أليس في الوحدة بقاؤنا وفي التمزق اندثارنا ؟

أليس في الوحدة بقاؤنا وفي التمزق اندثارنا؟
الهادي المثلوثي
الأمة العربية باقية وستبقى ولكن ليس بتجاربها الناجحة ولا الفاشلة وإنما بثوابتها وموروثها المنير وبرسالتها الخالدة وتبقى متطلعة وطامحة لتحقيق أهدافها في استعادة مكانتها وحريتها وقوتها ووحدتها وسيادة العدل وقيم الحق وغيرها من الغايات النبيلة. وبكل صراحة وجود الأمة واستعادة مكانتها وبناء مستقبلها لن يكون بالتعلق بالماضي وتقييمه وإعادة تقييمه والتغني بما كان والبكاء على من أخطأ وأساء وفشل في اجتهاد هنا وهناك عمليا وفكريا وإن كان من المفيد معرفة أخطاءنا التي باتت من ركام الماضي وصداه. والأفيد والأنجع أيضا أن ننظر إلى المستقبل بإعادة إحياء واستنهاض القوى الحية في الأمة لبعثها بعثا جديدا متحررا من مخلفات الماضي ومن غيوم الهزيمة وظلال المآسي وكوابيس العجز والخوف والاستسلام التي لم تتأخر أنظمة الاستبداد والتآمر والعمالة في تكريسها وتأبيدها وكأنها القدر الذي لا مناص منه والواقع الذي لا حياد عنه.
ولقناعتي بأن وحدة الأمة وتحررها وانطلاق قواها الحية هي الخطر الذي يهدد عروش الرجعية وحلفاءها من القوى الاستعمارية وأنظمة الحكم القطرية الاستبدادية وإن كانت تلتحف بشتى الشعارات القومية والديمقراطية وغيرها من فنون الخداع والنفاق السياسية ، فإني أرى من واجب النخب والقوى السياسية المؤمنة بثوابت وأهداف الأمة العربية ألا تبقى أسيرة الماضي والانغلاق على آرائها ومواقفها الخطية وأن تهدر جهودها في ما يثير الشقاق ويعمق الخلافات بما يحول البحث في هموم الأمة إلى عمل يمزق قوى الأمة ويضعف مواقفها.
والحقيقة ما يثير مخاوفي أن ثقافة التجريح والتشريح واستسهال التهم وترويجها قد طغت على مساعي توحيد الجهود والحوار الهادف من أجل ثقافة قومية قادرة على استيعاب الواقع وتجاوز تعقيدات وفكر عربي ديمقراطي يستوعب تنوع الاجتهادات ويستوحي من اختلاف الرؤى والآراء مشروع عمل إستراتيجي شامل وناجع يمارس فيه القومي سلوكه الوحدوي والتحرري والديمقراطي قبل أن يستنزف جهده في التنظير واجترار الشعارات.
وحتى تكون الصورة أكثر وضوحا لابد من القول أن الأمة العربية ممزقة وتوحيدها يحتاج إلى جميع جهود أبنائها المؤمنين بالوحدة وأن الاستعمار وأعوانه المحليين يجثمون على أشلاء الأمة وعملية التحرير تحتاج إلى جبهة من المقاتلين بالقلم والساعد وأن الشعب العربي يرزح تحت نير الاستبداد والقهر ولتمكينه من نظام حكم بديل لابد من أن تكون القوى البديلة قوى التحرر والنهوض القومي في الأمة نموذجا للممارسة الديمقراطية فيما بينها على الأقل.
ما نعيشه أن الأمة العربية التي نعتقد أنها واحدة في أصولها ومصيرها وطموحاتها وفي الواقع نعيش كذلك ما فعل الاستعمار وأتباعه بها حيث يتقاسمنا 22 نظاما أكثرها من أعتى الأنظمة القمعية تشترك غالبيتها في تقديس السلطة والمحافظة عليها باعتبارها أولوية مطلقة لحفظ مصالح العائلة الحاكمة المالكة. فلا مصلحة ولا أولوية تعلو على مصلحة النظام وأزلامه مما حوّل هذه الأنظمة إلى دكاكين أمنية تتاجر بالسياسة والشعارات لتضليل الشعوب العربية وتعقد الصفقات مع أعداء الأمة للحفاظ على عروشها وكل ذلك على حساب مصالح الأمة وحقوقها في الكرامة والوحدة والحرية والأمن والرخاء. وعليه تشترك هذه الأنظمة كذلك في عدم شرعيتها وفي سياسة تعميق التجزئة واجتثاث قوى وقدرات الشعب العربي حتى تتمكن من استدامة استعباده وتطويعه لخدمتها.
