاد لنا. ما هّم أن يغضب اليوم رؤساء أوربا عندما نقول إن هذه البلدان لنا فهم قالوا هذا قبلنا ” .

وردأ على سؤال آخر، حدّد الوطن العربي كما يلي:

“… إنني أعرف حدود العالم العربي . وأنا لا أتكلم بصيغة المستقبل بل أفكر وأعمل كما لو كان كل شيء ماثلآ. إن حدود العالم العربي تقف حيث لا تُرجع دعايتي أي صدى . هناك يبدأ

شيء آخر، عالم أجنبي لا يخصنا…” .

هكذا، ببساطة، دون اللجوء إلى نظريات، بل استنادآ إلى ما يشبه المعاينة المباشرة للواقع، المدعومة بتذكر تاريخي ، يضع عبد الناصر حدودأ واضحة مميّزة للعالم العربي . من هذه الحدود، من هذه الوحدة التي يتمتع بها الشعب ، ينبثق المسعى الموحد لهذا الشعب إلى التحرر.

هذا الأساس الموضوعي للوحدة العربية ، الذي تسوّغه بصمات التاريخ وتمليه ضرورات الحاضر وتستدعيه آمال المستقبل، هو الذي جعل عبد الناصر ينجو، بشكل عام، من الرّدة الإنعزالية التي إجتاحت الوسط السياسي المصري في أعقاب الهزيمة الأولى أمام إسرائيل عام 1948، ردة تتصل بجذورها إلى النزوع القومي المصري الإقليمي، ومحرّضها الاعتقاد الذي ساد في مصر من أن الدول العربية الأخرى قد خانت مصر في هذه الحرب ، ومبررها نظرة مبتسرة تزعم أن إسرائيل ليست خطرآ على مصر (شأن المشرق العربي الآسيوي)، وأن سيناء تمد بينها وبين إسرائيل ” درعأ عظيماً واقيأ من الرمال ” . وجاءت القوى الرجعية والعميلة لتضع هذه المبررات والحجج في ترسانتها الدعائية وتضخمها إلى أقصى حد في محاولة لتكريس عزلة مصر، التي اهتزت قبل الحرب ومعها.

عندما انفجرت في العام 1953 ثورة 23 تموز (يوليو)، كان المزاج السياسي المصري العام، مزاجاً إنعزاليأ، كما نوّهنا . إن نتائج الحرب والظروف التي رافقتها قد وجّهت ضربة لعملية تبرعم الوعي العربي في مصر، التي كانت آخذة في النمو مع توسع واشتداد الكفاح الوطني المصري بعد الحرب العالمية الثانية ضد الاستعمار الإنكليزي . فما دام العرب أصفارأ، والاحتلال الاستعماري قائمآ ، لذا لا ينبغي لمصر أو الحركة الوطنية المصرية أن تشغل نفسها بالمسألة العربية ، بل إن عبد الناصر نفسه قد تأثر بهذا المزاج بعض التأثر ولفترة ما، وبخاصة في أعقاب حرب فلسطين.

