مقدمة كتاب ” قراءات في الفكر القومي ”

مقدمة كتاب ” قراءات في الفكر القومي ”
مركز دراسات الوحدة العربية
د . سعدون حمادي

منذ بدء النهضة العربية الحديثة ظهر الفكر القومي كحل للوضع العربي بعد أن قارب العهد العثماني على الانتهاء بحصيلة قاتمة من التخلف الاقتصادي والاجتماعي من جهة، والتعصب القومي المتمثل بحركة التتريك من جهة أخرى . ومنذ ذلك الوقت والفكر القومي يتطور حول محور جوهري واضح وبسيط هو توحيد الأمة العربية وان كانت بدايات النهضة قد عبرت عن نفسها بشكل أولي تمثل بشعور الحكم اللامركزي والتميز عن القومية التركية.
وفي مجال تنظير أسباب القومية العربية ودوافعها، كان هناك الرأي القائل أن التيار الجديد إن هو إلا صدى للنزعة القومية الأوروبية . ولم يكن لدى هذا الرأي من الأدلة المقنعة غير التوافق الزمني وحوادث الاتصال بالغرب . ولم يكن من الصعوبة تفنيد هذا الرأي ، فهناك الكثير مما يمكن أن يقال عنه في هذا المجال، ولكن ذلك و إن كان لا يقع في جوهر ما نحن فيه، الا أنه لابد من الإشارة إلى موضوع واحد هام هو أن نظرية التأثر – إن صح التعبير – تغفل ان الأمة العربية أمة عريقة مضى على تكوينها زمن طويل ، وهي في شعورها كأمة مهما كان شكل ذلك الشعور وأشكال التعبير عنه ، أقدم من أمم الغرب وأطول عمراً، وأنها ذات حضارات قوية في التاريخ . ودارس التاريخ يعرف أن العرب ربما يكونون من أكثر الأمم اهتماما بالأصول والأنساب وأقواهم شعورا بالخصائص . أقول ذلك ولا أقصد بالطبع انعدام التفاعل الفكري بين النهضة العربية والتيارات الفكرية التي كانت سائدة في الغرب و غير الغرب ، فذلك طبيعة الأشياء، فهو موجود في جميع حقب التاريخ بدرجة أو بأخرى . ان التفاعل والتأثر المتقابل وانتقال الأفكار ظواهر لا يمكن نكرانها أو الحيلولة دونها مهما كانت الظروف ، لا بل ليس من المصلحة أن يحدث ذلك .
واليوم، وبعد أن مضى على بداية النهضة العربية الحديثة هذا الزمن كله ، وبعد أن مرت حركة القومية العربية بالمراحل التي مرت بها ، نقف في بداية مرحلة جديدة قد أطلقنا عليها أحيانا مرحلة تجديد الحديث عن القومية العربية ، وإن كان في هذا التعبير ما فيه مما يبعث على التساؤل ، فهو لأن الفكر القومي قد مر في مرحلة انحسار نسبي في الفترة الأخيرة بسبب عوامل سياسية ونفسية أكثر منها فكرية . إن الحديث عن القومية العربية نفسه أمر تقف وراءه عوامل سياسية هي أن الأمة العربية لم تستسلم لوضع التجزئة والسيطرة الاستعمارية ونشوء الكيان الصهيوني ، بل رفضت ذلك الوضع واستجمعت بعضا من قواها لهجوم معاكس . ومن هنا نشأ الشعور بأهمية المساهمة في العمل الثقافي القومي، مهما تواضعت المساهمة.
