الفكر السياسي العربي المعاصر – انقطاعات وتحولات – رؤية نقدية

الفكر السياسي العربي المعاصر

 انقطاعات وتحولات – رؤية نقدية.   

محمد سعيد طالب

مقدمة :

لماذا لم تصل حركة الثورة العربية إلى أهدافها المعلنة على الرغم من مرور قرن من الزمن على ولادتها؟ ولماذا مازال برنامج التحرر الوطني والقومي من أجل الوحدة العربية والحرية والديموقراطية غير قابل للتحقيق وقد شكلته الهزائم المفجعة في أكثر مسائله؟ هل لأن حركة التحرر العربية لم تقدم شهداء وضحايا أم لأن الأمة العربية لم تبلغ مرحلة النضج الذاتي لتحقيق أهدافها الكبرى. أم لأنها لم تضع البرنامج القابل للتحقيق في ضوء الإمكانيات والشروط الدولية والتطورات الجارية في العالم التي فشلت قياداتها في معرفتها لقيادة نضال حازم وناجح؟ الجواب إن حركة التحرر العربية قدمت آلاف الشهداء ولم تبخل الأمة بملايين الضحايا في ثوراتها التي لم تهدأ في سبيل الاستقلال والتحرر الوطني والقومي. ومع ذلك لا بد من الاعتراف بحدوث أخطاء جسيمة في الممارسة واعتلال في الوعي وتخلف في الفكر عن فهم طبيعة وشروط ومتطلبات النضال الوطني والقومي العربي، في عصر الإمبريالية والحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية. وتجسد ذلك عجزاً عن تحقيق الأهداف المعلنة في الوحدة والتحرر والحداثة. ونجم عنه افتقار إلى المناهج الفكرية والوسائل والأدوات النضالية التي ظلت متخلفة عن تلبية التحولات الثقافية والسياسية والاجتماعية الثورية. ونتيجة لذلك جاءت التحليلات السياسية والاستراتيجيات النظرية غير متطابقة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها الأمة العربية. فغلبت على الخطابات الثورية والوثائق البرنامجية السياسية الجمل الثورية والشعارات التي يجري اقتباسها من الخارج ظناً من القادة السياسيين والمفكرين العضويين بأنها صالحة لنا مثلما كانت صالحة لغيرنا من حركات التحرر وأدت إلى انتصاره وتحقيق أهدافه في الصين وفيتنام وغيرهما.. كذلك لم يكن على جدول أعمال الثورة السياسية ثورة ثقافية لتحديث الأفكار والمناهج  وبخاصة المنهج النقدي العقلاني الذي يعيد صياغة وتصحيح الممارسة والاستراتيجيات. فظل العقل السياسي تبريرياً وتلفيقياً، وخطابه إنشائياً لم يتجاوز أبداً تراثنا الذي اعتدنا أن نبقيه تاريخ فخار ومجد واعتزاز ولا ندرسه ككلية اجتماعية –سياسية –اقتصادية –ثقافية لمعرفة أسباب خروج العرب من التاريخ السياسي ثم الثقافي، وانفراط الدولة العربية إلى دويلات تسلم قيادتها العسكر من الشعوب الإسلامية التي حملت تراثهم لتبرير حكمهم وشرعية سيطرتهم عليهم، وتحويلهم إلى رعايا مقهورين مغلوبين لأكثر من سبعة قرون متتالية. ظلوا محكومين بقوانين التجاوز والتخطي والقطائع المستمرة التي تراكم الأخطاء والهزائم التي يجهدون في تبريرها واختراع أسماء مخففة لها نكبة، نكسة، كبوة، وهكذا ليهربوا من الواقع المرير الذي تهاوت إليه حركة التحرر العربية.  وقد جرت تقييمات ومراجعات متنوعة ومتعددة لهذه المسيرة منهم من وجه نقده إلى المضامين والأشكال والأفكار والوسائل السياسية والكفاحية والفلسفية. ومنهم من تحول من الفكر القومي العربي الوحدوي والتنظير لسياسات  وأشكال ممكنة وملموسة للاتحاد والوحدة العربية، إلى الفكر الانفصالي  القطري والإقليمي والطائفي والإثني، ومن المشاريع النهضوية القومية الحديثة، إلى مشاريع تفكيك الدول القائمة وتفكيك الفكر القومي انطلاقاً من رؤى معادية للعروبة، تعتمد التجريح برموزها ومنظماتها وفكرتها وشعاراتها. بل والتشكيك بوجودها