لم يكن تنظيم الضباط الأحرار بعيدأ عن هذا المزاج الإنعزالي حتى بعد إنفجار ثورة 23 تموز (يوليو) . إلا أن عبدالناصر الاستراتيجي، الذي رأى، بعد أن عاد من الحرب في فلسطين، أن ” المنطقة كلها أصبحت كلأ واحدآ سرعان ما تخطى هذا المزاج ” ما دامت المنطقة وا حدة، أحوالها واحدة، مشاكلها واحدة ، مستقبلها واحد… والعدو واحد مهما حاول أن يضع على وجهه من أقنعة مختلفة، فلماذا أشتت جهودنا “. ومن هنا جاءت معارضة عبد الناصر، وحده تقريبأ، لهذا التيار الانعزالي، بل الأصح الإنكفائي ، الذي كان يخيّم على تنظيم الضباط الأحرار، التيار الصريح الذي كان يقول ” مصر أولا ” ، وبالتالي، كان يعتبر انغماس مصر في الشؤون العربية ” ترفأ لا تقوى مصر عليه ، وأنه يجب عليها أن تعزل نفسها عن أمور السياسة العربية المضطربة وتركز جهودها حول مشاغلها الداخلية ” . ما إن تغلب عبد  الناصر على مرارة حرب فلسطين لعام 1948، حتى تبدد ذلك المزاج الإنعزالي الذي كان، كما أثبتت تطور الأحداث ، سطحيآ ومؤقتآ في منظورات عبد الناصر القومية . وخلافآ لمجمل رفاقه، فإن الدرس الذي استخلصه من حرب فلسطين هو حاجة العرب المصيرية إلى التضامن والوحدة ، وذلك كأن الانعزال الاقليمي ليس طريق السلامة بل الطريق الذي يفتح الباب واسعآ أمام إعادة أو تثبيت الهيمنة الاستعمارية وتوسع السرطان الصهيوني. منظور عبد الناصر الكفاحي الراديكالي كان يرى أن من الخرق القول إن العزلة تؤدي إلى السلامة، بل بالعكس، فإن العزلة الإقليمية هي التي أوقعت العرب في براثن الاستعمار. وفضلاً عن ذلك ، فإن منظور عبد الناصر البعيد المدى لعملية البناء القومي كاملة التحرر من الإمبريالية والمنيعة في حالات الصدام الأكيدة هو الذي جعله يتجاوز شرك المنطق الانعزالي ببساطته الساذجة من جهة وانهزاميته من جهة ثانية .

لا شك أننا لا نزال بعيدين عن تبلور رؤية محددة ، واضحة، إيجابية لدى عبدالناصر، رؤية تستلهم بناء دولة مشخصه للوحدة لا مجرّد توجّه عريض نحو تضامن عربي يقف في وجه الاستعمار. لقد كانت الوحدة كبناء سياسي فعلي أملاً بعيداً ، لا بنداً مدرجاً في أمر اليوم . ففي أواخر العام 1953 ، سئل عبد الناصر من قبل صحافي أوروبي عمّا إذا كان يعتقد بإمكان تحقيق أحد أشكال الوحدة العربية التي كان يتحدّث عنها في حينه ، فأجاب :

” كلأ، أولأ بسبب المصالح المتضاربة والمتنافسة بين العائلتين المالكتين السعودية والهاشمية، ثم لأن هناك بلدانأ عربية لا تزال تخضع لنفوذ أجنبي كلي أو جزئي . لكن بالإمكان أن تبدأ هذه الوحدة متواضعة باتفاقيات اقتصادية ودفاعية، كالتي تعقدونها في أوربا ” .

إن إنتقال طموحات عبد الناصر القومية العربية من نزوع إلى مشروع، أي نقل الحركة القومية العربية بقيادته لمشروعها الوحدوي من مشروع بالقوة إلى مشروع بالفعل جاء حصيلة سلسلة من المصادمات مع الاستعمار بلغت ذروتها وتتويجها في حرب السويس ، كما سنرى فيما بعد. فلولا هذه المصادمات ما كان للقشرة الإقليمية أن تنكسر فينتقل العرب ، في عصر عبد الناصر، من عصر الحلم بالوحدة إلى عصر الوحدة.

 لكن لا ينبغي لهذه الرؤية أن تفسر على نحو مبتسر ومشكل ؛ أولأ، إن مصر المندمجة ليست سورية المخلخلة قوميآ والمجزأة سياسيأ . ثانيأ ، لأن عبد الناصر لم يكن ذلك القومي العربي التقليدي المشرقي . إلا أن هذه الحقيقة لا تنال في أي حال من عمق إيمان عبد الناصر بالوحدة التي تربط الأمة العربية ككتلة بشرية متجانسة ومترابطة بوجه عام . هذا الإيمان بوحدة الأمة العربية هو الذي كان وراء دعم عبد الناصر لثورة الجزائر وهي في فترة الإعداد في العام 1953، وهو أيضآ الذي كان وراء رفضه ، وهو يفاوض الإنكليز، ضم تركيا إلى الدفاع المشترك مع الدول العربية الأخرى .