(2)
في بداية النهضة العربية، كما كان الحال في جميع مراحلها ولو بدرجات متفاوته، كانت هناك مسألة مقومات القومية العربية ، أي عوامل تكوين الشعور القومي . وفي هذا المجال استمد الفكر القومي مادة غزيرة من اللغة والأدب وكان ذلك أمرا منتظرا. فالفكر القومي كان مهتما بتحليل المشاعر ووصف الأحاسيس والتفتيش عن الأسباب وشحر المقومات، فتناول اللغة والثقافة والتاريخ والمشاعر المشتركة محققا إجماعا أو شبه إجماع على أهمية هذه العوامل في تكوين الشعور القومي . ولكنه سرعان ما توسع لعوامل أخرى كان الإجماع عليها أقل كالعنصر والمصالح المشتركة والدين . وهو في جميع ذلك كان يحاول تفسير الشعور الذي يسبق عادة التحليل والتنظير الفكري . إن الشعور يسبق التنظير، ولكن التنظير بحد ذاته يوقظ الشعور ويقوية ، وهكذا كانت تلك العلاقة تفعل فعلها في وسط مثقفي القومية العربية وكتابها .
ويلاحظ أيضا أن هذه البداية قد اتسمت بشيء من العمومية والتشابك مع حقول المعرفة وفروع التيار الفكري في ذلك الوقت ، فكانت هناك المعاجم وكتب التاريخ وإحياء التراث والحديث عن الشخصية المستقلة والتغني بفضائل الشخصية العربية و بطولاتها إلى جانب الشروح والكتابات الأكثر وضوحا في موضوع عوامل القومية العربية . وبفعل عملية التطور والنضج الثقافي وتطور الأحداث حدثت عملية الانتقال الى مرحلة متطورة أعلى ، فكان بذلك الإنتاج الفكري القومي المنظم الذي تناول موضوع االقومية العربية بحد ذاته ، وأفاض في تنظيره موصلا الموضوع الى مختلف طبقات المجتمع ومسمعا الصوت كل زاوية . وقد مثلت الأحزاب القومية في الوطن العربي الدور الأول في ذلك ، كما ساهم ساطع الحصري في ذلك مساهمة تجلب الانتباه .
واذا ما استدارت العين الأخرى الى ما حدث للمجتمع العربي سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، نجد أن شيئا هاما قد حدث في غير المجال الفكري . فالأقطار العربية قد حقق معظمها الإستقلال عن الإستعمار الغربي ، وقامت الدولة القطرية . ومع قيامها بدأت عملية طرح المسألة الإقتصادية والإجتماعية ، أي أحوال الشعب المعاشية . هذا في الداخل ، وفي الخارج بدأت القضية الإجتماعية تأخذ أبعاداً حادة بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية ، وبدأ الصراع بين الشرق والغرب ، ووضع التنمية وأحوال الطبقات المسحوقة على بساط البحث والاختلاف والصراع . وكانت خلاصة كل ذلك أن فكر النهضة العربية الحديثة أخذ يهتم بموضوع بناء الدولة العربية الجديدة – أي نظامها الإقتصادي والإجتماعي ، الى جانب موضوع بعث الشعور القومي وتفسيره .
ان هذا التطور الهام الذي حدث في الفكر القومي كان من أهم ما حدث ، فهو قد نقل التفكير القومي من مستوى الى مستوى أعلى هو النظرية لأنه اعتبر المجتمع الذي يسعى الى بنائه هو الموضوع ، وبذلك كان واقعيا بمعنى مماشاته الواقع واهتمامه بشؤون الأمة والانسان، وهو أمر لو لم يحدث لانعزل الفكر القومي العربي عن تطور المجتمع وما يحدث في العالم . ولأدى ذلك في النهاية الى ضموره وعزوف الجماهير عنه . وبعبارة أخرى ، استطاع الفكر القومي أن يستوعب التطور فبقي حيا ملموسا وواقعيا .
هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان هذا التطور منطقيا من حيث تفاعله مع روح العصر مكتسبا صفة انسانية ومتفاعلا مع مشاعر الإنسان العربي في عصره الحديث.