التاريخي والواقعي. لتصبح هذه السجالات التي تتلبس لبوس الموضوعية والعلمانية والعقلانية النقدية والفقهية والتاريخية والفلسفية أدوات لهدم بنيانها الفكري والثقافي والتنظيمي والسياسي والأيديولوجي، بالتنظير للقطرية كحقيقة واقعية وتاريخية لدويلات بهويات حديثة أو قديمة أو لعروبة غير وحدوية، غير نهضوية، وغير مقاومة للاستعمار والصهيونية. تراكم منجزاتها في مجال التحديث والتقدم عقبات على الطريق نحو دولة الوحدة أو الاتحاد. نشير هنا إلى أطروحات جديدة  يجادل بها بعض المفكرين القوميين العرب المحدثين في إطار المراجعات والمطارحات الكلامية تحت عنوان إعادة تقويم الحركة القومية العربية ليثبتوا عقم هذه الحركة فكراً وممارسة. ويقدمونها كتحليلات منهجية، لإعادة الاعتبار للفكر القومي في المرحلة الراهنة، لمواجهة انهيارات المشروع القومي العربي وفق معايير براغماتية عقلانية، تنطوي على إخضاعها  للمنطق الصوري و ترسيمها بصياغات ونماذج من الشعارات تردها إلى أخطاء في طرح أسئلة غير مطابقة بل غير صادقة نتيجة الوعي غير المطابق الذي كان سمة رئيسة للإنتاج الثقافي والفكري. تبينت نتائجه في الممارسة، انهيارات وهزائم منكرة خلال أكثر من قرن من الزمان منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم. وهم بذلك يصدرون أحكام قيمة على قضايا ليست صورية-سفسطائية في الجوهر بل هي مسألة كفاح أمة ونضال شعب من أجل التحرر الوطني من الاستعمار والصهيونية، وبناء دولة عربية واحدة على مبادئ وقواعد الحداثة والديموقراطية والتقدم العلمي والحضاري. تهدف إلى تقديم الواقع في شكل قضايا مقضية فارضة بذلك قراءة مباشرة في صورة إدانات (1)  . وتأسيساً على هذه الأحكام يمكنهم القول: إن القومية العربية كانت مسألة كاذبة وأيديولوجيات غير مطابقة للواقع بل مضللة للوعي العربي. فقد أنتجت الانفصال بدل الوحدة، والسلفية بدل النهضة والحداثة، وتعميق التبعية بدل التحديث والتقدم والاستقلال. بمثل هذه المنهجيات البراغماتية المدرسية، وهي مناهج  غير صالحة لمثل هذه المقاربات ،لأن القضية هنا ذات أبعاد سياسية –اجتماعية وثقافية واقتصادية وعلاقات دولية لا يصلح لمقاربتها سوى المنطق المادي- الجدلي الذي يتعاطى معها ككلية اجتماعية-اقتصادية-سياسية،بما يمكن من اكتشاف قوانينها الثورية وتحليلها كحركة سياسية- مناهج وأفكار واستراتيجيات- فشلت بعد هذا النضال المديد في تحقيق أهدافها الكبرى وهي الوحدة العربية التي لم تتحقق، ومشروعها النهضوي الذي تهاوى في الواقع العملي.  لا شك إن هناك أسباباً موضوعية وذاتية لهزائم وانهيارات هذه الحركة. هنا يجب أن نبحث وندرس ونفكك ونحلل حتى نصل إلى المفاهيم والمعاني التي تقربنا من إشكاليات وعينا وتساعدنا على إيجاد حلول لها.

في هذه المطارحات تبسيط للإشكاليات التي تواجه الفكر القومي العربي ومشروعه النهضوي، وابتذالاً لطبيعة العملية الثورية المركبة والمعقدة التي تحتاج إلى فكر أكثر جدلاً يجمع بين الممارسة والنظرية ليستطيع تحليل الملابسات والأوضاع المتغيرة في عالم تحركه فلسفة القوة والمنفعة والحصول على الثروة والهيمنة والسيطرة على المناطق الغنية بالثروات الباطنية الضرورية للثورات التكنولوجية والعلمية، والموقع الجيوسياسي الذي يمكن القبض عليه من السيطرة على العالم. إن ما نحتاجه هو الفكر الذي ينظر في السيرورات العملية والوسائل التي تمكننا من تحقيق الأهداف المرجوة أكثر من الكلام في العموميات والتنظير الأيديولوجي .

النص الكامل

 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s