-3-

إن سيرورة تفتح وعي عبد الناصر القومي العربي كانت مرتبطة بالأحرى بممارسته السياسية كمناضل وكقائد لبلد يواجه مسألة الهيمنة الإمبريالية مواجهة لا مصالحة فيها ، قبل أن تكون مرتبطة بتوجه ايديولوجي ، فإشارته إلى العام 1951، العام السابق للثورة، بوصفه العام الذي تبلورت فيه القومية العربية، كمذهب سياسي، في ذهنه، ينبغي أن تربط ، دونما خوف من قسر أو تعسف، بكون الدول الاستعمارية الكبرى كانت تمهد في ذلك الحين لمشروع منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط ، ولم تلبث أن طرحته على مصر في 13 تشرين الأول (أكتوبر)، عام 1951، ودعتها إلى الإنضمام إليه.

في وجه هذه المحاولة، التي كانت ترمي إلى تمويه وتجديد الهيمنة الإمبريالية على الوطن العربي من جهة، وتطويق الاتحاد السوفياتي بحزام عسكري عدواني من جهة أخرى، توضحّت وتأكدت في ذهن عبد الناصر القومية العربية كإطار يربط هذه الشعوب وكدافع إلى التكتل في وجه محاولة  الغزو الإمبريالية الجديدة هذه . إن الإمبريالية هي التي طرحت مجددأ وبحدّة ، على عبد الناصر ومصر والعرب عمومأ، واقع كون الشرق الأوسط يشكل كتلة إقليمية واحدة لا يمكن فصل أجزائها عن بعضها. لقد التقط عبدالناصر هذا التصور الإمبريالي الصحيح عن الواقع العربي ، وأدار حدّه ضد الهيمنة الإمبريالية : نحن العرب كتلة واحدة ، بل نحن أمة واحدة ، وبالتالي فإن الدفاع عن أرضنا من شأننا نحن ، وحدنا.

في تأملأته التي أعطاها اسم ” فلسفة الثورة ” ، التي كتبت على ما يبدو في أواخر العام 1953، ونشرت في العام 1954، تبرز الموضوعة، التي تسمّى في المصطلحات الماركسية “العالمية ” أو “عالمية العالم ” ، كنقطة انطلاق في رؤية عبد الناصر الواقع المصري والعربي. في هذا العالم العالمى ، لم يعد ثمة مجال لعزلة ، وبخاصة بالنسبة لمصر، حيث تحاصرها ضغوط يفرضها الزمان الذي تعيشه، ويستقدمها المكان الذي تقع فيه .

في هذا العالم ، وبخاصة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ، الذي قلّص حجمه التقدم التكنولوجي المذهل والذي تنتصب فيه قوى دولية عملاقة ساحقة، لا في مخالبها فحسب، بل في ظلها أيضأ ، لم يعد هناك مجال اعتبار لشعوب متناثرة ، قزمة، ومتأخرة أيضأ. في حالة كهذه يبقى الأساس الموضوعي لاستقلال حقيقي للشعوب الصغيرة ، ناهيك عن المتأخرة ، هشاً ، مثلوماً ومضعضعاً . هذه الحقيقة تصدق بشكل أخص على مصر ، التي تشكّل مايمكن أن يسمّى نقطة المركز في الوطن العربي ، الذي يحتل ، بدوره ، موقعاً استراتيجياً حسّاساً في العالم .