وهنا أيضا، وكما هو في جميع الحالات المشابهة، كان هناك تفاعل حي مع نظريات العالم في عملية واسعة من النقد والتأثير والتأثر، وفي بعض الأحيان الصراع الحاد والاقتتال الفكري وحتى المادي .
وبفعل هذا الإلتصاق بقضية الشعب من خلال اهتمام الفكر القومي العربي بالجانب الإقتصادي والإجتماعي وتفاصيل معيشة الفرد وأوضاع المجتمع في مختلف المجالات، تولد طبيعيا ذلك الشعور بالمسؤولية السياسية ، أي الشعور بأن القضية ليست قضية فكرية بحته ، بل ان الفكر نفسه وسيلة لتغيير المجمتع نحو الأفضل، وبذلك كان نشوء الحركات القومية المستندة الى فكر قومي هدفه ليس تغيير أفكار ذلك القطاع المحدود من المجتمع – قطاع الفكر والثقافة- بل تغيير المجتمع برمته سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً . وهكذا تطور الفكر القومي الى مستوى جديد آخر في بناء النظرية القومية سواء في مجال بناء المجتمع أو في مجال بناء الحركات السياسية . وكان ذلك تطورا هاما تعود إلية مزية إبقاء الفكر القومي العربي حيا ويفسر توسع قاعدته الشعبية ، وبذلك أصبحت الثورة ممكنة ، وهذا الذي كان ولو بأشكال ودرجات متباينة . وهكذا تحولت القومية العربية من تيار فكري الى ثورة سياسية .
(3)
في التاريخ العربي الحديث يسجل حدث هام لا يمكن إلا المرور به في مجال البحث عن تطور الفكر القومي العربي . هو القضية الفلسطينية . إن ما حدث لفلسطين من جميع الوجوه يمثل موضوعا قوميا جديراً بالإهتمام في هذا المجال . إن تحليلاً فكرياً كاملاً لهذه القضية أمرٌ صعب في هذا المجال ، إلا أنه لا بد من إشارة موجزة إلى أهم ما يمكن أن يتضمنه الموضوع .
لقد عرف العرب الإستعمار الغربي بشكل نفوذ وهيمنة وإستعمار مباشر إستغلال إقتصادي، كما عرفوه بشكل مسعى لطمس الشخصية القومية والقضاء على اللغة العربية ، وفي حالات أشد من ذلك ، بشكل محاولة الدمج والتذويب بالبلد المستعمر، كما في حالة الجزائر. ولكن كل ذلك كان دون ما حدث في فلسطين ، إذ إن الذي حدث هو الإستعمار الإستيطاني بكل معنى الكلمة ، وبكل ما ينطوي عليه من إفراغ الأرض من أهلها وإحلال المستعمرين مكانهم ، وبذلك كان يمثل صراعا على الوجود المادي بالنسبة إلى الإنسان المواطن . وقد أعقب ذلك تجربة واقعية لحياة فقدان الوطن والأرض من قبل اللاجيء الفلسطيني مدة غير قصيرة من الزمن . إن مواطن الأرض المحتلة الذي بقي في أرضه قد عرف بالتجربة وضعا اضطهاديا من قبل الإحتلال الصهيوني لم يعرفه أي عربي آخر. والحركة الصهيونية وكيانها في فلسطين تتوسع تدريجيا في رقعة ذلك الكيان على حساب الشعب الفلسطيني والبلدان العربية المجاورة . كل ذلك قد خلق حالة من الشعور بتهديد الوجود لا يقوى على وصفها أحد دون تجربة عملية . إن القومية العربية الآن تواجه حالة أكثر تعقيدا وحدة من وضع التجزئة وتردي أحوال الدولة القطرية . إنها حالة الصراع من أجل البقاء ضد خطر مادي ملموس وليس محتملا ، وتلك مسألة واقعية من حيث السياسية ، ولكنها ذات أثر فكري ، فالفكر لا يمكن أن ينفصل عن الشعور.