وبالتجربة تبيّن أن مقاومة التجزئة والاستبداد والاستعمار تتطلب قيام جبهة أو حركة أو رابطة عمل تستوعب القوى القومية والديمقراطية الوحدوية على قاعدة المبادئ والأهداف التي تتبناها هذه القوى . وإذا كانت الوحدة هي محور التلاقي وهدف من أهداف العروبة والإسلام ومصدر قوة فلا بد أن تعي القوى الحية في الأمة أن الطريق الأسلم والأصلب والأصدق لخدمة الأمة هي وحدة الجهود، وحدة النضال، توحيد الكلمة والحركة لإثبات وحدة الممارسة وممارسة الوحدة على طريق توحيد تفاعل بقية قوى الأمة وتعميق ثقافة التضامن والاتحاد.
والسؤال الذي ظل يحيرني هو ما الذي يمنع المناضلين القوميين الوحدويين من ممارسة وحدة النضال ليقنعوا أنظمتهم وشعوب أمتهم بأن الوحدة قضية حتمية وواقع ملموس بالكلمة والفعل. لماذا لا يُجسّد الوحدويون الوحدة بينهم ويؤسسوا الإطار الذي يجمع كلمتهم وينسق نشاطهم ويقوّي صفوفهم؟. متى يخرج القوميون من قواقعهم وأبراجهم وزواياهم التي صارت تضيق عليهم يوما بعد يوم؟ ألم ينتبه القوميون لتراجع مكانتهم وتدهور نشاطهم واختصار تحركهم على مجرد تجمع هنا أو بيان هناك أو مقال تائه عبر صدى رياح الإعلام المتطارح وتلاطم ثقافة العولمة والتجاوز على الهويات والخصوصيات؟.
وحتى أكون أكثر وضوحا، فإني أتوجّه بسؤالي إلى من هم ضمن الدائرة القطرية حيث يتم توحيد صفوف القوى الوطنية والقومية الوحدوية في كل قطر وصولا إلى الترابط على مستوى الوطن العربي وعموم الأمة. ألا نشهد أن الاستعمار قد وحد صفوفه وقواه وتحالف مع تيارات وأنظمة محلية عميلة لفرض هيمنته وتحقيق مشاريعه بينما القوى القومية والوحدوية العربية والإسلامية المستهدفة دون غيرها تتخبط كل ضمن قوقعته مما يعطي الفرصة للقوى المعادية للعروبة والإسلام لكي تقضي على مفاصل الأمة الواحد تلو الآخر.
عزلت التجربة الناصرية ثم أجهض عليها وعزلت التجربة البعثية في العراق ثم قضي عليها وعزلت التحركات الإسلامية ثم استؤصلت والآن قانون مكافحة “الإرهاب” تجري فصوله وتتحرك جيوش التحالف الدولي والجيوش المحلية لتطبيقه على الأفراد والجماعات وحتى الدول. ونحن ندرك جيدا أن “الإرهاب” يقصد به العروبة والإسلام باعتبارهما منبت التحريض على المقاومة والجهاد حسب ما تروّج له الدوائر الإعلامية المعادية. ونحن ندرك جميعا أن منبت الإرهاب الحقيقي هو الحركة الاستعمارية الصليبية الصهيونية وصنائعها من الأنظمة الاستبدادية.
في ضوء هذه الحقائق، هل بقي من شك أو تردد في كون وحدة النضال صارت أكثر من ضرورية وأن التعلل بأخطاء هذا الطرف أو ذاك من القوميين والوحدويين صار بدعة لا يقول بها غير المعادي والحاقد والفاقد للوعي القومي الحقيقي والممارسة الوحدوية الصادقة. والختام بالسؤال الأخير:
أليس في الوحدة بقاؤنا وفي التمزق اندثارنا؟
الهادي المثلوثي، تونس .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s