في مواجهة هذا العالم المتشابك ، المتقلّص ، الضاغط ، حيث يفرض الاستعمار على الوطن العربي ” حصاراً قاتلاً غير مرئي ، هذه المجموعة من الشعوب العربية المتجاورة، المترابطة بكل رباط مادي ومعنوي يمكن أن يربط مجموعة من الشعوب ” رباط جعل ” من أرضنا منطقة واحدة لا يمكن عزل جزء منها عن كلها، ولايمكن حماية مكان منها بوصفه جزيرة لا تربطها بغيرها رابطة  ” ينبغي أن تتجمّع في كفاح واحد مشترك : ” مادامت المنطقة واحدة ، وأحوالها واحدة ، ومشاكلها واحدة ، ومستقبلها واحد ، والعدو واحد … فلماذا تُشتّت جهودنا ؟ ” .

    وما دامت المسألة بالنسبة لعبد الناصر هي ، من حيث الجوهر، مسألة تحرر من الهيمنة الإمبريالية ، لذا كان طبيعيأ أن يمد بصره إلى أبعد من الدائرة العربية ، إلى الدائرة الأفريقية والدائرة الإسلامية . هل كان عبد الناصر إزاء مجرد دوائر جغرافية ، والدائرة العربية مجرد واحدة منها ، وتبحث فيها مصر عن ” مجالها الحيوي وميدان نشاطها ودورها الايجابي في هذا العالم المضطرب ؟ ” وبصريح العبارة هل كنا فقط إزاء ” امبراطورية عربية ” هي توسيع مطوّر ومقنّع لنزعة قومية مصرية ، كما يحلو لكثير من الكتّاب الغربيين قوله ؟ هذا ما ينبغي أن نتبيّنه .

 واضح أن عبد الناصر، في ” فلسفة الثورة ” وإن كان قد أفرد لمصر مكانآ متميّزأ في الدائرة العربية ، إلا أنه أعلن بوضوح قاطع انتماء مصر إلى الدائرة العربية . فالدائرة العربية هي دائرة وطنية ، هي الدائرة التي تشّكل مصر جزءاً منها ، أما الدائرتان الإسلامية والافريقية فتبدوان بمثابة دوائر قريبة أو صديقة للدائرة العربية في صراعها ضد الاستعمار . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن عبد الناصر لم يكسر القوقعة الإقليمية المصرية ليقع في قوقعة إقليمية عربية . إن إتجاه عبد الناصر هذا ، الاتجاه الأفريقي الإسلامي ، الذي تجلى في ” فلسفة الثورة ” إنما هو امتداد مطوّر لإتجاه قائم في ايديولوجية الأفغاني ومحمد عبده ، التي لونت حتى النزعة القومية المصرية الإقليمية. عندما كتب عبد الناصر، ” فلسفة الثورة ” لم يكن بعد، لا من حيث تطوره الايديولوجي ولا من حيث ممارسته السياسية ، قد عانق ما اصطلح على تسميته الآن بالعالم الثالث ، فاقتصر على جزء من هذا العالم المضطهد ، الكادح الذي يقع في مدى رؤيته، جغرافيأ وتاريخيأ ؛ إذ إن السياق الذي تحدث فيه عن هذه الدوائر كان سياق كفاح ضد الاستعمار، ولا ينطوي بالتالي على نزعة دينية أو إقليمية.

بالطبع، لا يسعنا أن ننكر العنصر الديني في أيديولوجية عبد الناصر، كما تجلّت في ” فلسفة الثورة ” إلا أنه يبقى مجرد عنصر ؛ فالدائرة الإسلامية لم تخص إلا بصفحتين (والدائرة الافريقية بصفحة واحدة) ، أما الدائرة العربية وقضية فلسطين فتخص بخمس عشرة صفحة، وهذا يبيّن أن العنصر المهيمن في ايديولوجية عبدالناصر هو العنصر القومي. همومه كانت تحوم، وقد بقيت كذلك حتى وفاته، حول مصر المتحررة القوية. وفضلأ عن ذلك، فإن حديثه عن الدائرتين الإسلامية والافريقية كان حديثأ عن دائرتين برّانيتين ، أما الدائرة العربية فقد تحدث عنها بوصفها ، الدائرة الجوانية ، الدائرة الاكثر أهمية بالنسبة لمصر والأوثق ارتباطأ بها… فلقد ” امتزجت معنا بالتاريخ وعانينا معها نفس المحن ، وعشنا نفس الأزمات ، وحين وقعنا تحت سنابك خيل الغزاة كانوا معنا تحت نفس السنابك “.