ان القومية العربية تواجه في قضية فلسطين تحديا معروف الأبعاد، ولكنها، من ناحية أخرى تواجه ، وضعا فكريا تتجلى فيه بالملموس اليومي بشاعة الإستعمار الغربي ولا إنسانيته و زيف إدعاءاته في التقدم وإحترام حقوق الإنسان . إنها مقارنة غنية في معانيها الفكرية.
(4)
ومن الأمور الفكرية الهامة التي واجهت الفكر القومي ، مسألة العلاقة بالدين التي فحواها المحدد العلاقة بالإسلام . ان هذه المسألة في بداياتها كانت نتيجة ذل الوضع المتخلف الذي ساد الفترة العثمانية ، فترة العزلة عن الماضي الحي وعن روح العصر . ولعل أكبر خطأ أرتكب في تاريخ الفكر السياسي العربي هو التصور، أوالقول أحيانا بتناقض بين العروبة والإسلام . إن التحليل الموضوعي يشير بكثير من الأدلة إلى أنه ناشيء عن فهم خاطيء لروح الإسلام الأولى وعلاقة الروح والجوهر بالشكل – أي النصوص – وعن ضعف في القدرة على معرفة التاريخ العربي وعلاقة العرب بالأمم الأخرى ودور العرب في الإسلام . ولكن الأمر لا يقتصر على قصور فكري بريء القصد، بل تعداه إلى تأثر غير مقصود، وفي بعض الأحيان مقصود بالشعوبية وآرائها الفكرية .
ومهما يكن، فقد حدث ذلك أحيانا، إلا أن الفكر القومي قد حقق إنجازاً هاماً في التطور، إذ نجح في مقاومة سوء الفهم هذا وصحح العلاقة الفكرية بين العروبة والإسلام . صحيح أن هذا التصحيح لم يكن شاملا جميع التيارات ، إلا أنه حدث وأخذ يتقدم . الإسلام هو روحه العروبة بمعنى أنه يعطي العروبة روح الثورة على الظلم والخطأ ، وهو حافز للتقدم و يعطيها النظرة الإنسانية في إحترام الإنسان والمساواة بين الأمم من جهة ، ويجعل وحدة الأمة العربية وقوتها وتقدمها مهمة أساسية لصالح الإسلام والمسلمين في العالم ، من جهة ثانية . إن نشر رسالة الإسلام يتطلب أن يكون للعرب دور أساسي فيه . وبذلك حقق الفكر القومي تقدما هاما في مجال اختراق محاولة بناء قاعدة للتناقض بين العروبة والإسلام ، وإن كان ذلك التناقض قد فعل فعله السلبي في مرحلة ما وإلى حد ما .
ولكن يلاحظ في المرحلة الأخيرة ظهور بوادر إيجابية تمثلت في تصحيح متدرج في الأفكار والمواقف في التيارات الإسلامية ، حيث نما الإدراك بخطأ التناقض المصطنع بين العروبة والإسلام .
