العدوان الثلاثي : الطغاة ، أميركا ، اسرائيل

العدوان الثلاثي : الطغاة ، أميركا، إسرائيل
د . احمد برقاوي
إذا كان المثقف ذلك الذي يجعل من الهم الكلي للبشر همه الخاص ويعبر عن ذلك عبر سلوك نظري وعملي، فإن أميركا أحد أهم المواضيع التي يجب أن يكون للمثقف العربي قول فيها. فالولايات المتحدة ـ في هذه المرحلة من التاريخ ـ ليست دولة خارجية بالنسبة إلى أية دولة في هذا العالم . ذلك أنها حاضرة سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتقنياً ـ علمياً ـ بهذه الصورة أو تلك ـ في حياة المجتمعات الإنسانية . كرهنا ذلك أم لا. صحيح أن درجات حضورها مختلفة الشدة والضعف في هذه المجتمعات، لكنها إحدى الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ البشري التي لها قول وفعل في كل مشكلات العالم .
عندما نتحدث عن أميركا يجب أن نميز بين أميركيتين في أميركا. أميركا دولة المواطن الأميركي والقانون الأميركي والحرية الأميركية والرفاه الأميركي وتعدد أقوام أميركا والعلم الأميركي والثقافة الأميركية من جهة . وأميركا الدولة ـ الإمبراطورية ذات النزعة التوسعية المابعد امبريالية ـ المتعولمة ، الهمجية خارج حدودها ، القادرة على استخدام أدوات القتل والتدمير لتحقيق مصالحها في أي بقعة في العالم الذي سمي مرة العالم الثالث ، أو عالم الأطراف أو ما شابه ذلك ، الداعمة لإسرائيل والحامية لوجودها والمبررة لسلوكها العنصري ، الساعية دائماً لإنتاج أنظمة تابعة لها ، مستندة إلى فلسفة نفعية بامتياز .
أن يكون هناك اختلاف بين أميركا الداخل وأميركا المهيمنة في الخارج سلوكاً وثقافة فهذا من شيمة كل الدول الاستعمارية الأوربية بالأصل .
فرنسا الحرية ، صاحبة إعلان حقوق الإنسان ، فرنسا الثورة الفرنسية وفلسفات العقد الاجتماعي ، فرنسا مبدعة فلسفة الحرية هي فرنسا التي قتلت مليون جزائري لأن أهل الجزائر طالبوا بالاستقلال .
من الطبيعي أن ينظر المثقف العربي منذ عصر النهضة وحتى الآن إلى أوروبا ومن ثم أميركا بوصفهما العالمين الأكثر تقدماً وازدهاراً ويعجب بهما إلى الحد الذي يتمنى لو أن التقدم الأوروبي والأميركي يعيد إنتاج نفسه في عالمنا العربي . حتى المصلح الديني من محمد عبده إلى خالد محمد خالد تأثر بتجربة الغرب لأنه باختصار علمٌ وديموقراطية . ومن الطبيعي أيضاً أن يناصب المثقف العربي منذ عصر النهضة وحتى الآن الطبيعة الاستعمارية للغرب وأميركا العداء . دون أن ننفي عداء بعض المثقفين لأميركا والغرب عداء كلياً ، أو إعجاب بعض المثقفين بهما إعجاباً شاملاً . وكلاهما بدافع أيديولوجي صرف .
لكن علاقة المثقف العربي بأميركا الآن صارت أكثر تعقيداً من مجرد الكره والحب كما يحلو للأميركي أن يصور علاقة العرب بها عندما أتساءل لماذا يكرهنا الآخر؟ وكان الأجدر به أن يتساءل لماذا نحمل الآخر على كرهنا . ومع ذلك ـ وكما قلنا لا تقع العلاقة بأميركا في حقل عاطفتي الحب والكره ، بل في حقل الحرية والحرية فقط .
وهنا بالذات يبرز التعقيد الآن .
لو سألت سكان الكويت عن موقفهم من أميركا لأجابتك الأكثرية بأن أميركا هي الصديقة المخلصة للكويت ، هي التي حررتنا من صدام حسين .
مئات الآلاف من المنتمين للأحزاب العراقية الحاكمة يرون ضرورة بقاء القوات الأميركية المحتلة ولا يرون فيها أبداً قوات احتلال .
شاب ليبي في مقتبل العمر يقبل أمام شاشة التلفزيون العلم الأميركي .
ناهيك عن سكان دول الخليج العربي … المهم في الأمر أن أميركا ـ الإمبراطورية الاستعمارية الجديدة المتعولمة المناهضة لكل تقدم عربي ـ قومي شامل ، والداعمة الحامية للكيان العنصري الصهيوني حاضرة في وعي عربٍ بوصفها منقذاً . أميركا التي رعت وترعى كل طغاة العرب وكل طغاة أميركا اللاتينية ذات حضور إيجابي عند بعض العرب .
لا شك بأن الوعي بالاضطهاد دفع كثيراً من أبناء العربية للبحث عن الخلاص حتى ولو من الشيطان .
أميركا وقد رأت الطغاة الذين رعتهم يتهاوون أمام عينيها وفوجئت بالحراك الشعبي الثوري العربي راحت تلعب لعبة الدخول إلى العالم الجديد الذي يصنعه الآن أبناء العربية . وما كان لها أن تنجح بهذه اللعبة لولا السلوك الهمجي السلطوي ضد الشعب الأعزل وهو شبيه بالسلوك الهمجي الأميركي نفسه .