في منظور عبد الناصر، في ” فلسفة الثورة ” حيث المسألة المباشرة والملحة هي، كما نوّهنا، الخلاص من الاستعمار، يمكن لمصر أن تقوم بالدور الأكثر أهمية والأكثر إيجابية، لا لاعتبارات تتعلق بالماضي فقط ، بل لمبرّرات  تتعلق بالحاضر أيضأ . وهذا الدور، رغم أن عبد الناصر ينفي أنه دور زعامة، إلا أنه يقول إنه ليس باستطاعة أحد غير مصر القيام به، إنه دور تفاعل وتجاوب مع كل هذه العوامل يكون من شأنه تفجير الطاقة الهائلة الكامنة في كل اتجاه من الاتجاهات المحيطة بها ، ويكون من شأنه تجربة لخلق قوة كبيرة في هذه المنطقة ترفع من شأن نفسها وتقوم بدور إيجابي في بناء مستقبل البشر.

في حديثنا، في مكان آخر من الكتاب ، عن وحدة العام 1958 بين مصر و سورية، سنتناول مسآلة ما يسمى ” الاستعمار المصري ” ببعض التفصيل ، أما الآن فنكتفي بهذه الملاحظات: أولآ، عندما كتب عبدالناصر ” فلسفة الثورة ” كانت مصر من جهة لا تزال محتلة ، وكانت من جهة أخرى تعاني هجومأ ضاغطأ يهدف إلى إدخالها في مخططات الغرب وأحلافه الامبريالية ، وبالتالي : فمن الخرق الزعم بأن بلدأ مستعمرآ، متأخرأ، تطوره البرجوازي تطور تابع ومندلق ، يمكن أن يلد نزعة استعمارية. ثانيآ ، لا في تلك الفترة ولا في التي تلتها حتى العام 1958 كان عبد الناصر متجهأ إلى إقامة بنيان سياسي موحد. لم يكن عبد الناصر قد قطع المسافة بين تضامن عربي ووحدة عربية ، لقد كان متجهآ بالأحرى إلى ضرب من تضامن عربي ضد الاستعمار. ثالثأ، إن عبد الناصر لم يكن يتعسف على الواقع عندما كان يسند إلى مصر هذا الدور المتميّز، الوازن، في حركة الشعب العربي المعادية للإستعمار، فهذا الدور يعترف به الامبرياليون والإقليميون وأنصار التجزئة أيضآ ، ولكنهم كانوا يطالبون مصر وعبد الناصر بالكفّ عن ممارسته والانزواء في عزلة لا بدّ أن تبقي مصر، موضوعيأ، تحت مظلة إمبريالية. رابعآ، في سيرورة تقدم وعي عبد الناصر القومي ذي التلاوين الشرقية والعربية الإسلامية إلى وعي قومي عربي ، من الطبيعي أن ينظر الى الدائرة العربية بمثابة حصن يحيط بمصر ويحميها، وأن ينظر إلى مصر بوصفها مركز هذه الدائرة، وأن ” نطاق سلامتنا (سلامة مصر) يقضي علينا أن ندافع عن حدود إخواننا (الشعب الفلسطيني) الذي شاءت أحكام القدرأن نعيش معهم في منطقة واحدة “.