(5)
وبعد أن توثقت العلاقة بين البناء النظري الفكري القومي وتطور المجتمع العربي – أي بعد تكوين العلاقة النظرية والواقع – أصبح الفكر القومي في الوقت نفسه مؤثرا في الواقع ومتأثرا به ، وذلك هو الوضع الصحيح . وقد نتج من تكوين هذه العلاقة توسيع القاعدة الشعبية للفكر القومي متمثلا في نشوء الحركات القومية التي اصبحت ذات أثر في الوضع السياسي بشكل متدرج ، حتى بلغ مرحلة الفاعلية ، فقامت الوحدة بين سوريا ومصر، وحدثت الثورات القطرية ذات الاتجاه القومي بدرجة أو بأخرى . وقد سميت هذه المرحلة مرحلة الدخول في مجال تحقيق المبادىء. الأ أن الفشل الذي اعقب ذلك في حادثي الانفصال وحرب 1967، قد هز الوضع السياسي العربي وهز معه الوضع الفكري لتيار القومية العربية ، فحدث الانحسار النسبي . ويلاحظ على هذه الفترة فكريا أن النشاط فيها قد انحصر في محاولة فهم أسباب الفشل ، وهو جانب سلبي وعلى شيء من الايجابية غير المباشرة متمثلأ في الاهتمام بالتنمية والتضامن العربي والعمل العربي المشترك ، أي الحرص على ما سمي الحد الأدنى . كل ذلك نشاط سياسي، بالطبع ، الأ أنه لم يعدم شيئأ من التنظير الفكري المساند له. ولكن يلاحظ مع كل ذلك أن التيار القومي بقي موجوداً في الساحة ينتظر تطور الأحداث السياسية ، ولم يعدم أصواتاً مصرة وصيحات ثورية صامدة . حتى اتى الانعطاف السياسي مجدداً الآمال وباعثاً على االثقة بالنفس، فارتفع صوت الوحدة العربية وتحرير فلسسطين من جديد ، وترددت أصداء ذلك في ميادين الحياة كافة ، ومنها الحياة الفكرية .
ان التطور عملية معقدة، وذلك أمر عليه اجماع المثقفين . والتعقيد يعني ، في جملة ما يعني، تعدد عوامل الجذب والدفع وعناصر السلب والايجاب ، كم ان العلاقة بينها ليست علاقات بسيطة من السبب والنتيجة بل مركبة ، لذلك ليس من المنتظر أن يكون خط سير المجتمع مستقيما ، بل ان صفته الأساسية هي التعرج . وليس ذلك هو المهم ، بل المهم أن يكون الخط صاعداً .
وفي هذا الصدد، لا بد من التفريق بين أمرين في بحث مسألة العلاقة بين الفكروالواقع . أن يتأثر الفكر بالواقع ذلك امر طبيعي ومرغوب ، وهو ما يجب أن يكون إذا لم يرد للفكر ان ينعزل ويضمر. ولكن مسؤولية الفكر في عملية تقدم الواقع يجب الا تكون تابعة ، بل محركة متفاعلة وقائدة لتطور المجتمع . صحيح أن السياسيين غالباً ما تصدر عنهم المساهمات الهامة في التطور الاجتماعي الا أن ذلك لا يعني عدم وجود مجال للفكر، بل على العكس من ذلك تماماً . والسياسيون أنفسهم عندما تتوفر لهم القدرة على المساهمة يكونون في الغالب متأثرين ، بدرجة او باخرى، بالنشاط الفكري الذي يبذله المفكرون في عملية التطور، كما أنهم غالباً ما يكونون سياسيين ومفكرين في الوقت نفسه .
تلك هي نقطة ضعف في الفكر العربي عموماً ، وهي ظاهرة يستحق الفكر العربي عليها الانتقاد . الفكر القومي يجب أن يكون مؤثراً في الأحداث لا متأثرا بها . وعلى كل حال، فذلك نقد صحيح ولكنه من حيث الواقع أمر نظري . فما حدث في المجال الفكري كان يمثل القدرة الموجودة التي تعكس درجة التطور. إن الضعف النسبي في الفكر العربي في مجال علاقته بعملية التطور قد يرجع إلى سبب ذاتي وقصور يعود الى أمور خارجة عن الارادة . ولكن الأمر قد لا يقتصر على ذلك ، بل يتعداه إلى الموقف الأخلاقي للمفكر العربي نفسه ، أي إلى أمور تتعلق بالموقف الشخصي بكل ما ينطوي عليه ذلك من صلابة وثبات وتضحية ومتانة خلق واخلاص للمبادىء . إن القصور الذي يمكن ارجاعه إلى هذا النوع من العوامل ، أمر مختلف لا نستطيع أن نقول عنه إنه مفروض ، ولا سبيل إلى معالجته ، لذلك فهو يستحق النقد وإشارة التقصير .