المفارقة الأعجب أن أميركا مع مملكة أوتوقراطية مطلقة ذات أيديولوجيا دينية رسمية تحرّم التظاهر وتمنع الأحزاب والجمعيات وهي السعودية وضد ديكتاتورية معمر القذافي .
يزول العجب إذا رجعنا إلى الأصل في السياسة الاستعمارية القديمة والجديدة تجاه العرب، أهم عنصر من عناصر السياسة الأميركية التي ورثتها عن أوروبا تلقائيا هو التعامل مع حكام عرب وليس مع دول مدنية ـ ديموقراطية . ولأن الحكام العرب ليسوا رجال دولة بل ملاك «دول» فهذه هي الصورة المثلى لما تريده الولايات المتحدة .
ولهذا فإن أخطر ما تواجهه الولايات المتحدة الأميركية هو قيام الدولة في الوطن العربي، أي دولة قطرية أو كانت ما فوق قطرية ، وتحول حاكم الدولة إلى الموظف الأول كما في الولايات المتحدة ذي فترة محددة في الدستور.
ولأن ملاك الدول يعرفون آلية تغيير الملاك فإنهم يجدون أنفسهم تابعين تبعية مطلقة للسيد الأميركي ، ذلك أن السيد الأميركي ذو خبرة في تغيير الحكام ـ الطغاة ـ الملاك . وإذا كان الأمر كذلك ، وهو كذلك ، فإن كل هم السياسة الأميركية اليوم هو الآتي : كيف السبيل للحيلولة دون قيام الدولة ـ المدنية ـ الديموقراطية في تلك البلدان العربية التي شهدت أو تشهد وستشهد ثورات وطنية ديموقراطية ؟ أو كيف يمكن الحفاظ على تبعية نظام سياسي جديد للإدارة الأميركية ؟
لتحقيق هذا الهدف تتبع الولايات المتحدة عدة طرق ، الطريق الأولى ركوب الموجة الشعبية عبر دعمها دولياً ومالياً وعسكرياً إذا لزم الأمر . فتكون النتيجة أن تظل القوى مدينة للولايات المتحدة وللأطلسي . وسيظهر الشيخ في طرابلس يشكر حلف الناتو الذي قيضه الله لنجدة الشعب الليبي ذلك في خطبة صلاة أول يوم العيد .
والطريق الثانية : فتح قنوات خاصة مع المؤسسة العسكرية واختيار النخبة العسكرية التي من شأنها الحفاظ على العلاقة الخاصة مع الإدارة الأميركية .
والطريق الثالثة : عبر القيام بعملية إغراء لبعض المثقفين الضعيفي النزاهة وتحويلهم عبر التدخل الدائم إلى سياسيين في النظام الجديد .
وهكذا يقوم تناقض شديد وطريف في آن معاً ، ألا وهو التناقض بين أهداف الكفاح الشعبي الذي يصنع التاريخ الجديد ويكنسه من الأوساخ ، وأهداف الإدارة الأميركية الساعية لأن يظل السفير الأميركي في كل قطر عربي مندوباً سامياً ، أو هو حكومة الظل . بين أهداف الثورة في قيام دولة بالمعنى العصري للكلمة وأهداف أميركا في عدم قيام الدولة .
هذا التناقض المستتر في هذه المرحلة بين أميركا والشعب بسبب أن القوى الشعبية المستعجلة للخلاص من الطاغية ، والطاغية المفيد في تشبثه بالسلطة تندفع لتوسل أحد أسباب الخلاص من الغرب وأميركا الساعيين لاستمرار التحكم بمصير المنطقة ـ أقول هذا التناقض سرعان ما سيظهر في المستقبل القريب .
فحرية الشعوب لا تستكمل إلا بحريتها من المستبد الخارجي ، أيضاً ستواجه أميركا إذا ما استكملت الدولة الوطنية ـ الديموقراطية بناء نظامها السياسي بوصفه نظام شعب حر وعياً جديداً بالسلطة ، حيث الشعب الذي لا يفكر إلا بذاته ، هذا الوعي الجديد بالسلطة المختلف عن وعي المستبد ـ الذي لا يفكر إلا بمصيره الشخصي ـ لن يرضى بعلاقة تبعية وتفريط بالكرامة الوطنية حيث يتكون وعي جديد بالسيادة الوطنية لا يعود معها السفير الأميركي مندوباً سامياً لدولته في منطقة انتداب.
إن انتفاء دعم المستبد الداخلي من قبل أميركا بسبب انتفاء قدرة المستبد على خدمة أميركا يجب أن لا يخفي عن عيوننا أن أميركا هي العدو الأول للشعب العربي والعدو الرئيس لمنعه من تقرير مصيره على الصورة التي يريد .
يجب أن لا ينسى أبداً الثلاثي المناهض لتقرير مصيرنا الحر: ملاك السلطة ـ الطغاة ، أميركا وإسرائيل ، وكل هذه العناصر الثلاثة على درجة واحدة من الخطورة وذات ترابط شديد. وأي فصل بينها هو فصل تعسفي . الشعب الذي يواجه ثلاثة أعداء متوحشين من هذا القبيل لا يستطيع أن يتجاهل في كفاحه أي عدو من هؤلاء .
لا.. لا تستقيم الحرية إلا بمواجهة شاملة ذكية . ولعمري أن الكفاح الشعبي طويل واستعجال الثمرات أمر مضر، واستقامة التاريخ بوصفه تاريخ البشر الأحرار لا يكون إلا بعد صراع طويل ومكلف.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s