هذه الأفكار التي أوردها عبدالناصر في ” فلسفة الثورة ” قد صيغت، كما نوّهنا، في سياق أحداث وتطورات كانت تتفاعل في ذلك الحين ، ولم تلبث أن تبلورت محدّدة خطوط القوة في موقف عبد الناصر الاستراتيجي الذي استمر يلهم سياسته التكتيكية ويؤثر على قناعاته السياسية- الايديولوجية حتى آخر أيامه.

في الوقت الذي كانت فيه القيادة المصرية منخرطة في مفاوضات مع إنكلترا تهدف إلى تحقيق جلاء القوات العسكرية الإنكليزية من أراضي مصر، كانت، من جهة، محاولات أميركا لإنشاء الحزام الشمالي ضد الاتحاد السوفيتي تتبلور وتهدّد بإبتلاع العراق ، ومن جهة أخرى كانت بريطانيا تبذل وسعها لربط إجلاء قواتها عن مصر بموافقتها على الدخول في حلف عربي إمبريالي يحفظ ويجدّد مركزها في الشرق الأوسط .

هذه المحاولات الإمبريالية جعلت سياسة عبد الناصر تأخذ شكلأ أكثر وضوحأ ومنحى أكثر راديكالية ؛ ففي أواخر كانون الأول (ديسمبر) عام 1953، عقد عبد الناصر سلسلة اجتماعات شكلت، بالقرارات التي اتخذت فيها، منعطفآ في سياسة ثورة 23 تموز (يوليو) العربية ومنعطفآ تاريخيآ في التطور الحديث للوطن العربي في آن. أحد أهّم هذه القرارات كان التالي: ” إقامة كتلة عربية حرة من أي تأثير استعماري لحماية مصالح الشعوب العربية والافريقية والإسلامية. وعقد معاهدة تربط هذه الشعوب العربية معآ… ” .

في هذه القرارات، التي جاءت حصيلة مرحلة كانت خلالها ثورة 23 تموز (يوليو) تتحرّى الطريق إلى تحرير مصر الكامل من الهيمنة الاستعمارية كي يكتشف عبد الناصر صيغة إيجابية ما لرفض الهيمنة الامبريالية ، التي تمثّلت في عدم الانحياز ، ويكتشف في الوحدة العربية ، بل بالأحرى التضامن العربي ، القاعدة الموضوعية لرفض الهيمنة الامبريالية ، وبالتالي لممارسة سياسة عدم الانحياز ممارسة فعلية جدية . ها هنا نلمس بوضوح الطابع الراديكالي والثوري لمنظور عبد الناصر الوحدوي. في الوقت الذي ينبذ فيه عبد الناصر   استبدال الخضوع بشبه الاستقلال أو باستقلال نسبي ضمن دائرة النفوذ الإنكليزية (كانت القوى الوطنية الأكثر تشدّدأ، كالوفد مثلآ، لا تطالب بأكثر منه)، وينتقل إلى موقف طلب الاستقلال الكامل والكلي ، يكتشف الوحدة العربية، بوصفها الأرضية الصلبة لهذا الاستقلال الكامل والكلي. هنا، في هذه النقطة بالذات نرى كم كان وعي عبد الناصر أكثر انطباقآ على حاجات التحرر العربي من المواقف الأخرى: الانعزالية المصرية أولأ، القومية العربية المشرقية التقليدية التي حولت الوحدة العربية بالأحرى إلى أسطورة سلفية مقطوعة أو ضيقة الصلة بسياقها التحرري ثانيآ، وأخيرآ الماركسية العربية الأقلوية التي كانت تضع الوحدة العربية على الرّف حيناً أو تناوئها حيناً آخر .