-6-
اذا كانت مقولة إن الذهن البشري يزداد حيوية وتفاعلاً ، وبالتالي يزداد نشاطاً عندما يتعرض لافكار الآخرين صحيحة ، عندها يكون التنوع والاختلاف في الرأي مفيداً . إن الحقيقة مسألة فلسفية ، ومهما اختلفت تعريفاتها وتعددت الأمور التي تنطوي عليها ، يبقى فيها شيء هام نستطيع أن نستعين به في هذه المناقشه هو أن الحقيقة ، مهما كان تعريفها ومحتواها ، لا تنكشف للإنسان مرة واحدة . أقول ذلك لا لسبب فني هو التعقيد بل لسبب جوهري هو أن الحياة تتطور. وإذا كانت الحقيقة التي يتحدث عنها الفلاسفة تعنى بالحياة – مهما كان الفهم الفلسفي لذلك – فإن ذلك يعني منطقياً أن الحقيقة تتكشف بالتدريج ، وذلك هو معنى القول المعتاد إن المعرفة تتراكم. نسوق كل ذلك لنقول ان عملية التعلم مستمرة وإن لا أحد يستطيع الجزم أنه يعرف كامل الحقيقة الآن. صحيح أن هناك النظريات التي وضعها مفكرون رصينون ومحترمون التي تقول بمثل هذا الادعاء (أو ربما الأغلبية تقول بذلك) الا ان المهم هو ليس ذلك بل القبول بوجود أكثر من نظرية – أي قبول تعايش النظريات وتنافسها أمام العقل البشري . كل النظريات مفيدة وإن كانت أقل من ادعاء معرفة الحقيقة الكاملة ، اذ ان كل واحدة تجلب الانتباه لأمر او أمور هامة . لذلك ، كان لتعدد الآراء أهمية ، ليس فكرية فقط ، بل وعملية أيضاً .
ان الفكر القومي، منذ بدايته حتى يومنا هذا، يتضمن العديد من الآراء بدرجات متباينة من التنظيم والتنسيق والاقتراب من النظرية . ومهما كانت قضية الخطأ والصواب والقصور والكمال والفائدة والضرر والنعوت الأخلاقية كافة ، يبقى الاطلاع عليها جميعها أمراً مفيداً . إن المناقشة القديمة حول ايهما يحقق المصلحة العامة المقياس المسبق (أي الرقابة) أم المناعة الذاتية (أي حرية الفكر) في التعامل مع ما يعرض على الجمهور من أفكار قد حسمت بالتجارب العملية لصالح تكوين المناعة الذاتية والقدرة الذاتية على تمييز الخطأ من الصواب ، وإن كان ذلك يتضمن بعض الخسائر والأضرار، إلا أن ذلك هو الثمن وليس هناك تقدم دون ثمن . إن شعار حرية الفكر كان وسيبقى هو الأصح وبفضله حققت البشرية التقدم عندما اهتمت به ، وحصدت التخلف عندما أهملته . لذلك كان هاماً وجوهرياً أن تؤخذ جميع الأفكار والتيارات لعملية اعادة الاطلاع على الفكر القومي العربي ، وهر موضوع هذا العمل الثقافي .
في الوضع العربي الآن عوامل ايجابية ، ولعل أهم ما فيه من ذلك هو أن الفترة الماضية ، منذ بداية النهضة الحديثة ، قد شهدت تحديات للفكر القومي لم تكن سهلة ولا قليلة الخطورة. كان هناك التحديات الفكرية المتمثلة في نظريات طرحت كبديل لفكرة القومية العربية. وقد حققت بعض تلك النظريات تقدماً لا يستهان به في حينه ، كما حصل للماركسية مثلا، إذ تبادر لذهن البعض في مرحلة ما أنها هي الأمل وطريق التقدم والخلاص . الا أن تلك النظريات البديلة لسرعان ما انحسرت وبانت نقائضها واتضح قصورها فلم تصمد طويلاً .