عندما تابعت القوى الإمبريالية تنفيذ مخططاتها في إقامة الأحلاف، وأعلنت في 2 نيسان (ابريل) ، عام 1954 الخطوة الأولى الممثلة بالاتفاقية الباكستانية- التركية، كان رد عبد الناصر كالتالي: ” يجب ألا تنضم أي دولة عربية إلى الحلف، فهو حلف غير دفاعي يتجاهل مصالح الشرق الأوسط ، ويهدف في الوقت نفسه إلى تخريب عمل جامعة الدول العربية ” . هنا نرى عبد الناصر، الذي وعى انتماء مصر العربي ، يتخذ موقفأ ينطوي على رفض معتدل  اللهجة ، ما دامت الاتفاقية لم تشمل بلدأ عربيآ، إنه بالأحرى موقف تحذير من المستقبل، وتحذير من محاولة ضم بلدعربي إلى هذه الاتفاقية . وبالفعل فما أن بدا أن الحكومة العراقية في سبيلها إلى الانضمام إلى هذه الاتفاقية، التي أصبحت تعرف فيها بعد بحلف بغداد، حتى أصبحت معارضة عبد الناصر أكثر حدة وتوسعت لتطال الغرب الامبريالي كله . وفي محاولة لتدارك انضمام العراق إلى هذه الاتفاقية ، جرى إيفاد صلاح سالم إلى العراق ، حيث عقد في سرسنك، في الأسبوع الثالث، من آب (اغسطس) ، عام 1954 مباحثات مع نوري السعيد وعبدالإله لم تؤد عملياً إلى تغيير توجه العراق نحو الانضمام إلى هذا الحلف الاستعماري. إن حوار عبد الناصر ونوري السعيد حول هذه المسألة يقدّم أوضح صورة للعالم العربي الذي كان، والعالم العربي الذي يتمخض والذي سيكون : عالم قديم كان راضيأ سادرآ، في المحارة الاستعمارية ، وعالم جديد أخذ يضيق بهذه المحارة ويناضل لتكسيرها ، عالم قديم يتداعى، كان نوري السعيد يمثل حالته النفسية والفكرية والأخلاقية ؛ وعالم جديد يبزغ ، أخذ عبد الناصر يطلق أولى طموحاته ويبلور أولى آماله: عالم قديم كان منبطحأ على أقدام الاستعمار، وعالم جديد يقف ليواجه الاستعمار.

مع انفتاح المعركة ضد محاولات الاستعمار الأنكلو- اميركي لجرّ البلاد العربية إلى الحلف الاستعماري

الذي كان يتبلور ويتكامل، كان وعي عبد الناصر المسألة القومية العربية يتقدّم، وكان إلحاحه على مسألة التضامن العربي وعلى الوحدة العربية يزداد ، بل يمكن القول إن المسألة القومية العربية ، التي كانت عنصراً في أيديولوجية عبد الناصر ، واستراتيجيته ، أخذت تصبح عنصراً بارزاً بل أساسياً ، في سبيله إلى التحوّل إلى عنصر مهيمن فيها .

فخلال أقل من سنة ، أصبح ملاحظآ ، أن مصطلحات عبد الناصر المتعلقة بالمسائل العربية قد أصبحت اكثر تحديدآ وصميمية. وبالرغم من أنه لا يزال في أيديولوجية عبد الناصر تمايز بين عرب ومصريين ، إلا أنّ العرب لم يعودوا دائرة فحسب تحيط بمصر، بل أصبح من اللازم أن يصبح العرب ” أمة متحدة ” واذا كان ثمة حواجز وعقبات غير طبيعية بين العرب ومصر، فإنها ينبغي أن تزول عاجلأ.

والواقع ، إنّ افتتاح محطة إذاعة صوت العرب يشكل علامة بارزة في سيرورة امتلاك عبدالناصر الوعي بالقومية العربية وإشارة إلى أن مصر عبد الناصر قد طلّقت عهد العزلة الإقليمية، وأنها انخرطت في المعمعان العربي . في 4 تموز ( يوليو ) عام 1954 ، قال عبد الناصر وهو يفتتح صوت العرب :

” أطلقت مصر ” صوت العرب ” من قلبكم القاهرة ، حرباً على المستعمرين ، وشوكاً يدمي ظهور الغادرين . أطلقته مصر يعلن ذاتيتكم وقوتكم أمة واحدة، لا تفصلها حدود ولا تمزقها الشهوات ، ولا يقف بينها وبين الحرية تآمر الاستعمار… “.