وكان هناك ايضاً التحديات السياسية متمثلة بالحوادث السياسية السلبية كفشل الجمهورية العربية المتحدة . ولعل من أهم تلك التطورات السياسية السلبية ظهور الدولة القطرية كبديل للوحدة . الا أن هذه الحوادث هي الأخرى لم تستطع القضاء على الاتجاه القومي وان كانت أضعفته إلى حد ما . فقد عاد أمل الوحدة إلى الظهور بشكل جاد، كما اتضحت نقاط الضعف في الدولة القطرية خاصة في مجالي الأمن القومي والتنمية الاقتصادية . إننا نرى ملامح شعور واسع ، بعضه صريح ، وبعضه خفي ، بأن لا خلاص للأمة الا بالوحدة التي هي أساس القوة والتقدم والحرية .
ان كان هذا التقدير صحيحاً، فعلى الفكر القومي واجب يتعين أن يؤديه ، هو التجاوب وتقوية خط النهوض . وفي مجال الواجب يتبادر إلى الذهن بالدرجة الأولى أهمية الانتاج الفكري الأصيل الذي يوسع هذا الشعور ويقوله من أجل ان تبدأ عملية التصاعد والتأثر والتأثير المتقابل بين الفكر والعمل السياسي القومي . ولكن حتى يبدأ ذلك لا بد من البداية وان كانت متواضعة. والبداية هنا هي محاولة بعث التراث القومي ليفعل فعله ، كما فعل بعث التراث العربي فعله في بداية النهضة العربية الحديثة . لذلك كان هذا الجمع لهذه القراءات التي حرصنا أن تكون حرة بمعنى التنوع والأمانة. والقصد- بالطبع- هو المساهمة المتواضعة التي نأمل أن تحقق هدفها في تقوية الشعور القومي عند المثقف العربي او عند الجمهور العربي .
-7-
والآن، وبعد أن تجلى بوضوح ابتعاد العالم الغربي عن الموضوعية في الجانب الإعلامي بعد أن كان الاعتقاد يسود أن الإعلام الغربي يتوخى الحقيقة ، وبعد أن حاول الغرب جاهدا تعميم هذا الاعتقاد بشتى الوسائل ، وبعد أن أخذت تتكشف ، ولو بالتدريج ، العلاقة المحبوكة بين الآلة الإعلامية بشتى صنوفها وبين مراكز السلطة واتخاذ القرار في العالم الغربي- تلك العلاقة التى تتكون من نسيج مالي واستخباري واداري – نقول بعد ان حدث كل ذلك ، بات لزاماً علينا- نحن العرب- ان نحاول فهم حقيقة الموقف الغربي فكريا . وبكلمة أخرى علينا أن نعرف الجواب عن السؤال الهام ، ألا وهو “هل الغرب موضوعي في المجال الفكري إزاءنا نحن العرب؟ ” هل هناك موضوعية فكرية في ما يتعلق بالعلاقة بنا نحن العرب؟ إن البحث عن الجواب عن هذا السؤال مهم الآن ، كما كان مهما في الماضي ، لا سيما ان البعض من المثقفين العرب ربما لا يزال لديهم بقية من نظرة ايجابية الي تلك العلاقة في مجال الفكر . منذ مدة طويلة كنا نرى، وقد جاءت الأحداث لتقوي ذلك الرأي ، أن الغرب ليس موضوعيا في الفكر، كما كان غير موضوعي في الإعلام ازاء علاقته بنا نحن العرب ، وإزاء كل بلدان العالم الثالث التي تقوم بينه وبينها علاقة إشكالية ، محورها النفوذ والهيمنة والتأثير الاستعماري .