في الذكرى الثانية للثورة ، في 23 تموز (يوليو) عام 1954 قال عبد الناصر:

” إن هدف حكومة الثورة أن يكون العرب أمة متحدة ، يتعاون أبناؤها في الخير المشترك ، وهي تؤمن بأن الواقع الذي يحتله العرب بين قارات العالم وخدماتهم العظيمة للحضارة ومواردهم الاقتصادية القيمة واتصالاتهم بالشرق الإسلامي وبالشرق كله، يرشحهم لمكانة كبيرة تتيح لهم التأثير على شؤون العالم. وتؤمن الثورة أيضآ بأن مشاكل العرب هي مشاكل المصريين . وإذا كانت مشكلة الاحتلال استنفذت إلى الآن الجزء الأكبر من جهد المصريين، فإنها لم تصرفهم عن المشاركة في كل جهد عربي يبذل من أجل تحرير العرب ، ولا شك أن المستقبل سيشهد صورأ جديدة من تعاون المصريين والبلاد العربية في هذه الرقعة الهامة من العالم …

   كما تؤمن الثورة أن عبء الدفاع عن البلاد العربية  يقع أول ما يقع على العرب ، وهــم جديرون بالقيام به . ولا جدال في أن  قدرتهم على أداء هذا الواجب تزداد كلما رفعت العقبات والحواجز بين العرب وبين ما يلزم لجيوشهم من الأسلحة والعتاد ، وهي حواجز وعقبات غير طبيعية لابد أن تزول عاجلاً ، وأنّ حكومة الثورة لتغتبط أعظم الاغتباط لما تراه من توثيـق العلاقات بين العرب وباقي أعضاء الكتلة الآسيوية والأفريقية واطّراد نجاح هذه الكتلة وظهور آثارها في المجال الدولي … “

………………………………..

هوامش

* هذه المعضلة التي سقط امامها المثقف المتغرب والمثقف التقليدي في آن كان مفروضاً أن تجد حلاً ، كما في الصين أو فيتنام ، عبر ماركسية عربية تقدّم إجابة مناسبة عن مسألتي التحرر من الاستعمار وتلافي التأخر في آن . لماذا كان من المفروض أن تنهض الماركسية – اللينينية بهذا الدور ؟ إن الإيديولوجيا الماركسية تضع المرء في قلب العصر ، وتُحدث عند امتلاك ناصيتها ضرباً من الانقصاف عن الايديولوجيا التقليدية ، وتفتح بالتالي الطريق لاحتمالات التقدم عبر توفير وعي مناسب من جهة ، وتلبّي بشكل كامل كل نزوع الأمة إلى تحرير جذري من الهيمنة الامبريالية من جهة ثانية . إلا أن الماركسية العربية المُسَفيتة بقيت مخصية بفعل الجهالة والسطحية من جانب ومتطلبات السياسة السوفيتية من جانب آخر : كانت تفتقر إلى الحصافة والجذرية في رؤيتها ومواجهتها الواقع التقليدي العربي ، كما أنها كانت تفتقد إلى الجذرية في موقفها من الهيمنة الامبريالية . ومن هنا لم تكن الماركسية العربية المُسَفيتة أقل عجزاً بكثير من النموذجين الآخرين .

________________

نشرت هذه الدراسة في مجلة الفكر العربي العدد22- ايلول / تشرين الأول 1981  ص 540

من دراسة عن الوعي الوحدوي عند عبد الناصر ، ضمن الآثار الكاملة للمفكر الفقيد ياسين الحافظ التي تصدرها دار الطليعة – بيروت . ونشرت بإذن من دار الطليعة .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s