إن مسألة الغرض المسبق في الفكر الغربي ليست جديدة ، فهناك مجمل النشاط التبشيري المدعوم بالنشاط الثقافي والإنتاج الفكري الذي كان ولا يزال في جوهره يخدم الغرض السياسي للدول الغربية ومصالحها . كما تجدر الإشارة أيضا إلى مجمل الإنتاج الثقافي الذي قام به المستشرقون الذي اتضحت أغراضه السياسية المسبقة بأدلة كثيرة جذبت انتباه عدد من الكتاب العرب فكتبوا عنها منوهين ومناقشين ذلك الميل المشوب بالغرض السياسي . والغرض من ايراد هذه الملاحظات هو التمهيد للقول إن القومية العربية والوحدة العربية كانتا دوماً ومنذ بداية النهضة العربية الحديثة الموضوع الأكبر الذي سعي الفكر الغربي والثقافة الغربية إلى مقاومته فكريا وبشتى الأساليب الذكية وغير الذكية أحيانا . وبالطبع ، فالحركة الصهيونية تعير ذلك أهمية أولى، لذا كانت جهودها الثقافية في المقاومة تتناسب مع درجة عدائها لنا .
ومن يتسنى له استعراض الجهد الثقافي المعادي، يجد العديد من المحاور التي يدور حولها البحث والنقاش وإن كانت كلها تصب في النهاية في مجرى الهدف السياسي المسبق ، أي هدف إضعاف فكرة القومية العربية والوحدة العربية :
• فهناك محور البحث في شؤون الأقليات وإحياء لغاتها وتراثها ،
• وهناك محور التشديد على اثر القومية في الغرب في ظهورالقومية العربية للتوصل إلى عقد صلة بين القومية العربية والأفكار النازية التي تحرر منها العالم ،
• وهناك محور خلق التناقض بين القومية العربية والإسلام ،
• وهناك مسألة التشكيك بأصالة الحضارة العربية الإسلامية ، وتقليل أهمية ما أضافته تلك الحضارة إلى حضارة العالم .
• ثم هناك كل ما من شانه أن يغذي الانقسامات الطائفية والمذهبية والتشكيك في الحوادث الهامة في التاريخ العربي ويضعف الثقة بالنفس .
• ثم هناك مسألة العصرنة وما تنطوي عليه من نظرة عالمية تتأتى من الاندماج بالغرب والتخلي عن الهوية باسم التقدم ومماشاة روح العصر .
• ولا يقل أهمية عن ذلك إشاعة الثقافة القانونية التجريدية في المجال القومي التي تنضح بها عبارة الشرعية الدولية والتي تهدف في نهاية المطاف إلى اضفاء صفة الديمومة والثبوت على وضع التجزئة والدولة القطرية تحت غطاء القانون الدولي وشرعية ما هو موجود. ويجد الممحص شيئا غير يسير من ذلك في النشاط الثقافي للأمم المتحدة ومؤسساتها .
والذي يعير مسألة الجهد الثقافي المعادي، الذي يبذله الغرب والحركة الصهيونية ضد الفكرة القومية والوحدة العربية ، أهمية ، يجد إذا ما فتش مليا ، أن هذا الجهد قد تكونت له مؤسسات كثيرة العدد وواسعة النشاط ، بعضها مزروع في الوطن العربي، والآخر في بلدان الغرب ، ويتخذ شتى الأشكال المؤسسية كمراكز البحوث و أقسام الدراسات العربية والإسلامية والشرقية في الجامعات الغربية .
لذلك علينا نحن العرب ، ولا سيما من يعمل منا في المجال الثقافي القومي، أن نعير ذلك الاهتمام المناسب . فكما يكون الهجوم يجب أن يكون الهجوم المعاكس على حد التعبير العسكري . علينا أن نوسع نشاطنا الثقافي القومي كما ونوعا و ان يكون الهدف أولا مخاطبة جيل الشباب . علينا أن نحسن مخاطبة هذا الجيل ، كما أحسن من سبقنا مخاطبتنا خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها . ويقع مشروع هذا الكتاب في نطاق هذا الجهد الذي نأمل أن يكون مفيداً.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s